30 كانون الثاني (يناير) 2020، صرح رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت أنه لن يتراجع عن أي كلمة أو عبارة ذكرها في المحاضرة التي ألقاها خلال مشاركته في فعاليات «مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي»، مؤكّداً أن ما ذكره في المؤتمر «هو للدفاع عن القرآن الكريم والسنة، فى حين أن شيخ الأزهر أحمد الطيب كان محلّ كلامه الدفاع عن الأشاعرة فقط».

يأتي تصريح الخشت كتصعيد مستمرّ منه بعد تعقيب شيخ الأزهر أحمد الطيب على الكلمة «المُرتجلة» التي ألقاها الأول في «مؤتمر الأزهر العالمي...» الذي ضمّ عدداً كبيراً من القيادات والشخصيات الدينية البارزة على مستوى العالم وممثلين لوزارات الأوقاف ودور الإفتاء والمجالس الإسلامية من 46 دولة من دول العالم الإسلامي. وأشار الطيب إلى كلام الخشت بأنه لا يتّسم بالدقة المعرفية، ولا ينمّ عن إلمام حقيقي بالاختلافات بين الفرق الدينية الإسلامية. وأوضح أن الخشت أتى على الأشاعرة بما ليس فيهم وهم «التيار الفكري الرسمي للأزهر» بخصوص المناهج العلمية المتّبعة في دراسة علم الحديث والفتاوى المستندة إليه. كما أشار الطيب إلى أن اقتباس الخشت حول منهج دراسة نصوص القرآن ظناً منه أنه يقدم رؤية حداثية لم يسبقه إليها أحد، ما هي إلا رؤية أهل التراث القدماء.

ميمونة غيريزي (2014)

وأخيراً، سخر شيخ الأزهر بطريقة سقراطية جداً من فكرة الخشت حول ضرورة نفي وجود «حقيقة مطلقة» في الفكر الإسلامي عبر الإشارة إلى أحد كتب الخشت قائلاً: «إن كنت تظن أن ما في كتابك حول تجديد الخطاب الديني حقيقة، فقد سقط مذهبك، وإن كنت تشكّ فيه فعندما تتأكد، أهديني نسخة».
هناك مدارس عدة لقراءة هذا المشهد، المدرسة الأولى: تصوير الأمر كصراع بين شيخ الأزهر كممثل لمؤسسة كهنوتية ورجل مجدّد كالخشت. والمدرسة الثانية: تصوير الأمر كصراع أكبر بين شيخ الأزهر والقيادة السياسية في مصر، ممثلةً في رئاسة الجمهورية، إذ كرر رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي الدعوة لتجديد الخطاب الديني أكثر مِن مرة، فيما جاءت استجابة الأزهر محدودة، بل مستهجِنةً حديث العامة في أمور الدين عن غير علم. وهناك مدرسة ثالثة وهي أفضلها: أن ننظر إلى الأمر ليس بوصفه صراعاً، بل لوحة جمعت الـ «علم – جهل» بالفكر الإسلامي في آن واحد.
لماذا سنعتبر النقاش الذي دار محصوراً بين حدي العلم والجهل للفكر الإسلامي؟ أولاً، في تصريحاته، التزم الخشت بالإطار الإسلامي في عمله «التجديدي» على حد وصفه، وشدد على كونه مسلماً مدافعاً عن القرآن والسنة. ولذلك نستبعد فرضية الطرح العلماني، فالمطلوب ليس إقصاء الدين من الحياة كالمدرسة الفكرية اللائكية الفرنسية أو تحييده عن الحياة وبناء إطار مواز له كالمدرسة الفكرية الأنغلو-أميركية، بل إننا ملتزمون بقراءة فكر الخشت في ضوء المفاهيم والبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية الإسلامية.
ثانياً، التجديد في الفكر الإسلامي ليس مِنحة تحكمها مؤسسة أو مسجد أو هيئة، بل حق من حقوق العقل المسلم، وفرض على أهل الذكر والاختصاص من العلماء. وبدون التجديد الدائم والمستمر للفقه والخطاب والفكر الإسلامي، تحدث فجوة بين الشريعة الإسلامية وحياة المسلم التي صارت تخضع لتطورات ومتغيرات سريعة طبقاً للعالم المعولم الذي نعيش فيه. كما أن أيّ جمود في الفكر الإسلامي سيؤدّي إلى تفكّك الحاكمية الإسلامية المُفترضَة لحياة المسلم التي تظهر على الأقل في حدها الأدنى من الممارسات في العبادة وبعض القوانين كالزواج والطلاق والمواريث.
ثالثاً، التجديد لغوياً واستناداً إلى القرآن الذي لم ينكره الخشت ندركه من الآية «أئنا لفي خلق جديد» (سورة السجدة آية 10) بمعنى البعث وإعادة الإحياء والرد لما كان الإنسان عليه، وهذا اتّفق عليه حول كلمة «تجديد» في معاجم اللغة كـ«لسان العرب»، ومختار الصحاح، ومفسري القرآن كابن كثير وابن جرير. ومن هنا نتبين أن التجديد في النطاق الإسلامي يعني «إعادة الشيء وإرجاعه لما كان عليه». وهذا يكون عبر إظهار ما طُمس من أفكار وأحكام دينية، وإعادة ما نقص أو انتزع وإزالة ما أضيف وأُلحق بالدين والشريعة نتيجة عوامل زمنية سياسية واجتماعية شوهت المفاهيم، ولا يعني التجديد الترك أو الإهمال. وهذا يمكن أن نعتبره الأصل الفكري لما جاء في تعقيب شيخ الأزهر بخصوص المثال الذي ذكره الخشت حول هجره منزل والده لأنه صار قديماً، فقد أشار شيخ الأزهر إلى أنه يجب إعادة بناء البيت مع البقاء فيه لا هجره.
رابعاً، ضمن الإطار الإسلامي أيضاً، كتب العلامة الكبير محمد شمس الحق في كتابه «عون المعبود على شرح سنن أبي داود»: «المجدد لا يكون إلا مَن كان عالماً بالعلوم الدينية، ومع ذلك من كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار إحياء السنن ونشرها ونصر صاحبها، وإماتة البدع ومحوها وكسر أهلها «باللسان»، وتصنيف الكتب والتدريس، ومن لا يكون كذلك لا يكون مجدّداً البتة، وإن كان عالماً بالعلوم مشهوراً بين الناس مرجعاً لهم». هذا يعني أن اللقب والشهادة العلمية والمنصب لا تؤهّل صاحبها ليصير مجدداً دينياً، فقد يكون متأثراً بمدارس غربية حاربت الكنيسة وسطوتها ويردد كلمات براقة مثل «تنوير»، «ديمقراطية»، «حرية»... وهذا يختلف كل الاختلاف عن الواقع الإسلامي وإن تشابهت الأزمات المتعلقة بالاستبداد وبالاضطهاد، ولكن تختلف النماذج الفكرية والهياكل المؤسسية والمناصب اللاهوتية المنبثقة من كل دين. وهذا يعيد إلى الواجهة الفكر النخبوي العربي الالتقاطي الفاقد للأصالة والتآني المعرفي لكي يقوم ببناء نماذج معرفية مناسبة لطبيعة البيئة التي يعيش فيها.
خامساً، عندما يكون الحديث عن التجديد في إطار الإسلام، يجب أن يكون الحوار ملتزماً بأقصى درجات الفكر والعلم، ومستنداً إلى العقل والنص في آن، بحيث لا يتعارضان، ولا تضرب الأحكام بعضها، ولا ينحدر النقاش إلى مستوى التبسيط المخلّ لمداعبة وعي الجماهير، وإثارة مشاعر التعاطف مع المتحدث، فالحوارات المرتجلة، والكلمات الرنانة المندفعة لمجاملة سياسية غالباً كـ «تجديد الخطاب الديني» لن تضيف شيئاً، فالتاريخ الإسلامي عرف فكرة التجديد منذ عمر بن عبد العزيز الذي وصف بمجدِّد القرن الأول، ومن بعده الشافعي مجدد القرن الثاني، وغيرهما. وكان الكل ذا هدف واحد هو إعادة بثّ الروح الإسلامية في الأمة وحثّ المجتمع على فعل الخير والاجتهاد في العلم وتعليمه للناس.
أخيراً، لمسنا مفهوم التجديد في إطار الإسلام لمساً خفيفاً، فهو موضوع تناولته مجلدات وأفنى كثير من المسلمين والمستشرقين أعمارهم فيه باحثين ودارسين ومدققين، لكننا أردنا توضيح أن هناك فرقاً بين الإدراك الحقيقي بالفكر الإسلامي وما يتطلبه من إحداث نقلة في الوعي، وبين المجاملة السياسية التي تُظهر صاحبها كجاهل بأبسط قواعد الدين الذي يطلب تجديده. فقد كان شيخ الأزهر مُلمّاً بأدواته ومنهجه العلمي، هادئاً في ردوده، ومتزناً في كلماته بينما كان الخشت مرتجلاً يخلط بين القضايا ويضرب المصطلحات ولا يعرف ماذا يريد أن يُصيب، بل إنّه شخصن السجال الفكري باعتباره استهدافاً له تحديداً رغم أن شيخ الأزهر أوضح له أن يرد نصاً على الكلام الذي طرحه.
كما يمكن أن يؤخذ على شيخ الأزهر طرحه الغزوات أو الفتوحات الإسلامية بوصفها عملاً جليلاً في الدين، وهذا أمر خلاف ومحك خطر في التاريخ الإسلامي، على الرغم من أنه تم في زمن الإمبراطوريات الكبيرة، ولم تتفرد به أمة الإسلام، بل قامت على أنقاض إمبراطوريات أخرى كالرومانية والفارسية، لكن يجب تجاوز هذا الأمر وبدء بناء نموذج تعايشي جديد في ظل عالم أكثر إنسانية، ولن نكون مثاليين، فهذا صعب في زمن الهيمنة الأميركية ذات القطب الواحد ولكنه يستحق المحاولة، فحتى الدفاع عن الأرض الفلسطينية أو بناء ذات وطنية مستقلة لا يقوم على الغزو أو ذكريات الفتوحات، بل بالعلم وبالقفزات الصناعية واستقلالية القرار وبناء الجيوش المدربة لا التي تهاجم بالرمح والسيف أو باستهداف المدنيين بأحزمة ناسفة.
ولّدت هذه المناقشة جدلاً عارماً على وسائل التواصل الاجتماعي على الرغم أن كِلا الرجلين يضمهما إطار إسلامي فكري واحد، وهذا ما يجعل من الضروري العمل على مشروع فكري يتركز على معالجة التشوهات الفكرية الإسلامية عبر طرح بدائل علمية جادة ورصينة خيراً من الإرتجال والكلمات الرنانة والفضفاضة. وهذا لا يعني إفراط أو تشدّد بل اختيار خطاب بسيط على مستوى الجماهير وعلمي دقيق على مستوى أهل العلم والبحث ولا عيب في هذا، بالإضافة إلى التركيز على العملية التعليمية وإعادة دمج التعليم الديني بشكل سليم خيراً من إهماله وتركه. وهذا ما سيجعل النشء يعيد التفكير في الدين لا كأمر ثانوي، بل كركن أساسي يمكنه أن يجادل ويناقش فيه، فلا يقع فريسة سهلة في براثن أهل الإسلام السياسي ودعاة تكفير الأمة، حيث سيكون المجتمع ككل فكراً دينياً خاصاً به بعد دراسة متأنية.