بين الخيال والواقع، تظهر في عالمه الشاعري مواضيع مختلفة. يقدم أفكاراً عميقة ويتعامل معها من دون الوقوع في المألوف. يعزز شخصية المرأة ويسلط الضوء على التناقض بين الخير والشر. يظهر عالماً غريباً نسترجع فيه أحاسيس الطفولة. يروي قصصاً بسيطة جزئياً أبطالها كائنات حساسة. يلجأون إلى الصداقة والحب، ليقاتلوا مخاوفهم الداخلية وبعض المخلوقات المرعبة. يخوضون الحياة بواقعيتها وكوارثها الطبيعية ويقابلون قططاً ناطقة بسورياليتها. مخلوقات بدون رأس أو بدون جسد تتجول في الصورة. يصبح الطفل عجوزاً فجأة، والبالغون خنازير. السحرة يسرقون الأسماء، وأميرة ترتشف دم الذئب من جرحه. شاب يحلم بالحب والطيران، ومكنسة طائرة على متنها طفلة، وأخرى تصادق تنيناً أزرق. يرسم الطبيعة بجمالها وغضبها، ويضع أرواحاً فيها لحمايتها. الياباني هاياو ميازاكي (1941) يفسر كل شيء بقلمه وورقته، ليحوله إلى أفلام تحمل جوهر الإنسانية: «صنع الرسوم المتحركة يعني خلق عالم وهمي. يجب أن يكون هذا العالم مريحاً لروح الذين يشعرون بالإحباط والإرهاق من مواجهة شفرة الواقع الحادة».


طورت أفلام ميازاكي نفسها لأنّ المخرج يضع نفسه مكان المشاهد أكان بالغاً أم طفلاً

يكرس هاياو ميازاكي حياته للرسم بالقلم. إلى جانب كونه مخرج أكثر أفلام «الانيمي» جمالاً ونجاحاً في اليابان والعالم، هو أحد أكثر الشخصيات احتراماً في أرض الشمس المشرقة. هذا الرجل ذو الشعر واللحية البيضاء والنظارات السميكة والصوت الجاد، هو العقل الذي أنشأ بعض أهم رموز الثقافة الشعبية اليابانية. إنها شخصيات أفلامه المتحركة مثل توتورو أو الخنزير الطيار بوركو روسو. الرسوم المتحركة (الانيمي) هي واحدة من أقوى الأسلحة الثقافية للإمبراطورية اليابانية، بصناعة ضخمة تبلغ مليارات الدولارات سنوياً، وأكثرها نجاحاً هي من توقيع ميازاكي وإنتاج «استوديو غيبلي»، مصنع الأحلام. هذا الاستوديو أنشأه ميازاكي عام 1985 مع صديقه المخرج ايساو تاكاهاتا والمنتج توشيو سوزوكي.
في عالم ميازاكي أو «المعلم» كما يسمونه في اليابان، كل المشاعر والأفكار تنقل بسهولة إلينا. هذه السهولة تبعد فكرة أنّ الرسوم المتحركة هي مجرد رسومات لإلهاء الأطفال وذات قيمة فنية ضئيلة. ميازاكي يدخل إلى اللاوعي بأساطير وأحلام وكوابيس ومعجزات. في أفلامه، نكتشف القوة المترابطة لعناصر هذا الكون الذي نراه كمكان سحري يمكن للخيال البشري أن يفرد فيه أجنحته.
أعمق القضايا الوجودية في الحياة نجدها في أفلام ميازاكي. قضية العزلة والموت ليست بعيدة عنه. حتى في فيلم «جاري توتورو» (1988) المفصّل إلى درجة ليست هناك حاجة لقصة تقريباً: فقط أب مشغول وأم مريضة وطفلتان مدفوعتان بفضولية تكفي لاكتشاف محيطهما الجديد ومقابلة توتورو، الموجود في المكان والزمان المناسبين عندما تكون الفتاتان بحاجة للراحة والدفء. فيلم بلا شخصيات تقريباً ولا صراعات ولا أشرار. هناك قضية خطر فقدان الأم التي تقلل من فرحة الطفلتين. دائماً ما تأخذ قصصه منعطفاً غير متوقع، حتى النهاية السعيدة ليست موجودة دائماً. قصصه غنية بتأثيرات الثقافة والفن والأديان في اليابان، لكن من دون اللجوء إلى الخطابات العرقية أو القومية. المعلم يحب طباعة تجارب الحياة في أعماله، بالتالي شخصياته تكون ذات ايديولوجية وطرق خاصة في فهم الحياة. تتعامل أفلامه مع القيم والمعضلات الأساسية وما يجعل الناس في الواقع إنسانيين. ومع ذلك، لا يمكن العثور على إجابات محتملة على أسئلة كبيرة. هو فقط يطرحها كما هي، ويتم التلميح إليها بناء على تضارب الحياة. ليس هناك جواب مباشر مثل «نعم» أو «لا» لأي سؤال، ولا مخطط للشر، ولا شخص أحادي البعد.

«جاري توتورو» (1988)


«كيكي لخدمة التوصيل» (1989)

«أنا طاغية وديكتاتور عندما أقود» يعترف ميازاكي. هو يطلب الكمال في كل شيء، يطلب السيطرة على العملية الإبداعية بدءاً من النص إلى لوحة القصة والرسم والتصميم واختيار الألوان. يتحكم بكل مفاصل خلق الفيلم، فهو يكتب ويصحح ويصمم ويعيد رسم الكثير من رسومات فريقه حتى يجد ما يبحث عنه. لذلك، فأفلامه تدخل بسهولة ضمن فئة سينما المؤلف. مثلاً، بخصوص فيلم «الأميرة مونونوكي» (1997) قال إنه رسم بنفسه 80000 صورة من أصل حوالى 140000. مثل أي فيلم لميازاكي، يبدأ الشريط بفكرة عامة ثم يكمل السيناريو والقصة إلى حيث تأخذه رسوماته، ليصل في الأخير إلى تحفة فنية، لا تنقصها الألوان والتفاصيل. يذكرنا مرة أخرى بأن الرسوم المتحركة وحدها قادرة على إدخال الحياة إلى الفيلم. في أعماله، قدم ميازاكي لنا واقعاً من دون أن يبخل علينا بسحرة وألوانه ومشاعره التي نستطيع أن تشعر بها مع كل مشهد ورسمة رسمها بيده.
طوال مسيرته المهنية، قام ميازاكي بتأليف وإخراج أفلام بثوابت وقناعات شخصية تدل على شخصيته. فحبه المفرط للطيران منذ الطفولة واضح في جميع أفلامه، بخاصة «الريح تعلو» (2013) الذي يتناول قصة حدثت قبل زلزال كانتو الكبير عام ١٩٢٣، قبل الحرب العظيمة التي مزقت اليابان، حيث عاش جيرو هوريكوشي في عالم الأحلام، لجعل الكون مكاناً أفضل. كذلك، يحكي «الرياح تعلو» عن الرجل الذي صمم مقاتلة ميتسوبيشي A6M ZERO، الطائرة الأكثر شهرة في التاريخ الياباني. جيرو، كان يحلم منذ طفولته في فوجيوكا، بصنع طائرات متأثراً بمثله الأعلى، رائد الطيران الإيطالي جيوفاني باتيستا كابروني. وعلى الرغم من الكوارث، والحب، والرومانسية، والحرب والخسارة، إلا أنّ الحلم لازم جيرو.

«الأميرة مونونوكي» (1997)


Spirited Away (المخطوفة ــ 2001)

تأثير المرأة في حياته ينعكس في أفلامه. في كلهاً تقريباً، الشخصيات الرئيسة هي فتيات قويات مستقلات. بالنسبة إليه، أسهل تصميم شخصيات نسائية، فالصبيان يسقطون بسهولة في فخ التجارية، ومن الصعب الوصول إلى أرواحهم. برأيه، الفتيات ينظرن إلى الواقع ولكن الصبيان ليس لديهم القدرة على التعلم. شخصياته النسائية بعيدة كل البعد عن التقليدية، فهي شجاعة، أميرات خفيفات الدم يقدن أمماً بأكملها، وشابات يبحثن عن أنفسهن في المغامرات. عام 1984 بدأ ميازاكي يقدّم لنا النساء الجميلات، النبيلات، المستقلات. صورة تختلف عن المفهوم السائد والتقليدي في الرسوم المتحركة حيث المرأة نسخة للطهارة والمثالية والكمال. بذلك، كسر ميازاكي النموذج وسعى لتقديم صورة امرأة مكتفية ذاتياً وبيدها سلاح. لذلك يوضح ميازاكي: «في العديد من أفلامي، القيادة القوية هي للإناث، فتيات يتمتعن بالاكتفاء الذاتي ولا يفكرن مرتين في القتال من أجل ما يؤمنّ به. سيحتجن بالطبع إلى صديق أو مؤيد ولكن ليس لمنقذ، أي امرأة تستطيع أن تكون بطلة مثل أي رجل».
طورت أفلام ميازاكي نفسها لأنّ المخرج يضع نفسه مكان المشاهد أكان بالغاً أم طفلاً. وعوضاً عن تقديم ازدواجية حسن النية والخير والشر، يترك شخصياته الصغيرة والشابة أن تشعر بألم الحياة وتعقيداتها. أعماله لا تفرض رسائل أو توجيهات أو توقعات، هو الذي قال: «ديزني تكذب على الأطفال». هو لا يظهر مصيراً بل إرادة مثلما قال في أحد الوثائقيات.
قصصه غنية بتأثيرات الثقافة والفن والأديان في اليابان، لكن من دون اللجوء إلى الخطابات العرقية أو القومية


يحب المعلم الطبيعة والمناظر الطبيعية الواسعة والغابات الكثيفة، حيث لا يحدث شيء باستثناء الغيوم التي تمر أو قطرة ماء تسقط على وردة. نعيش في أفلامه بتفاصيلها، حتى الأشياء التي تمر سريعاً لها دلالات، فجميع أفلامه تكتنف تفاصيل وشخصيات من أفلام أخرى أو حتى كلمة «استوديو غيبلي» تمر أكثر من مرة. يأتي أسلوب الرسم الخاص به من النمط الكلاسيكي للانيمي، حيث شخصياته تتحرك دائماً بالكامل، ما يعزّز تعابيرها ويجعلها صادقة عاطفياً. وهناك دائماً تناوب ذكي بين اللقطة الطويلة واللقطة القصيرة وضربة الفرشاة الدقيقة.
في عام 2013 أعلن ميازاكي تقاعده. وبعد أربع سنوات أعلن أنه قرر إنتاج فيلم روائي جديد ينتهي عام 2021. قال وقتها إنه وجد موضوعاً جديراً للاهتمام يود أن يكرس نفسه له. حتى ذلك الحين، أفلام المعلم الياباني متوافرة في كل مكان. وبدءاً من الشهر الحالي، نستطيع أن نشاهدها تدريجاً كلها، بالإضافة إلى أفلام أخرى من إنتاج «استوديو غيبلي» على نتفلكيس.



أفلامه المتوافرة على نتفليكس

شباط (فبراير)
Castle in the Sky (1986)
My Neighbor Totoro (1988)
Kiki’s Delivery Service (1989)
Only Yesterday (1991)
Porco Rosso (1992)
Ocean Waves (1993)
Tales from Earthsea (2006)

آذار (مارس)
Nausicaä of the Valley of the Wind (1984)
Princess Mononoke (1997)
My Neighbors the Yamadas (1999)
Spirited Away (2001)
The Cat Returns (2002)
Arrietty (2010)
The Tale of The Princess Kaguya (2013)

نيسان (أبريل)
Pom Poko (1994)
Whisper of the Heart (1995)
Howl's Moving Castle (2004)
Ponyo (2008)
From Up on Poppy Hill (2011)
The Wind Rises (2013)
When Marnie Was There (2014)


ومضات


- في معظم أفلامه، يبدأ ميازاكي العمل من دون سيناريو، ولكن بفكرة عامة يود إنجازها. يُخلق الفيلم مع استمراره في العمل، متجهاً حيث تأخذه القصة.
- بعد طرح «الأميرة مونونوكي»، حاولت «ميراماكس» تغيير الفيلم واقتطاع بعض مشاهده تمهيداً لطرحه في الصالات الأميركية. كان رد «استوديو غيبلي» سيف سموراي ياباني أرفقت به عبارة «لا قطع». هذه السياسة تمتد لتطال جميع أفلام الشركة.
- عندما كنا أطفالاً، شاهدنا «عدنان ولينا» وأحببناه، وبقي في ذاكرتنا إلى اليوم. ولكن هل تعلمون أنّ «عدنان ولينا» (اسمه Future Boy Conan ــــ 1978) من إخراج ميازاكي؟ مسلسل التحريك المكون من ٢٦ حلقة، وأنتجته «نيبون أنيميشن» هو أول عمل يخرجه ميازاكي. وشارك أيضاً في تصميم الشخصيات.