لندن | كان الناقد الأدبي جورج ستاينر (1929 – 2020) آخر من بقي من مجموعة المثقفين اليهوديين الأوروبيين ـــ أمثال حنة أرندت وغيرشوم شوليم وولتر بنجامين (وإلى حدّ ما ثيودور أدورنو) ــــ الذين ولدوا في فضاء الثقافة الأوروبية الرفيعة قبل أن يعبروا المحيط إلى العالم الجديد تحت الضغوط النازية ومرحلة التصدعات الكبرى التي شهدتها أوروبا النصف الأوّل من القرن العشرين. هؤلاء جميعهم، وبنحو خاص ستاينر، جلبوا معهم إلى أوطانهم الجديدة أحمالاً ثقافيّة ولغوية وطبقيّة ثقيلة، وكانوا شهوداً على صعود ما يسمى بموجة العداء للساميّة، ومرحلة «الهولوكوست» اليهودي، كما قيام كيان قومي لليهود على أنقاض فلسطين. هذه الأحمال والتجارب لوّنت مغامراتهم الفكرية، ورؤيتهم لمواقعهم في العالم، وفرضت عليهم نسقاً متمايزاً عن مثقفي أوروبا ما بعد الحرب العالميّة الثانية، الملتصقين بالدول الوطنيّة بشكلها الذي انتهت إليه بعد 1949، وأيضاً عن زملائهم الأميركيين.

ستاينر تحديداً جاء من أسرة يهوديّة برجوازيّة ثريّة متصهينة كانت تقطن فيينا (عاصمة الإمبراطوريّة النمساوية). وجد والده الذي كان يعمل محامياً في البنك المركزي النمساوي أن الأجواء المعادية لليهود قد أخذت بالتصاعد قبل أن ينتقل إلى باريس في 1924 مفضلاً إيّاها على الأرض الموعودة التي اختار يهوديون أوروبيّون كثر أن تكون وجهتهم التالية. هكذا شاءت الأقدار أن يولد جورج في باريس، ويتلقى دروسه فيها قبل أن تنتقل العائلة مجدداً وهذه المرّة إلى الولايات المتحدّة حيث قُبل لدراسة الأدب الإنكليزي في «جامعة شيكاغو». على خلاف الجامعات الكلاسيكيّة الكبرى، كانت «جامعة شيكاغو» تغصّ بالشّبان اليهود المندمجين كلية بالثقافة الأميركيّة أمثال سوزان سونتاغ وفيليب روث وآلان بلوم وشول بيللو. وقد حصل بعد «شيكاغو» على الماجستير من «جامعة هارفارد»، وأخيراً انتقل إلى «أكسفورد» في بريطانيا لتحضير الدكتوراه التي نالها في 1955 (وإن بعد محاولة ثانية). هذه النشأة بين تقاطع أقانيم أوروبا القديمة، والثقافة البورجوازيّة المتعددة اللغات، والغنوصيّة اليهودية والسياسية الصهيونية، والأكاديميا الأنغلوفونيّة أنتجت ستاينر الناقد وطبعت لسبعين عاماً مقارباته للثقافة والأدب والفلسفة.
امتلك ستاينر قلماً أنيقاً، ولساناً لاذعاً، وعقلاً موسوعيّاً، وقدرة فائقة على التنقّل بأريحيّة بين الفضاءات اللغوية الألمانيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة، وطاقة مثيرة للإعجاب على ربط الظواهر الثقافيّة والنصوص الأدبيّة بالمفاهيم الأخلاقيّة والموروث الديني العبراني. لذا، أثارت كتاباته جمهور القرّاء العام، وأصبح له متابعون كثر سواء لمحاضراته المثيرة للجدل أو لمقالاته وكتبه ومراجعات الكتب التي كان ينشرها بتواتر في مجلة «نيويوركر» الأميركيّة المرموقة (المقربة من النخبة اليهوديّة في شرق الولايات المتحدة) وصحيفة «صانداي تايمز» البريطانيّة (اليمينيّة) وغيرهما من العناوين الكبيرة. لكن منهجه النقدي المعتمد قراءة النصوص من خلال البحث عن معناها الأخلاقي – الفلسفي الكليّ عند نقطة تقاطع التاريخي بالسّياسي في تجارب الثقافات، لم يقنع المتخصصين مطلقاً، بداية من رفض بروفيسورة أكسفورد هيلين غاردنر قبول النسخة الأولى من رسالته للدكتوراه (نشرها لاحقاً بعنوان «موت التراجيديا» عام 1961)، إلى تصويت الأكاديميين في «جامعة كامبردج» ضد منحه منصب مدرّس في الجامعة، وانتهاء بإهمال الأكاديميات الأدبيّة له رغم كل الضغوط الصهيونيّة لدفعه إلى الواجهة. هكذا، أصبح ناقداً ذا شعبيّة بالغة بين قراء الصحافة اليمينية المحافظة، فيما مقته الأكاديميون اليساريّون وتيارات النظريّة النقدية الجديدة والبنيويون والتفكيكيّون، التي كانت قد اكتسحت مناهج النقد الأدبي وكليات الأدب في النصف الثاني من القرن العشرين، وأقصت أساليب النقد الكلاسيكي القديم. ولذا لا تجد اليوم في دنيا النقد والأدب مدرسة تحمل اسم «الستاينريّة» أو مريدين يوصفون بـ «الستاينريين». وقلّما تجد أحداً نقل عنه في دراسة جامعيّة رغم أنّه حاضر في أعرق الجامعات في بريطانيا وسويسرا والولايات المتحدّة، واقتصر ذكره في أهم موسوعة للنقد الأدبي (أنثولوجيا نورتن للنظريّة والنّقد) على صفحات معدودات. هذا في الوقت الذي يبقى اسم ستاينر معروفاً على نطاق واسع بين القرّاء غير المتخصصين في بريطانيا والولايات المتحدّة وكتبه واسعة التداول، وإن كان أقل شهرة من معاصره الناقد اليهودي الأميركي الآخر هارولد بلوم (1930- 2019).
نصوص ستاينر المنشورة تنوعت بين الفلسفة الدينية والثقافة والأدب والبحث في أصول الخطاب، ومعنى الحقيقة وإمكانات الترجمة وسعة الثقافة، كما تجاربه الصحافية الوفيرة في النقد الأدبي التطبيقي، ومساجلاته الممتعة مع كبار المثقفين، وهي جميعها مشغولة في أجواء ثقافته اليهودية (رغم أنّه لم يحسن العبرية الحديثة قط)، لا سيّما ثيمة الهولوكوست (وإن كان شخصياً يفضل تعبير Shoah العبري)، وما اعتبره الغياب الإلهي غير المبرر عن معاناة شعبه اليهودي في معسكرات الاعتقال، وسقوط اللغة والأدب والفنون في مواجهة المذبحة، وعجزها جميعاً عن منح البشر رقيّاً أخلاقيّاً يمنعهم من الانخراط في تشغيل ماكينة قتل الآخر المختلف. لكنّ هذا الناقد الفيلسوف الغاضب على القتلة وخيانة الربّ وصمت المثقفين، بقي مع ذلك مؤيداً صارماً للحركة الصهيونيّة حتى آخر أيّامه، وجادل بحرارة عن حاجة البشر إلى مفهوم «إسرائيل»، ورسم في مطالعته دائماً أنموذجاً ثقافياً غربياً متعالياً يقوم على الربط بين فكرة أثينا القديمة وفكرة أورشليم الموعودة في تناقض أخلاقيّ- فلسفيّ عجيب، وشيزوفرينيا فكريّة اختياريّة مثيرة للخجل.

أهم أعماله على الإطلاق كتابه «بعد بابل: جوانب من اللغة والترجمة»

وقد كانت له شطحات في التحليل الثقافي أثارت عليه اليهود أنفسهم أحياناً ومنها تفسيره للعداء الأوروبي (الدائم) للساميّة بأنّه ميراث رد فعل الوثنيين تجاه القيم التوحيديّة العالميّة الرفيعة التي أتى بها الدين اليهوديّ بنسخه الثلاث المتعاقبة التي مرّت بالوعي الأوروبي على حد تعبيره: موسى واليهوديّة القديمة، والمسيح والمسيحيّة، وكارل ماركس والاشتراكية. في كتابه «قواعد الخلق» Grammars of Creation الذي نشره عام 2001، يغرف ستاينر من ثقافة القابالا اليهوديّة في سعيه لتفسير غموض عمليّة الإبداع في الآداب والفنون، فكأنها شيء من ميتافيزيقيا الخلق. لكن أهم أعماله على الإطلاق كان كتابه «بعد بابل: جوانب من اللغة والترجمة» (After Babel: Aspects of Language and Translation) الذي صدر عام 1975 وجادل فيه بأنّ الترجمة ليست مسألة عابرة، وإنما هي أساس تأطير اللغة، وأن كل تواصل وتعبير إنساني ما هو في النهاية إلا ترجمة على مستوى ما منطلقاً من ثيمة برج بابل التوراتيّة.
الجانب الآخر الذي لوّن مواقف ستاينر وكتاباته كانت تلك النزعة البرجوازيّة المتأنقة التي غلبت على فهمه للعالم، وطبعت سلوكه ونصوصه بمحافظةٍ نخبويّة مترفعة، وعداء تلقائيّ للثّقافة الشعبيّة ومنتجاتها. وهو في مقابلاته الصحافيّة لم ينكر ذلك مطلقاً، بل اعتبر أن مسألة تذوّق الفنون الرفيعة وعبور النصوص الأدبيّة القيّمة أمراً محصوراً بالنخبة، وليس في متناول معظم البشر، وأن القدرة على منح الأعمال الخالدة الشغف الذي تستحقه كي تُفهم ليست متوافرة عملياً عند المشغولين بكسب العيش اليومي. لكنّه مع ذلك لم ينكر أولويّة المبدع والفنان على النّاقد المدين أبداً لهؤلاء العباقرة بمهنته وشغف حياته.
أن يكون المرء صهيونياً أو برجوازياً لا ينقص بالطبّع من قيمة المُنجَز الثقافي الذي يمكن أن يقدّمه. ستاينر تحديداً لم يكن بقادر على تدبيج نصوص مملّة أو غير مستفزة ـ إيجابياً ــ لوجدان القارئ، وأسلوبه في مقالات نقد النصوص ومراجعات الكتب لا يزال علامة فارقة في دنيا الصحافة الجادة مهما تعارضت مع المناهج النقدية السائدة. ولذا فهو جزء لا يتجزّأ من مغامرة العقل الغربي وثقافته في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن معرفة مرجعياته الثقافيّة والطبقيّة أمر أساس للتمكّن من عبور نصوصه وتفكيك كلماته ووضعها في سياقها الصحيح دونما الوقوع في فخّ التّهويمات الأخلاقيّة والميتافيزيقيّة التي كان يودّ لو اكتفينا بتجرّعها عند قراءته.