ساعة من الزمن جمعت إيلاريون كبوجي برفاقه الأسرى الفلسطينيين في سجن الرملة عام 1977. كان التعب والانهاك يبدوان على وجه المطران السوري الذي خاض إضراباً عن الطعام احتجاجاً على التعذيب والتنكيل النفسي الذي تعرّض له داخل السجن الإسرائيلي. يستذكر هذا اللقاء يعقوب عودة الذي ولد في قرية لفتا في القدس المحتلة، واعتُقل بين عامَي 1969 و1985. لقاء خاطف وقصير، قيل فيه المختصر من الكلام، يستذكره أيضاً محمود جدة ونبيل أبو سنينة، وهما أسيران من أبناء القدس، شهدا سلام الأسرى على كبوجي الذي سرد في «ذكرياتي في السجن» تجربة اعتقاله، التي امتدّت بين آب (أغسطس) 1974 حتى تشرين الثاني (نوفمبر) 1977.


في الصورة المطران كبوجي في روما بعد أيام من تحريره ويبدو عليه النحول الشديد بسبب الإضراب المديد عن الطعام (نقلاً عن صفحة الكاتب حسن م يوسف)

هذه الفترة يستعيدها مسلسل «حارس القدس» الذي يروي لنا قصّة حياة كبوجي التي تنبسطُ بين مدن بلاد الشام (سوريا الكبرى)، من حلب حيث ولد إلى بيروت ودمشق والقدس، قبل أن يُمزّقها الاستعمار ثم الاحتلال الصهيوني.
في صيف 1974، ألقت قوات الاحتلال الإسرائيلي القبض على كبوجي، مطران كنيسة الروم الكاثوليك في القدس، وهو يُهرّب بعض الأسلحة والمتفجرات في سيارته إلى الأرض المحتلة. اشتغل كبوجي، حسب مذكراته، كهمزة وصل بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين قياداتها داخل فلسطين. وقد حُكم عليه بالسجن 12 عاماً.
منذ لحظة دخوله سجن الرملة، عُزل كبوجي في قسم الزنازين الذي يقع في ممرّ إدارة السجن، ومنعت عنه الكتب وحُرمَ من إقامة القدّاس، ما اضطره للإضراب عن الطعام مرّات عدة احتجاجاً. كان رفاقه الأسرى يهرّبون رسائل يكتبها لتُنشر في الصحف، وقد قاموا بخياطة لباس كهنوتي له.
يقول يعقوب عودة إن بعض ممثلي الأسرى الفلسطينيين طلبوا من إدارة السجن أن يلتقوا بكبوجي، للحديث معه، فهو ساكن الزنزانة الوحيد، وإذا سُمح له بالفورة (الاستراحة) في ساحة السجن، فيخرجه السجّان إليها لوحده.
«كنت أراه أحياناً من بعيد إذا كان ذاهباً إلى المحاكمة أو إلى عيادة السجن... حينما استقبلناه لمرّة وحيدة في القسم جيم أو قسم المتسللين في سجن الرملة، كان شهماً وهمته قوية وذا ضحكة رغم الإضراب».
شدّ الأسرى الفلسطينيون على يدّ كبوجي. يقول عودة: «في ذلك اللقاء، أشدنا بمبدأيّته وهمّته وكم نحن بحاجة لأمثاله، وقلنا له نحن معك ومع قرارك في الإضراب... دردشنا لحوالى ساعة ثم غادر إلى الزنزانة الانفرادية، ولم نره ثانيةً».
بعد أشهر على هذا اللقاء، أُفرج عن كبوجي بشروطٍ عقب مفاوضات ووساطة دولة الفاتيكان لدى «إسرائيل» وتدخّل البابا بولس السادس عشر، ونُفي إلى روما.
لقد كرّس كبوجي جبّته الكهنوتية لفعل التحرير والمقاومة، وتجربته الدينية والنضالية تستلهم من «لاهوت التحرير»، وهي حركة قادها رجال دين كاثوليك في أميركا الجنوبية حيث نادوا بإقامة العدالة الاجتماعية والمساواة عبر الفعل السياسي والنضالي، وأعادوا قراءة الإنجيل على ضوء كتابات ثورية، باعتباره كتاباً لتحرير الفقراء والمضطهدين من الظلم الاقتصادي والاجتماعي. هكذا نظر كبوجي إلى موقعه كرجل دين، مؤمناً أن المسيح السوري هو «الفدائي الفلسطيني الأول».