في فترة الركود الثقافي والشح في الأعمال المسرحية اللبنانية، لم يكن مستغرباً أن يعود المخرج والممثل المسرحي جو قديح إلى الخشبة من زاوية سياسية. إذا عدنا في التاريخ إلى أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى، نرى أنه خلال الأزمات تنشدّ الأنظار إلى المسرح. مثلاً، عام 1917 ابتدعت مجموعة من المسرحيين والصحافيين الروس فن «الأوتشرك» وهو ما يُعرف بالتحقيق الصحافي على شكل درامي، لترسيخ مفاهيم الثورة الماركسية. هذه النزعة السياسية في المسرح امتدت إلى دول عديدة منها ألمانيا، فتكونت حينها فرق الإثارة وجماعة القمصان الحمر ونادت ليكون المسرح وسيلة نضالية لتعبئة الجماهير. اليوم، ما الذي يدفع قديح ليقدّم مسرحيته في وقت عصيب، حيث تشغل اللبنانيين أزمات كثيرة؟ هل تنطبق سمات المسرح السياسي على مسرحية «أم الكل»؟ هل نحن أمام مسرح سياسي جديد قوامه ثورة 17 تشرين؟

على مدى الأيام السابقة، كثّف جو البروفات في «مسرح الجميزة» على عرضه الجديد الذي بدأ التحضير له قبل 17 تشرين 2019 بأشهر، وفق ما يؤكد لنا. غاص في كتابة النص مفتشاً عن الهواجس النفسية للفنان المسرحي في لبنان كـ «التقدم في العمر والوحدة، غياب الضمان الاجتماعي»... وصل في كتابة النص إلى العقم، إلى أن أطل تاريخ 17 تشرين وما حمله من تغييرات، فتقاطعت الأفكار الجديدة للثورة مع ما كان يبحث عنه كـ «الحرية، هدم الموروثات...».
إذاً، انتقل قديح من عواطفه البشرية وهواجسها، إلى طرح قضايا وإشكاليات الفرد في المجتمع اللبناني وعلاقته بالنظام السياسي المهترئ. وبانتقاله من الكتابة العاطفية للنفس الإنسانية في النص المسرحي، إلى طرح قضايا تخص هواجس الجماعة، تتحقق شرطية المسرح السياسي بحسب المسرحي الألماني إروين بيسكاتور، الذي يعتبر أن تجسيد عواطف الإنسان في المسرح هو من أهداف المسرح البرجوازي، وهذا ما ناهضه مؤسّسو المسرح السياسي. علاوةً على ذلك، سيقدم قديح عرضاً واحداً أسبوعياً على مدى شهر واحد وستتفاوت أسعار البطاقات بين عشرين ألفاً وثلاثين ألفاً و«ببلاش» لمن لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً. لكن هل يكفي كل ذلك لتحقيق شرطية المسرح السياسي؟
على قرع الطناجر، تدخل «أم الكل»، تدق ثلاثاً معلنةً بدء المسرحية، في طقس عرفه المسرح منذ العصر اليوناني، لتنطلق بعدها سيمفونية قرع الطناجر التي شهدتها بيروت وشكلت مظهراً احتجاجياً في العاصمة على مدى الأشهر السابقة. تبدأ «أم الكل» بالحديث عن طرائفها وتجربتها مع ثورة 17 تشرين، يطرح المخرج الكثير من المعاني التي قربت المسافات بين أبناء الوطن الواحد حتى بات «ثوار كفررمان» مثلاً أقرب إلى قلبها من جاراتها. «أم الكل» التي يؤدي شخصيتها جو قديح نفسه، تعيش الوهم فتتحدث مع شخصيات ربما موجودة وربما عاشتها ورافقتها، وتطرح في مونولوجها مسار التظاهرات التي شهدها لبنان من حرق دواليب إلى قطع طرقات مروراً بمشاركة الطلاب في المسيرات وإقامة الحواجز البشرية وصولاً إلى رمي الحجارة... فتسجل امتعاضها ممن يستنكر هكذا أعمال: «فهمينا، كيف بتحبي نعملها للثورة؟». تستمر المواقف السياسية اللاذعة في العرض، ويتبنّى المخرج مواقف سياسية مناهضة للسلطة منذ ثلاثين سنة. تتميز «أم الكل» بأنها ذات طابع فكاهي طريف بدون فلسفة. البارز أيضاً أن الشخصية المسرحية الطاعنة في السن، يطرأ عليها تغيير في خط الفعل المتصل. فقبل 17 تشرين، لم يكن الأداء كما بعده، إذ شهدت الشخصية تحولاً على الصعيد الدرامي. يظهر ذلك جلياً من خلال استعمالها أحمر الشفاه وفلت شعرها بعد الحديث عن ثورة 17 تشرين وتقول: «حسيت حالي صبية بعد الثورة».
هذا على مستوى المضمون، أما على صعيد الشكل المسرحي، فقد اختار المخرج أسلوب المسرح الفقير الذي رسّخ معالمه المسرحي البولندي غروتفسكي. في هذا النوع، يتم الاعتماد على قدرات الممثل ومهاراته بعيداً عن الحشو في الديكور والإضاءة والموسيقى أو السينوغرافيا.
مع غياب التمويل الخارجي والدعم المحلي، كانت «الميزانية صفر» وفق ما يؤكد لنا قديح. هكذا، اقتصرت السينوغرافيا على كرسي يوحي بكراسي الرئاسة، ومصباح وطاولة صغيرة في مشهدية توحي بالوحدة والعجز مع قليل من نوستالجيا الحنين التي يبعثها الضوء في فضاء مسرحي ملؤه السواد، تخرقه خطوات متباطئة للممثل في حركة غروتيسك يقوم بها الممثل للتعبير عن هزلية الحياة والسخط الذي وصل إليه حال وواقع البلد.
«كل شيء تم تقديمه في المسرح، كيف لا، والإنسانية قدمت كل ما لديها؟» هكذا يقول قديح في حديثنا معه حول الجديد الذي تحمله المسرحية، ويضيف: «إلا أن المسرح لا يمكنه البقاء على ما هو عليه، ما يستدعي البحث في اتّجاهات جديدة على كافة المستويات المسرحية». لذا، حمل النص المسرحي هموم الناس وما يعيشونه من ظلم نتيجة أفعال السلطة السياسية الحاكمة.
جدير بالذكر، أنه في كل مرحلة مصيرية يمر بها أي بلد، يزداد الوعي السياسي لدى الناس. هذه المرحلة تستدعي بأن يقوم الفن على الاحتجاج والتحريض والإثارة بهدف زيادة هذا الوعي باتجاه حركة تصحيح في المجتمع وأيضاً لتوعية الناس بأسباب شقائهم ومعاناتهم. وفي هذا السياق، يستذكر قديح في مقابلتنا معه، ما قرأه عن المسرحي الألماني برتولد بريخت: «إن كل مسرح، هو مسرح سياسي بامتياز». فالمسرح يشكّل تهديداً للأنظمة ويحقن الجمهور، ما يولد إبداعات أو يفجر ثورات. لكن، ما تم تقديمه في هذا العرض المسرحي يعدّ جزءاً بسيطاً وحجرَ أساسٍ في مسيرة المسرح السياسي. لأن معالمه الحقيقية تقوم على طرح ومقاربة التغييرات السياسية الكبرى بهدف استبدال نظرية سياسية بأخرى، ما يولد مزيداً من التجييش، وزعزعة استقرار المتفرج وحثه على التغيير.
عندما تدخل إلى صالة المسرح، ستجد أن المخرج قديح شيد في وسطها جدار العزل أو ما أحبّ تسميته بـ «جدار العار»، ليستكمل رسائله السياسية من خلال توريط الجمهور في اللعبة المسرحية لبريخت الذي هدم الجدار الرابع بين الجمهور والممثل. وللقول أيضاً: بأنه لم يعد بإمكاننا أن نملأ مقاعد صالة المسرح بأكملها، فالتقشف يطالنا كمسرحيين. يثبت ذلك كلّه أن العمل في المسرح بات فعلاً مقاوماً للتحدّيات وللأنظمة على حد سواء.