أنا كسيحة

منفي إلى غرفتي
أجرّ أنا كسيحة
من أمام التلفزيون
أسحبها إلى السرير
حيث يبدأ عذابها مع الوقت
الذي يتقلّب معها
لا يكفي أن أغلق الباب
لقد مرّ ( ) غالباً
وترك على المقبض
نظرته الماحية
البارحة ترابط في الخلف
إنها عدد يكبر ببطء
نهار واحد يقفز من تحت النافذة
يرتمي على المنضدة
التي ماتت أمس
حيث هناك موتى آخرون
على المنصّات، كانوا أمس كتباً
كانوا قناني انتحرت، حين
الحياة توقّفت وسطها
كانوا أيضاً قامتي التي منحتها للشتاء
وشبحي الذي لم ينهض من السرير
أتكلم معه
ليفسح لي جنبه
لأكون رسالته إلى الحياة
التي هي الآن
باب البرّاد
وصمت التلفزيون
الأشياء تنام على منصاتها
لا نعرف متى تحجرت
ومتى أمرت بذلك
لا نعرف متى وجدنا القرن
يغط في الزاوية
نافثاً عشرين عاماً نافقاً
نحن المحاطون بأشباه الأمس
الذي يتكرّر عدداً بعد عدد
هرير صامت يستعدّ لمواكبتنا
حين يأتينا نحن أيضاً
الأمر نفسه
لقد جاء الوقت
علينا أن نستعدّ لمغادرة أشباحنا
التي لا نستطيع أن نخرج منها
بدون أن نقصّ مجالاً لأنفسنا
في داخلها
إننا فقط في البعيد
حتى في أسرتنا
في البعيد، ودائماً أشباح أنفسنا
الموت يلبسنا
لقد رمونا للآخرين
وتكوّم علينا أشباهنا
المعتقلون في أجسادهم
إننا نتكرّر على طول هذا اليوم
وأحياناً، أحياناً فقط
نحصل على عطلة
أمام التلفزيون
أحيانا نحمل هذه الحياة المعارة
إلى المطبخ حيث نقليها
ونرمي قشورها
ولا نعرف كيف تنقلب في الطبق
إلى كمامة تنظر إلينا
لا نعرف ما الذي وراءها
عقود سنين فقط
عجزت عن أن تكون ماضياً
عقود سنين سقطت منا
كوجبة أسنان بصقناها
أمام قرن لم يزل قاعداً
وإن انقصف في سنه العشرين
منفي إلى غرفتي
أجر أنا كسيحة
من أمام التلفزيون
أنسحب إلى السرير
وأعد خمسة وسبعين عاماً
قبل أن أنام
(27 آذار)

«رأسان»، لوحة للفنان النمساوي رودولف واكر (1932)


قدر صغير
أقلب وجهي على الوسادة
أترك جسدي عائماً فوق سريري
لقد افترقنا كصديقين
لكن لا أريده لهذه الليلة
ولن أتزوّجه لعام إضافي
فمن ثقب في الفضاء
تنقط فوق البلاط
رغبات مطرودة
مشاعر جرى تعقيمها
تنز أيضاً نفوس صغيرة
منظّفة
وجائعة كالبكتيريات
نهار واحد ينحني علينا
عائد من المختبر
حيث رقّ كثيراً تحت الغسل
هكذا يسقف السماء
التي هي حائط مقابل
معقم ونافذ كالصلاة
حيث الأرواح الخارجة من المعامل
تصل في إقفالها
معقمة ونظيفة أيضاً
حيث المناديات يقفن أمام الحجرات
يستدعين أجساداً ضالة إلى أوكارهن
ويسلمن كلاً منها قدره الصغير
معقماً ونافذاً
كالصلاة
(29 آذار)

فكرة منتحرة
عن أي كتف
سقط هذا الرأس
غير المرئي
كأن هوى من فكرة منتحرة
أو خيانة
وبالأحرى تهديد
ليس إلا

إلى أين يخرج هذا الشبح
من أعيننا
إننا نسمع خطواته حولنا
ونحن نرتجف في الملاجئ
حيث انزوينا
إنه يمشي عنا
إلى حيث تصل أفكارنا
إلى حيث يصل خوفنا
هكذا نشعر بدبيب الثواني
وهي تحصي نفسها
وتنفجر بصمت
في مسامنا

جلد جديد تحت الجلد
ولكن أيضاً بعيداً عنه
جلد لا نستطيع بعد أن نجمعه
ولا أن نفسر
اللعنات المرقومة فوقه
شيء كالاختناق، كضيق التنفس
كأنا مطرودة
كألف تقف وحدها
بينما تمتلئ بالخطر

لم يبقَ سوى هذا الصنم
للنهار
سوى هذا اللهاث
لليل
سوى هذا الاسم
للحياة

فقط البقاء عند الفجر الواحد
الذي ينفث ضوءاً كاذباً
يتكرر بدون انقطاع
فوق الأرض المحروقة
وفوق المرضى
فقط اللهاث الرطب والمالح
يصفر فوق الجهات الأربع
فوق الأعداد
التي تتساقط بنفس الوجه
من التلفزيونات
وتنتقل بذات الوجه
من مصرف إلى آخر

عن أي كتف
سقط هذا الرأس غير المرئي
كأن هوى من فكرة منتحرة
أو خيانة
(أول نيسان)

النسيم الأصفر
ماذا يبقى لنا
في هذا الشارع
سوى أن نكمن في السيارة
التي وحدها
تبحث عن فريسة
قد تكون في صراف آلي
بضع مئات تعبت من الانتظار
ومن معاشرة الفيروسات

عجوز وحيد
وجد في النهاية هدفاً
ولن يتزحزح عنه
في هذا الليل
إنه الغد
(بعد أن رماه الجميع)
في شكل سيارة
على مسافة مئة متر
أو يافطة مضيئة
فوق حانة مغلقة
إنه أيضاً دولار من زجاج
يتحرك حسب الساعة
وبعد كل ساعة
يخلق ساعة أخرى
ربما هو العملة الوحيدة الحية
بقليل من الدم
يمكنه أن يعيش
بقليل من الهواء
يستطيع الطيران
ومن يد إلى يد
ينتقل الفيروس
أو ينتظر في الطبق
يختبئ تحت كلمة
أو تحت رقم
عن يمين الدولار

هناك بالطبع الدقيقة
التي تتلوث
وهي تجري مسرعة
والصميم
نعم الصميم
الذي فسد فجأة
ثمة ما يمكث فوق الأوراق العريضة
أو على جدار الرئة
الندى الذي خرج من الرعد
ومن عذاب الليلة
النسيم الأصفر
بين يدين متصافحتين
وهناك أيضاً
ما يبقى فوق القفازات
رذاذ يحسن بنا أن نجففه
قبل أن ندخل

في القاعة يشربون من ذات الكأس
ومن المحتمل أن تكون هذه دمغة
لن نغامر بأن نخفيها داخل بروتيلاتنا
مع ذلك نوزع باللمس وبالأنفاس
ما كان طار عفواً من صدورنا
أفكاراً ملصقة على الزجاج
بدون أن نفكر
غضباً يفيض عن نفوسنا الجرداء
بلا نوايا ولا مشاعر
لم نعد الآن
سوى نسخ لهذا النهار الأعزل
الذي يختفي في السرير
بدون أن يتحقق
وبدون أن يصير وقتاً

إنها سهرة الصراف
مع دولار واحد
وفيروس ينتظر في الطبق
(4 نيسان)

رسمة للفنان الإيطالي فرانشسكو بونجورني


جسد للإيجار
إنهما خطوتان على الأرجح
لكني، مع ذلك، في الخارج
الذي هو أيضاً
قفازات اليدين ووجوه القماش
إنه علينا
ولا يمكن طرده من المنازل
ولا من بين الجدران
الهواء الذي نكرعه
يجعلنا جوفاً
والسماء التي تغدو
بصراً ثانياً
الطريق الذي هو أيضاً قميص
والعراء الذي يرتدينا
ظلالنا التي اختفت
بمجرد أن اصطدمت بأعيننا
إن لم نكن نحن الظلال

خطوتان
تردان لنا صورنا
الباقية من حفلة الذعر
التي لا تزال دائرة
في الصمت الذي يزداد صمتاً
وفي فراغ سحيق
قبلة الفيروس التي تنشب في عنق مكشوف
دون أن يدري أحد
إنها لا تزال تنبح
في وجوه الجميع
المحتشدين أمام (المخازن)
أو تعلق بالإعلان
الذي يحتاج إلى قليل من الدم
باحثاً
عن جسد للإيجار

لأن الصوت الذي خرج من تحت الركام
لم يكن أكثر من حشرجة
والظلال التي اختفت
لا نزال خلفها
الفيروس وحده
مثلما تولّد من اللاشيء
ودب كحياة مخيفة فيه
يريدنا أن نولد نحن ثانية
إنها فقط لعبة مسنين
يريدون دوراً ثانياً
بثمن ما تبقى لهم
من الشقاء

خطوتان على الأرجح أمامي
وسأعيدهما مئات المرات
في الطريق إلى المخازن
أو إلى جارتي
إذ ما ينبس في داخلي
(إلى أن يكون لي داخل)
ليس سوى هذه النسمة
التي تحدث في الغياب
ليس سوى الرعب
الذي يتكلم كدمية
ويلاعبنا ونحن نعد
الساعات والملاعق وأمتار الشرفة
ولا نعرف متى يطبق (الواحد)
وأين
على المائدة
(10 نيسان)

أمثولة العدد
(إلى أحمد بيضون)

في الحجر يوم آخر فوق يوم آخر
أشياء قليلة ولكن أخرى
ليس أمام القراءة والتلفزيون والأكل والنوم
سوى قراءة وتلفزيون آخرين
إنها بارحة مقيمة
حياة من زوائد وأخريات
الوقت شخصياً على شرفة منزلي
بذاره تغطي الفضاء
الثواني تخرج من الساعات
الساعة، بكامل حضورها، تحتاج إلى ستمائة خطوة
أعدّها
مئة بعد مئة
أغسل يدي حتى الثلاثين
وأفرك رأسي عشرين مرة
هكذا أكون آمناً في الحمام والمطبخ والشرفة
تكون مواعيدي وانتظاراتي آمنة
إذا أحسنت عدها
إذا تجاوزت رقماً فهذا سقوط
يمكن أيضاً حسابه
للنوم أيضاً رقم
هناك من يعدّ عنا
من يسلّمنا أعمارنا بالعدد
إننا نسوس هكذا الأشياء
ونتركها تحت السيطرة
لكننا، مع ذلك، نبقى تحت رقابة الواحد
وتحت رحمته
في البدء كان العدد
(11 نيسان)

مرثيّة مبكّرة
خفق مراوح غير مرئية
في النوم
الذي منذ جاء بصعوبة
امتلأ فوراً بدمدمة قلب
استمرت تحت الجلد
صعوداً إلى الرأس
الذي يبتلع صيحات مطفية
من كامل الجسد
المطروح وحيداً على السرير
يتصدع من دون حركة
ودون صوت

لقد جال كالشبح
أوقاتاً في المنزل
ماراً قرب المناضد والأرائك
التي تتململ كلّما مرت الساعات
وتنهض فوق احجامها، وفوق نفسها
فيما يغدو الوقت جباراً
وتكون ساعة الظهر
حدثاً في السقف وللأعمدة
وساعة بعد ساعة
يتضاءل المار
ويغدو مع تراجع الشمس
ظلاً ينضم إلى الظلال
التي تركتها العصاري
وابتلعها المغيب

هناك تلك الدعوة
الشبيهة بإنذار
إلى أن يوافي الفراش
بدون أن ينهي قصص النهار
التي اختفت قبل أن تتم
إذ بقيت
تلك الوسادة ساهرة
منتظرة
كبارحة غير موعودة
إلا بنصف الذكرى
النفس وهو يثرثر
حيثما يمر
في القلب وفي المسام
يعيد نقل الحياة
إلى أشباح باقية
تحت البصر وتحت اللسان
النفس وهو يتكلم في الحلم
أو يغدو نوماً
أجرد إلا من دمدمة قلب
وربما يتواصل كمرثية مبكرة
للجسد المطروح وحيداً
والذي يقاتل في رقاده
مزيداً من الحشرات التي لا يصدها النوم
مزيداً من الأحلام المشفرة
التي تجف فوراً
وتترك مكانها
دوران أجنحة غير منظورة

في هذا الوقت
زيارات مخيفة
هي أيضاً
لا تترك أثراً
تتراجع الغيلان إلى الشرفة
حيث لن يبقى في النهاية
سوى خفق مراوح غير مرئية
في حجرة النوم

سيتراجع الألم إلى الوراء
سيبقى الفضاء يفكر حولنا
ولن يكون ذلك سوى فيروسات
حيث يدور تحطيم الوقت
وتبدأ الثواني بالزحف
لكي يتوقف كل شيء
حين يحدث الظهر
في السقف وفي الأعمدة
وحين يثرثر النفس
في الأحلام
(14 نيسان)

دقيقة نوويّة
عليّ بقفزة واحدة
أن أصل إلى البناية المقابلة
قفزة واحدة
على جانبيها
وقبل أن أقع من نصفها
على عدد البارحة
ألمح السوبر ماركت مفتوحاً
والزبائن ينتظرون في الخارج
وألمح أيضاً أشجاراً واقفة
في باحة المؤسسة الخيرية
لم تقع أي وفاة
ولا أزال إذن حياً
يعرف ذلك السوبر ماركت
وعدد أمس من الجريدة
بقي عليّ أن أطير
إلى نافذة الجارة
لكن البارحة لا تزال مفتوحة
وأنا أتراجع، قد أقع
هكذا في أوّل الشهر
وربما خلف الوباء
سأنشر هذا اليوم كالصحيفة أمامي
هكذا يصبح أسهل لي
أن أسبق إلى عالم معقم
ونظيف أيضاً
سأكون نجوت
لكن القفزة لا تزال صعبة
وسأمشي كيلومترات حولها
هذه بالتأكيد دقيقة نووية
كأن يبدأ العالم منها
كأن يصبح الجميع تحت الأمر
وفي الطاعة الكاملة
سأعثر على عالم
أحتاج فقط إلى كلمة واحدة
لينبطح أمام الأعالي
لقد أخرجوا شاعراً من المصح
وسلموه أن يبتكر
فيروس الجنون
أن يقلب بلداناً على بلدان
وأن يوزع الحياة في أنابيب
أن يخترع القفزة الأولى
للوصول إلى الجيران
في عدد معلوم من السنوات
وأن يجد الاسم الأول
المنصوص عليه في السماوات
للفيروس
الذي يمكن أن يكون الجناح الأيسر
للملاك المخيف
في مراثي دوينو
إنها القفزة التي تعيش بمقدار الحب
وتسقط قبله
حين يكون السوبر ماركت
عروس المكان
وإذ نهوي إلى الجانب الأيمن
فإنّ شيئاً ما
يتبدّد بين القناني
أو يتبخّر في العلب
وبالتأكيد فإن من لا يملك لقباً
يملأ الصناديق بالجو
الذي لا نتوقف عن عبوره
عن الاختفاء بين الأجراس
وبين الأضواء التي تقتنصنا
على أبواب المخازن
إنها فقط الزيارة
التي نعود منها
مصابين
والقدس الذي قد نحمله في دمنا
ليس هناك على الجانب الآخر
سوى الأشجار التي تتقمص قناعاً مخيفاً
تصفر في وجوهنا
سوى الأسرار التي تروح
في العقاقير التي تحفظها
سوى التحية
التي يردها
طلقة أو فيروساً
من لا يغدو إلهاً أو شبحاً
في الدقيقة النووية
***
إذ كان عليّ بقفزة احدة
أن أصل إلى البناية المقابلة
هكذا تستمر حياتي
من عطلة إلى عطلة
هكذا ننتظر ذخيرة عام كامل
في حفرة المصعد
اليوميات منثورة كالبعوض
كتواريخ آنفة
على الشرفات، والواجهة
ذات السطور الكاملة
من السلالم، والحجرات
الملأى بالقطط والقبعات،
والنساء اللواتي يربين
مجلدات يسلمنها
في الغد
إلى معلمات غاضبات
(17 نيسان)

صناعة الذكريات
حين وضعنا العالم خلف الباب
لم يودعنا أحد
لم نسمع حساً
رمى لنا القمصان التي بدلناها
على طول أيامنا
كان جلدنا مخبوزاً فيها
وعلى مراحل
بدّلناه أيضاً
عرفنا كيف نرقعه
لكننا أهملناه في الشقوق
تركناه لغسل الآلهة
التي تعيد خبزه
تركناه لمجانين الشاطئ
الذين أكملوا دباغته
مع مسميات كثيرة
اختنقت فوق الماء
وولادات متعسرة
ما يصيح ليس بالتأكيد سماوياً
إذ ما سمعناه
لم يكن جر أجنحة
وراء الباب
ولا معاناة حياة
تكمل
على نار هادئة
أو مجرد عودة حاشدة
لذكريات
تهرب من حتفها
ولا تستطيع أن تطرد
أساطير وأفلاماً
عنها
إذ يتشبث هذا الوسيم بالقاعة
أو يعبر مقلدون
يجلسون إلى موتى وسيمين
الحياة هكذا تستمر على الشاشة
سطحية
في زمن موبوء
تغادرنا الذكريات
وهذا الماضي
الذي لا يمر بهدوء على الشاشة
وبدون أن يخترع لنفسه حياة ثانية
لقد كان حباً سخيفاً
كان فراقاً عارضاً
ونحن الآن مع موتانا
في الحجرة نفسها
كنا مجرد مارة
ولم تستطع السينما
أن تضيف إلينا
ذلك الصباح
لم يعد لنا
ولم تكن المغفرة
سوى كلمة
ونحن نبحث عن أنفسنا
في القاموس
الذي هو أيضاً مقبرتنا
هل هناك فعلاً
قلب للتضحية
أم أننا دخلنا فعلاً
ولمرة أخيرة
في الزمن البيولوجي
لسنا وسيمين أمام الشاشة
ومن هناك
لا ينظرون إلينا
قمصاننا على الصخور
إلا أن أسماءنا في السماء
ومن هناك تراعينا
يقع الرعد أيضاً
الصاعقة فوراً كلمة
ومن الزمن البيولوجي
من انتينات التلفزيون
يخرج المقلدون
يخرج الفن الذي يتعامل
مع الأشباه
يخرج العشاق والوسيمون
والمواعيد
التي أمضيناها في السجن
والأخوة الذين فقدناهم
في النصف الباقي
من صناعة الذكريات
أو بيعها
لمجانين الشواطئ
(20 نيسان)

أمثولة النزهة
وإذ أُذِن لهذه المدينة بالخروج
أطلقت الشوارع التي ابتلعتها
فسالت أمامها
لم يعد البحر سوى عموم كبير
توزع المارة في الساحات
كإبهامات قصيرة
والذين تركوا غرف الملابس
خرجوا منها
مجهولين
كانت لعبة خاسرة لتبادل الوجوه
وكان هناك الحيوان نفسه
الجد الأصلي
يذكّر الجميع
كنت الذَكَر المتروك على باب المقهى
الذي ناولني قهوة بلا اسم
في فنجان بلاستيكي
سرتُ على الكورنيش
معي وبجانبي
ذلك الثالث
الذي خرج بالتأكيد
من الأرض الخراب
وقّعتُ
من على الرصيف
صخرة الروشة
والمطعم المقابل
تركتُ اسمي على الشوارع
وعلى المرفأ
وعلى العابرين
الذين في الغالب
خرجوا بدون أسمائهم
لقد بدأت هكذا نزهة المغْفلين
وضعتُ بدون اكتراث كمامتي
فوق سطح المبنى
الذي أعمته عدة يافطات
بلغات شتّى
فوق قرميد الفيلّلا
الذي لم يكن حقيقيّاً
فوق رؤوس العابرين
الذين يتباعدون على الأرصفة
لقد شالوا كمّاماتهم
ورموني بعيداً
إنني الآن الرأس المقطوع
لبقيّة المدينة
وأنا أيضاً الكمامة الأولى
التي تدمغ كالحقيقة
وكالفيروس الأصلي
إنني أُعدي بكلمة
بفنجان بلاستيكي
بوجه في طبق
وربما بغلطة
أُعدي باسمي وبكمامتي
وبوجهي الذي أخسره
في اللعب

حين أُذِن للمدينة بالرجوع
بقي البحر مجرد عموم كبير
والذين خرجوا من غرف الملابس
ظلوا مجهولين
النزهة التي انقضت
ولا تزال في نصفها
ليس أمام المخابز
سوى فنجان كريستالي
ووجه على طبق
وتوقيعي على صخرة الروشة
(24 نيسان)

* خلال أسابيع الحجر المنزلي المضنية، عاد عباس بيضون إلى كتابة الشعر بعد قطيعة تجاوزت السنتين. وقد خص الشاعر اللبناني «الأخبار» بعشر قصائد جديدة من زمن الكورونا، على أمل أن تكون نواة مجموعته المقبلة