أمامنا امرأة وحيدة، تقف في فضاء «استديو زقاق» في مساحة مسوّرة بمقاعد زرقاء. ترغب في البوح، فتدعو عدداً من الحضور إلى الجلوس بقربها. مع العيون المحدّقة عن قرب، تكتمل معدّات الاعتراف والنبش الداخلي في عرض «هذا ليس نصّاً محفوظاً، هذه قصّةٌ مدروسة» الذي كتبته وتؤديه ديمة متّى منفردة (إخراج يارا بو نصار). في الأعمال المونودراميّة يتّسع القالب الأدائي والسردي لانفلاش الذات. وفي سيرة ديمة متّى الشخصيّة تتشكّل الذات على المسرح تدريجياً من ذكريات واستعادات وقراءة شخصيّة لامرأة مثليّة تعيش في بيروت. قراءة قائمة على تكسّر وشكّ وتضارب في مدينة «تشعر أنه لم تعد لها القدرة على حملها وتحمّلها» كما تخبرنا منذ البداية، لكن العرض ينتهي من دون أن نعرف لماذا لم تعد قادرة على تحمّلها، سوى أنها لم تستطع أن تمسك بيد حبيبتها فيها. لهذا، فإن واحدة من وسائلها للنجاة، هي الاستمرار في اختلاق وهم رومانسي لهذا المكان الخانق. ديمة التي عملت في التمثيل لأكثر من عقد، تقف أمام الجمهور هذه المرّة في الدور الذي تريده، حيث تمّحي الخطوط بين الحقيقة والمسرح. «إذا كان هناك كتاب ترغب بقراءته، لكنه ليس موجوداً بعد، فعليك كتابته». وفق نصيحة الكاتبة الأميركيّة توني موريسون، تقصّ متّى حكاياتها على الحاضرين باللغة الإنكليزية (ترافقها ترجمة إلى العربية)، وفي المرّة الوحيدة التي تحكي فيها بالعربيّة، تفعل ذلك لتخبرنا أنها لن تعتذر لأنها تتكلم بالإنكليزيّة التي ترتاح بالتعبير عن نفسها بها. لكن خيارها اللغوي يبدو كأنّه استسلام لسلطة اللغة الأمّ، وخصوصاً أنها تشير في العرض مراراً إلى هذه السلطة.
قراءة شخصية قائمة على تضارب في مدينة لم تعد لها القدرة على تحمّلها


في العرض ترتدي ديمة بنطلوناً أحمر، وتتنقّل من حالة إلى حالة مع تبدّل موقعها، بين الجلوس على الكرسي والتمدّد على الأرض والوصول إلى الجمهور. هناك ذكريات كثيرة: المرّة الأولى التي تمكّنت فيها من الإمساك بيد امرأة بلا خوف في نيويورك. التاريخ العائلي الذي يظهر فيه طيف الحرب الأهلية، الانهيارات النفسية، كل ذلك يبدو كأنها تُحصي الندوب التي صنعت شخصيتها. تضع صراعاتها عن الهُويّة الجندريّة واللغة والرغبة، والعلاقة مع الجسد كلها أمامنا. صراع الجسد المثلي في مدينة كبيروت، هو الصراع الأساسي، إضافة إلى تبعاته النفسية والذهنية والجسدية التي تعيشها المرأة. نتعرّف إلى أوجه عدّة من علاقتها مع جسدها المثلي من جهة، وعلاقة هذا الجسد مع جسد حبيبتها. في مقاطع من العمل توغل عميقاً في هذه التناقضات. تشارك رغبتها في التخلّص من صدرها أحياناً. تدخلنا إلى غرفة النوم وتصف جسد حبيبتها، ونوبات القلق التي أصيبت بها الممثلة بعدما افترقتا. مع الوقت، يواصل النص تدريجياً «التعرّي» النفسي الذي لا يخلو من سخرية على ميلها إلى العذاب، وحاجتها إلى الشفقة على نفسها. يحمل الجسد أيضاً النظرات والتأويلات الخارجيّة له. تتهكّم متّى على نظرة الإعلام الغربي إلى المثليين العرب. هي «مثلية» و«عربيّة»، صفتان تلقيان، وخصوصاً إذا ما اجتمعتا معاً، ثقلاً مضاعفاً لتجد نفسها محاصرة بين النظرتين الغربية والمحليّة.
رغم أنها تقطع استرسالها بالمونولوغ مراراً، عبر الحديث مع الجمهور ومع من هم حولها، إلا أنها تبدو كما لو أنها تصوّب رأسها إلى الداخل فحسب. من ناحية، ينجح العرض في التنقّل من قصّة إلى قصّة، لكنه يبتعد عن الترميز تماماً لصالح السرد وتهافت الذكريات الشخصيّة. يبقى العمل عالقاً في دوّامته الذاتية التي تفتقر إلى مقاربة أنضج للوصول إلى الجمهور، من دون الاعتماد على هذا القدر من الدراما. البوح وحده، ولو كان يُعدّ «جريئاً» في مدينة كبيروت، إلا أنه ليس كافياً لكي يبرّر هذا السيل من الاعتراف الذي يقترب من معناه العلاجي والطبي. اعتراف كهذا قد يكون محرّراً للفنانة وحدها.

* «هذا ليس نصّاً محفوظاً، هذه قصّةٌ مدروسة» لديمة متى (إخراج يارا بو نصار): 20:30 من مساء الغد وبعد غد ــ «استديو زقاق» (تقاطع مار مخايل ــ برج حمود/ بيروت).