تحوّل ابن مدينة برجا، الطالب في «جامعة وسط الصين للعلوم والتكنولوجيا» في ووهان، أدهم السيّد، إلى «مراسل حربي» بالنسبة إلى المتابعين للمأساة التي أصابت المدينة الصينية، ولا سيما للمتحدّثين بالعربية. هي «حرب من نوع آخر» كما يصفها الشاب، فلا صواريخ تقذفها الطائرات الحربية كما فعلت إسرائيل في لبنان عام 2006 وقبلَه، ولا مشاهد دمار للأبنية التي تتفتّت كالبسكوت؛ إنه الموت الذي يتنقل عبر كائنات مجهرية، فتشعر معها أن كلّ ما حولك تهديد لحياتك، بدءاً من أنفك المكشوف، مروراً بيدك، وليس نهاية بالهواء من حولك.

السيّد رفض حتى الآن ترك المدينة التي احتضنته منذ خمس سنوات. السبب، كما يقول لـ«الأخبار»: «أن السلطات الصينية و«منظمة الصحة العالميّة» قدّرتا أن إجلاء رعايا الدول في هذه المرحلة «غير ضروري»، مضيفاً: «حين يصبح من الضروري فعل ذلك، لن أتأخّر». شجاعة الشاب لم تتجلّ في بقائه في مدينة يحاصرها الموت، وإنما في كونه لم يتردّد في المخاطرة بحياته، إذ نزل إلى الشوارع متسلّحاً بقناع وكاميرا هاتف فقط، وراح يتنقل فيها للكشف عن زيف روايات الإعلام الغربي، التي «أبدعت» فيها مخيلة الصحافيين الغربيين، سعياً لتقزيم جهود الحكومة الصينية وشعبها وإظهارهما عاجزَين عن مواجهة الوباء.

أدهم السيد يعيش في المدينة الصينية منذ خمسة أعوام

عمال النظافة مثلاً ما زالوا ينظفون الشوارع كالمعتاد، هذا ما ظهر في أحد الفيديوات المباشرة التي نقلها السيد، فيما أغلقت محلّات كثيرة أبوابها منذ عطلة رأس السنة الصينية التي مدّدتها الحكومة. أمّا الصيدليات ففتحت أبوابها، وكذلك محلات بيع الخضار والطعام. لا ينكر الشاب الخطر المحدق في كلّ مكان، ولا خلوّ الشوارع إلّا من بعض السيارات والمارة، لكن الحقيقة أن الناس هنا يمتثلون لأوامر السلطات في البقاء في منازلهم والتقيّد بالتعليمات، وتخفيف تنقلاتهم إلا للضرورة، وهم يعرفون أن الهدف هو الحفاظ على سلامتهم.
أحد المجالات التي حظيت فيها جهود الحكومة الصينية بوصف «خارقة» هو الانتهاء بعد تسعة أيام فقط من إنشاء «المستشفى التخصّصي الأول لعلاج فيروس كورونا»، إذ سُلّم المستشفى قبل يومين إلى فرق متخصصة من الجيش، وشرع في استقبال المصابين منذ الاثنين الماضي. ووفق عدد من وكالات الأنباء العالميّة ووسائل إعلام صينية، يتّسع المستشفى الجديد «لألف سرير، وهو مجهّز بوسائل طبية متطوّرة أُعدت لتعوّض النقص الحالي في مستشفيات المدينة». ومن المتوقّع أن يمثّل المستشفى «نقطة تحوّل أساسية في مواجهة الفيروس»، وذلك بالتوازي مع قرب الانتهاء من بناء مستشفى تخصصي ثانٍ بـ1500 سرير.
ما يحدث، كما يقول السيد، هو أن «الصين في حرب حقيقية، الانتصار فيها هو بحماية الإنسان»، وأثبتت «الأيام الماضية أن الأولوية في البلد هي للإنسان وليس للاقتصاد. حُشدت كلّ الإمكانات من أجل الدفاع عن قيمة هذا الإنسان ولو أدّى ذلك إلى خسارة المليارات وتراجع الاقتصاد على مستوى العالم كلّه، خاصة أن ووهان تحديداً تلعب فيه دوراً مهمّاً بصفتها نقطة عبور بري ونهري تصل شطرَي الصين، في حين أن السلطات لم تتردّد في إغلاقها عندما أصبح ذلك ضرورة لحماية الصينيين والبشرية»، يوضح الطالب اللبناني.
ولعلّ ما تنشده بكّين، فضلاً عن حماية الإنسان، وفق مدير البحث في «المركز الفرنسي للبحث العالمي» الذي يرأس مختبر الأنثروبولوجيا الاجتماعية في باريس، فريديرك كيك، هو أنها «أرادت أن تُظهر، منذ بداية الأزمة في أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، استعدادها لمواجهة الوباء الجديد، بعد الانتقادات التي وُجّهت إلى أدائها إبان تفشّي وباء السارس عام 2003». وهو ما يفسّر، طبقاً لكيك، أن حكومة الصين «أبلغت العالم بسرعة بشأن تسلسل الفيروس الجديد، وأوقفت حركة السكّان بين المدن، بالتزامن مع إنشاء مستشفيات مخصّصة، الأمر الذي يُظهر إرادة رائعة لوضع نفسها في قلب العالم، وضعفاً مذهلاً للاقتصاد العالمي الذي تضعضع لمجرّد أن فيروساً قتل (إلى الآن) 490 شخصاً في الصين».
كذلك، يقارب الباحث في الأنثروبولوجيا، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، الكارثة التي تواجهها الصين بالتاريخ الثقافي الخاص بووهان، الذي أحدث «آثاراً سياسية استثنائية»، لأن «كبرى مدن إقليم هوبي وعاصمته الحالية مثّلت أيضاً عاصمة النظام القومي خلال الحرب الصينية اليابانية بين 1937 و1945. وهي شكّلت نقطة انطلاق ثورة 1911 التي تسبّبت بسقوط الإمبراطورية، ما يعني أنها مكان حساس للغاية في التاريخ الصيني الحديث، لأنّها مركز لإمبراطورية تيانشيا».
هذه المكانة دفعت أكاديمية العلوم في الصين إلى اختيارها موقعاً لمختبر السلامة الإحيائية من المستوى الرابع، الذي يُعدّ الوحيد في آسيا من نوعه. وهو ما يُعطي المدينة، كما يقول كيك، «دور الحارس المنبّه للعالم بشأن الأوبئة المنطلقة من الصين، وهو دور لعبته حتى الآن هونغ كونغ التي بنى فيها علماء الأحياء المجهرية الأستراليون مختبراً لمراقبة طفرات فيروس الإنفلونزا في جنوب الصين، ولعبت دوراً رئيسياً في مراقبة الأمراض الناشئة هناك».
بالعودة إلى السيد، وبعيداً عن أيّ مقاربات علميّة، تمثّل المدينة بالنسبة إليه وإلى طلاب أجانب كُثر «وطناً ثانياً»، والسبب أنها «حضنتنا جميعاً. إنني أعيش فيها منذ خمس سنوات. لم أرَ من أهلها إلا ضحكتهم وتعاملهم اللبق الذي جعل الحدود بيني وبينهم تتلاشى، بغضّ النظر عن اختلاف الثقافات». ويقول: «لا يمثّل بقائي، أنا وغيري، انتحاراً. هناك اختلاف بين الانتحار والمواجهة. ما نفعله هو بدافع أخلاقي وإنساني، وبقاؤنا هنا صمود وتضامن مع المدينة وردّ جميل». كيف تحوّلتَ إلى «مراسل حربي»؟ يجيب: «ماذا أستطيع أن أفعل؟ سألت نفسي. الناس يجلسون في منازلهم يلتزمون التعليمات، وعليّ فعل شيء ما»، مستدركاً: «لست صحافياً ولا أفهم في هذا المجال. مع ذلك وجدت أنه من الضروري الكشف عن زيف الدعاية، خاصة الغربية. الدول التي تعدّ الصين عدواً أو خصماً راحت تستغلّ هذه الكارثة الإنسانية. فيروس كورونا ليس أول حدث، إذ سبقته حربٌ اقتصادية أعلنتها الولايات المتحدة، ومن بعدها المظاهرات المستمرة حتى الآن في هونغ كونغ. وفي قصة المسلمين والعرب استثمرت ماكينة الدعاية الغربية مسألة الرابط الديني لنسج روايات كاذبة حول ما يتعرّض له مسلمو الإيغور، مع أن مئات الفيديوهات التي استُخدمت مصوّرة في أمكنة ودول غير الصين».
ابن برجا اللبنانية حمل هاتفه وراح يتنقل في الشوارع لكشف الحقائق


كلّ ما سبق دفع السيد إلى حمل هاتفه والتنقل في الشوارع لكشف الحقائق، وسرعان ما وصل «إنتاجه» إلى القنوات العربية في كلّ مكان، التي راحت تستضيفه في نشراتها وبرامجها. ويشير إلى أن بعض القنوات تواصلت معه للعمل مقابل مبلغ ماديّ، «لكنني رفضت لأنني لم أبقَ هنا من أجل العمل أو المال، بل للتضامن والصمود». ويروي أن إحدى القنوات الغربية المرموقة (رفض الكشف عن هويتها)، التي تنطق بعشرات اللغات من بينها العربية، تواصلت معه لاستضافته في أحد برامجها. ولمّا «كان هناك فرق كبير في الوقت بين المكان الذي تبث منه القناة، ومدينة ووهان، عرضتُ خيار إرسال فيديو أصوّره مجيباً فيه على الأسئلة التي ستطرحها المذيعة». والأخيرة وافقت قبل أن ترسل إليه: «لا أريد أن تخبرني أن الوضع جيد وكل شيء على ما يُرام، أريد أن تقول إن الوضع خطير وهناك فيروس والناس يموتون، تماماً كما تقول الوكالات، لا أريد شيئاً مغايراً». ولذلك، ردّ عليها: «لماذا تسألينني وأنت مقتنعة بإجابة واحدة ووحيدة ولا تريدين معرفة غيرها؟».
هكذا، عزمت المدينة على قتال الفيروس الفتّاك. قرار اتّخذه أهلها بعدما وضعوا حدّاً للخوف، منتقلين إلى المواجهة. ومثل سكان ووهان، وجد شابٌ لبنانيٌّ أن الحياة هي أن نكون اليوم... أو أن لا نكون أبداً.