في أواخر الثمانينيات، كان المخرج الأميركي سبايك لي غارقاً في تصوير أحد أهم الأفلام في مسيرته: فيلم «افعل الصواب» (1989) في بيدفورد ستويفيسانت. أدخلنا لي في هذا الشريط إلى هذا الحي في بروكلين بعيون سكانه. أظهر لنا بطريقته الخاصة ما كان يحصل في ذلك الوقت: النزاعات العرقية يمكن أن تنفجر في أي لحظة. بعد عشر سنوات من صدوره، شق الفيلم طريقه إلى «سجل الأفلام الوطني» في مكتبة الكونغرس كونه «مهمّاً من الناحية الثقافية أو التاريخية أو الجمالية». وبعد 31 عاماً، لا يزال فيلم سبايك لي راهناً أكثر من أي وقت!

«الأخوة الثلاثة» (2020) هو عنوان الفيلم القصير الذي احتجّ فيه سبايك لي على وفاة إيريك غارنر (2014) وجورج فلويد (2020). كلاهما ضحية عنف الشرطة العنصرية في الولايات المتحدة. في الفيلم القصير الذي نشره أخيراً على صفحته على تويتر، تداخلٌ بين المشاهد الحقيقية لهاتين الجريمتين، ومشهد قتل راديو رحيم (بيل نان) على يد الشرطة في فيلم «افعل الصواب». لتكريم غارنر وفلويد وإثبات حجته، لم يحتَج المخرج سوى جملة واحدة في أول الفيلم: «هل سيتوقف التاريخ عن تكرار نفسه؟». لعل سبايك لي، أحد أشهر المخرجين الأميركيين السود المعاصرين، لكنه ليس الوحيد في تاريخ السينما الذين منح صوتاً للأفرو ـ أميركيين في أفلامه، عبر إظهار نضالاتهم بهدف تحريرهم من الاضطهاد والعنصرية، وتحقيق أحلامهم وعكس نجاحاتهم وإخفاقاتهم.
الشاشة الكبيرة كانت ولا تزال وسيطاً قوياً لتحليل وفهم المفارقات التي تنتج عن العنصرية، ومشاكل عدم اليقين السياسي والاجتماعي. تقدّم لنا قصصاً للتفكير في دور الإنسان على المستوى الجماعي والفردي. والسينما الأفروـ أميركية مرآة أمينة لواقع يتّسم بغياب المساواة والعنصرية عبر قصص تركز على الصراع والنمو الشخصي في مجتمع يستمرّ فيه لون البشرة في التأثير على جميع مفاصل الحياة والموت.

أوسكار ميتشو استخدم السينما لمقارعة الظلم العنصري الذي كابده السود في بداية القرن العشرين


بالرغم من هيمنة «البياض» على السينما، كانت أول بدايات الصراع العنصري في هوليوود عام 1915 عندما بدأ المخرجون الأميركيون السود في إخراج أفلام بطاقم مؤلّف من أصحاب البشرة السوداء، موجّهة بالتحديد إلى الجمهور الأميركي من أصل أفريقي. استمرّ ما يعرف بـRace film حتى عام 1950. لذلك، يمكن القول إن الفضل في قوة ومبادئ السينما الأميركية الأفريقية يعود إلى أعمال أوسكار ميتشو، رائد السينما الأميركية الأفريقية ومن أكثر الشخصيات المؤثرة في سينما السود، وأكثر المخرجين إنتاجاً في حقبة السينما الصامتة. ظلّ ميتشو في صناعة الأفلام لفترة أطول من أي مخرج أسود آخر. أنتج 43 فيلماً خلال مسيرته المهنية. إنجازاته كبيرة بالنظر إلى العقبات الاقتصادية والفنية التي واجهها المخرجون الأميركيون من أصل أفريقي. منذ فيلمه الأول The Homesteader عام 1919، تناول قضايا حساسة تجنّبها مخرجون آخرون بشكل منهجي. لقد استخدم السينما لتحدّي تجلّيات الظلم العنصري الذي كابده السود في بداية القرن العشرين مثل: الإعدام، والتمييز الوظيفي، والعنف والاغتصاب والاستغلال الاقتصادي.
عوامل كثيرة أسهمت في تراجع الموجة الأولى من السينما الأميركية الأفريقية بقيادة ميتشو، أهمها الأزمة الاقتصادية عام 1929، وسياسة هوليوود الجديدة في اختيار الفنانين السود من الصف الأول وإعطائهم أدواراً ضمن الأفلام، تنحصر أغلبها في الأدوار الموسيقية (أي الممثل العازف). بقي الوضع على ما هو عليه حتى أواخر الستينيات. وفي خضم النضال من أجل الحقوق المدنية والنضال الراديكالي الثوري الأسود، شهدت السينما الأفرو ـ أميركية ازدهاراً ثانياً، وهذه المرة من بوابة هوليوود التي فتحت الأبواب أمام المزيد من الفنانين الملونين، ما أسهم في بروز عدد من المشاهير مثل سيدني بواتييه وهاري بيلافونتي. ولكنّ الحقيقة أن الأدوار التي لعبوها كانت مفصّلة من هوليوود وكانت عبارة عن شخصيات تعزّز منظوراً واحداً ولا تعكس البيئة السوداء ولا مشاكلها أو مخاوفها. إذ كانت تجسد شخصيات سوداء تم إقصاؤها من بيئتها ودُمجت في عالم البيض تماماً. ردة الفعل على تجاهل البيئة الأصلية للسود، أدت إلى ظهور الـBlaxploitation الذي ينتمي إلى «سينما الاستغلال» (Exploitation cinema). كانت أفلام هذا النوع تقارب مواضيع «فاضحة» اجتماعياً مثل الجنس والجريمة والمخدّرات، وأبطالها السود (الذكور والإناث) شخصيات قوية ونشطة وغالباً ما تكون عدوانية. أول مَن أطلق هذا النوع هو المخرج ملفين فان بيبلز، الذي بدأ حياته الإبداعية ككاتب تماماً مثل ميتشو. من أشهر أفلامه Water-melon man عام 1970. يقدم الشريط قصة فكاهية عن رجل أبيض عنصري يستيقظ في أحد الأيام وقد تحول لون بشرته إلى الأسود، فيضطر لمواجهة التمييز الناجم عن العنصرية. وهناك أيضاً فيلم Sweet Sweetback’s Baadassss Song عام 1971. بالإضافة إلى النجاح التجاري المفاجئ لأفلامه، حظي فان بيبلز باهتمام كبير، وأثار الكثير من الجدل. أما الفرضية الأساسية المتمثّلة في هذه الأفلام من الموجة الجديدة، فهي نقل المركزية البيضاء لصالح أبطال من العرق الأسود وعكس المفاهيم التقليدية للشخص الجيد والشخص السيئ تماماً.
بحلول عام 1974، بدأت هذه الموجة السينمائية السوداء بالتراجع، قبل أن تأتي الثمانينيات المحافظة في عهد ريغان، ويتم إسقاط هذه الأفلام. من جديد، هيمنت هوليوود على السينما السوداء وقدّمت أفلاماً كوميدية أبطالها سود أمثال ريتشارد بريرو وإيدي مورفي، لتثبيت صحة النظام وقيم الهيمنة البيضاء. مع ذلك، قامت مجموعة من المخرجين السود الذين أتمّوا دراستهم في جامعات كاليفورنيا، والذين سيعرفون لاحقاً باسم «تمرّد لوس أنجلوس»، بتقديم مشاريع فنية وسياسية تعكس الرؤية الأصلية للسود في أميركا. كانت مشاريعهم تجريبية، وجّهوا فيها خطابات عن «القومية السوداء». لكن هذه الأعمال واجهت الكثير من المصاعب من حيث العرض والتوزيع. على سبيل المثال، استغرق تشارلز بورنيت خمس سنوات لإنهاء فيلمه «قاتل الخراف» (1978)، بسبب البحث عن التمويل وسجن أحد ممثليه. هذه الحركة الجديدة أسست لموجة جديدة من السينما السوداء بدأت في الجزء الثاني من الثمانينيات وأبرز شخصياتها هو سبايك لي.

من فيلم «افعل الصواب» لسبايك لي

طور سبايك لي مهاراته السينمائية في وقت مبكر. في عام 1986، قدم عمله الأول. كان ثورياً، سينمائياً وفكرياً. كاميراته تتميز بزاوية غير تقليدية، وأفلامه واضحة التلميحات، مع إشارات إلى تاريخ السينما، واللجوء إلى فن الفكاهة لمعالجة القضايا الحساسة، وإشراك ممثلات لتقديم شخصيات نسائية قوية، والتحدّث المباشر مع المشاهدين (هدم الجدار الرابع). مع فيلمه الثالث «افعل الصواب»، بدأ سبايك لي بمقاربة ذات نبرة حادة للمواضيع التي أكمل بها حياته المهنية. موضوعات يمكن اختصارها بالتوترات العرقية والعنصرية في أميركا.
تأثير فيلمه الثالث كان واسعاً جداً، ليس لأنه أسس مسيرة سبايك لي فحسب، بل كان الشرارة لموجة جديدة من الأفلام الأميركية الأفريقية ذات المصداقية. موجة انطلقت أوائل التسعينات وحملت توقيع مخرجين جدد، عالجوا مشاكل السود الاجتماعية. نذكر مثلاً فيلم Boyz N The Hood (عام 1991) لجون سنغلتون أو فيلم Straight Out of Brooklyn لماتي ريتش أو فيلم «مالكون اكس» (1992) لسبايك لي، الذي يمكن اعتباره الأكثر طموحاً من حيث البعد السياسي. من خلال السرد المفصّل للحياة السياسية والوجودية ووعي بطلها، أكد لي في الفيلم العلاقة بين الماضي، وحاضر الفيلم، بخاصة مشاهد الأرشيف الشهيرة لوحشية الشرطة التي عانى منها رودني كينغ.
لا يزال لي إلى اليوم حامل راية السينما الأميركية الأفريقية. أفلامه الأخيرة أصبحت أكثر هجومية، وفي الوقت نفسه ساخرة من الواقع القديم والجديد. فيلمه Blackkklansman (الجائزة الكبرى في مهرجان كان وأوسكار أفضل سيناريو مقتبس ـــ 2018)، يعيدنا إلى الماضي، وبالتحديد إلى أيام جماعة الـKu Klux Klan وكيف استطاع شرطي أسود الانخراط في الجماعة. فيلمه الأخير Da 5 Bloods الذي كان مقرّراً عرضه خارج المسابقة الرسمية في «مهرجان كان» (النسخة الملغاة عام 2020) سيتاح على منصة نتفليكس ابتداء من 12 من الشهر الحالي، مع العلم بأن سبايك لي كان سيكون رئيس لجنة تحكيم «مهرجان كان» الملغى، وسوف يترأس لجنة التحكيم في نسخة المهرجان العام المقبل. لا يزال لي في حالة حذر. ينبهنا ويواجهنا دائماً بأفلامه الواقعية التي تتصل بصدق بمعاناة الأميركيين السود. يواصل ترسيخ نفسه كركيزة لا جدال فيها للسينما الأميركية الأفريقية، ولسينما من جميع الألوان.