لندن | راوغت الملكية في بريطانيا طويلاً توقعات كارل ماركس باندثار تامّ لمخلّفات عصر الإقطاع على يد البورجوازيّة الصاعدة. وبدلاً من أن تكون مؤسسة قروسطيّة نقيضة للرأسمالية، انخرطت السلالة في خدمتها وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من تجربة الحداثة، فتجنّبت إلى الآن مصيرها المحتّم. لكن عنصر الغموض والسحر الذي طالما عاشت الملكيّة/ الديناصور في ظلاله قد بدأ ينفد بعد سلسلة من الفضائح والصدمات العلنيّة، كان آخرها قرار الثنائي هاري – ميغان بالتخليّ عن دورهما الرسمي في هيكليّة العائلة الحاكمة، والاستقلال مالياً عن ميزانيّة القصر الرسميّة، وربما تغيير عنوان الإقامة من المملكة إلى إحدى مستعمراتها السابقة. فهل ستكون إليزابيث الثانية (94 عاماً) آخر ملوك بريطانيا؟

طال العمر بالملكة إليزابيث الثانية (تولّت العرش في 1952) لتشهد أزمات عاتية عصفت ببيت ويندسور الملكي والمملكة خلال القرن العشرين، ونجحت العائلة في تمديد نموذج امتيازات قروسطي عفا عنه الزمن رغم مغامرة الحرب العالميّة الثانية المكلفة، وجذور العائلة المتحدرة من العرق الآري الألماني الأبيض، وخروج الإمبراطوريّة العجوز إلى التقاعد رسمياً إبان أزمة السويس 1956... ولاحقاً شبهات كثيفة أثيرت حولها بشأن تورّط محتمل في حادثة مقتل الأميرة ديانا سبنسر التي كانت قرينة وريث العرش بعد تفسّخ الزواج الملكي علناً في سلسلة خيانات زوجيّة متبادلة بين الطرفين. خلال العقدين الأخيرين، بدا لبعض الوقت بأن الملكيّة بشكلها البريطاني الفريد استعادت شيئاً من ألقها المفقود، بعدما كبر أبناء الأميرة المغدورة من الجيل الثالث، ولعبوا أدوارهم بامتياز بالغ في تقديم مسرحيات غراميّات الأمراء المسطّحة وما يتبعها من التناسل المقدّس، فيما سحقت كل الدعوات إلى الجمهوريّة بالقسوة، بتعاون مخلص من ساسة الحزبين الكبيرين يساراً ويميناً، العمل والمحافظين.
أمدّت دراما «بريكست» التي شغلت الرّعايا لخمسين شهراً خلت السلالة الحاكمة بدماء جديدة، بعدما برزت الماركة الملكيّة وحدها كرابط يوحّد أمّة تشظّت في معسكرات متناقضة ومتناحرة طبقياً وثقافياً وسياسياً، وبدأت أقاليمها الخاضعة منذ قرون (اسكتلندا، وإيرلندا الشماليّة، وويلز) بالتململ علناً طلباً للاستقلال التام، في الوقت الذي تدير فيه النخبة الشوفينيّة في السلطة التنفيذيّة ظهر الجزيرة باتجاه الجيران الأوروبيين، وتفتح ذراعيها مستسلمة للقدر الأميركي القادم من الغرب. لكن موسم العسل الجديد هذا لم يدم طويلاً، إذ شهد العام الماضي تتابعاً للأحداث المؤسفة أعاد تهافت الملكيّة إلى الأضواء، بدأها الأمير فيليب ــــ زوج الملكة (97 عاماً) ـــ الذي قاد سيارته الفارهة بتهوّر، فتسبّب في حادث سير مروّع كاد يقضي على سيدة حامل في شهرها التاسع. تبيّن لاحقاً أن قوانين السير البريطانيّة الصارمة لا تنطبق على السلالة الحاكمة أو مصاهريها، وأنهم فوق كل القوانين. وفي الخريف الماضي، وُضعت الملكة ذاتها مجدداً فوق القانون بعدما ورّطها بوريس جونسون، رئيس الوزراء، في لعبة تعليق البرلمان غير القانونيّة. لعبة احتاجت لاجتهادات وتخريجات فنيّة معمقة من قِبل دهاقنة القضاء الملكي لنقض القرار من دون إظهار الملكة/ الرّمز وقد تعدت على القانون والدستور في ما يتعلق تحديداً بموقع مجلس العموم المنتخب شعبياً. لحقت ذلك الشبهات حول تورط الأمير أندرو في شبكة الاستغلال الجنسي الدوليّة التي كان يديرها الرّاحل جيفري إستيبن للمشاهير والسلالات الحاكمة، بما فيها العربيّة بالطبع، وكذبه العلني بشأن ذلك.
ولم تكد السلالة تقلب صفحة العام الماضي على خطاب الملكة في الكريسماس الذي دعت فيه إلى التسامح وبلسمة الجروح القديمة ورأب الصدع الذي تسبب فيه «البريكست» للأمّة، حتى انفجر بها لغم علاقات عامة جديد. فقد أعلن الثنائي هاري وميغان، نيتهما التخليّ عن أدوارهما الرسميّة في العائلة الحاكمة (لا تتجاوز رعاية الاحتفالات والمناسبات وتبادل الزيارات مع عوائل حاكمة أخرى عبر العالم)، والاستغناء عن حصتهما من الميزانيّة الرسميّة للقصر، ونقل عنوانهما البريدي إلى كندا التي تحكمها رمزياً الملكة إليزابيث.
قرار الثنائي، الذي يعني فقدان الدخل الذي يحصلان عليه من ميزانيّة الدولة مباشرة وهو لا يتعدى 5% فقط من دخلهما السنوي المتأتي في غالبيته من عوائد أملاك العائلة (تقاس بالمليارات)، بدا في ذهن كثير من الرّعايا كأنّه دولرة متأمركة للماركة الملكيّة البريطانيّة تقودها ميغان الممثلة الخلاسيّة السابقة. الثنائي يمكنه الآن ــ وفق مصادر متخصصة في عالم الأثرياء ــ كسب ما معدله 35 ألف دولار أميركي للظهور في مناسبات خاصّة، ويمكن بذلك أن يصل مجموع دخلهما السنوي إلى أكثر من 660 مليون دولار في السنة الأولى فقط. وقد تجرأت مجلّة «إيكونوميست» الليبراليّة الصارمة وصوت النخبة الماليّة، على التحذير علناً من أن جشع فردَين من السلالة يعيشان في عالم الإنستغرام قد يودي بالسلطة الملكيّة كلّها إلى الهاوية، ويحقق نبوءة كارل ماركس في المانيفستو الشيوعيّ بتصفية تامّة لكل رموز الإقطاع القروسطيّ على يد البورجوازيّة الصاعدة التي ستقصي الحقوق الإلهيّة في الحكم وثقافة النبلاء والفروسيات المتخلفة لمصلحة حسابات الربح الذاتي المحض.
للحقيقة، فإن سلالة ويندسور الحاكمة في بريطانيا راوغت نبوءة ماركس طويلاً. بدلاً من التناقض البنيوي مع المنظومة الرأسماليّة وفق سياقات المنطق البارد، فإن الرأسماليين وجدوا في رمزيّة وعراقة الملكية البريطانيّة بعد تقليم أظافرها ـ دستورياً ـ نوعاً من مادة لاصقة تجمع بين المكونات الشديدة التناقض طبقيّاً وعرقياً وقومياً في الجزيرة التي كانت تحكم نصف العالم، وصرفاً لأنظار الشعب عن حقيقة مراكز القوى النافذة في الدولة العميقة، ولهواً حميداً لإشغال الأغلبيّة المغفلة بقصص الرومانسيات والغموض والدراما عن مطحنة الرأسماليّة التي لا ترحم، ووجهاً لطيفاً لهيمنة الطبقة الحاكمة، بل أيضاً مصدر دخل سياحيّاً عبر استقطاب مغفّلي الدول الأخرى لزيارة المملكة، فتوافقوا على التمديد لها واستثمروا فيها وفي طقوسها الساذجة.
«إيكونوميست» مصيبة تماماً في قلقها الظاهر هذا. فأحداث السنة الأخيرة، واعتزال الثنائي هاري – ميغان الآن، تتراكم لتكسر تلك الهالة السحريّة والغموض والسريّة التي طالما أبقت السلالة/ الديناصور موضع اهتمام الجمهور. وانتقال الثنائي إلى الحياة العلنيّة – سعياً للتخلّص من قيود الخدمة في السلك الملكي وتحصيل ثروة أكبر بطرائق أخرى تناسب مزاج الممثلة السابقة – سيدفع باتجاه تطبيع السحر القديم، ونقله إلى فضاء الأضواء الرأسماليّ، الذي يحصّل ربحه من التعرية والكشف، لا التخفي، وستسقط أسطورة الدّم الأزرق... لنجد أمامنا مجرد ثنائيّ مشهور آخر في ماكينة الرأسماليّة المتأخرة، تماماً كما بقيّة المشاهير وفق النموذج الكارديشياني السخيف. وهذا كابوس مرعب استراتيجياً للفكرة الملكيّة برمّتها، في وقت قفزت المملكة – الجزيرة برجليها إلى هاوية المجهول بعد «بريكست»، وتستحكم في رعاياها انقسامات حادّة، بينما تقترب الملكة العجوز من نهاية عمرها المديد في أجواء خلافة ملبّدة بين الأب ــ الأمير تشارلز ــ ونجله دوق كامبريدج الأمير ويليام.

حذّرت «إيكونوميست» من أن جشع فردَين من السلالة يعيشان في عالم الإنستغرام قد يودي بالسلطة الملكيّة إلى الهاوية


حتماً لن تسقط الملكيّة في بريطانيا تلقائياً من دون هزّات كبرى، لا سيّما بعد الهزائم الانتخابيّة المتكررة لليسار. لكن هذا المزيج المتفجّر من صلاحيّات شبه مطلقة في يد بورجوازي لا حدود لطموحه مثل بوريس جونسون بعد الانتخابات العامة الأخيرة (منحته تفويضاً بالحكم قد تستمر مفاعليه لعقد قادم على الأقل)، والاحتمالات المتزايدة لتفكك المملكة المتحدة بعد بريكست، وصراعات الخلافة في الكواليس، كما تردّي مكانة بريطانيا الدوليّة وتحولها إلى حجر شطرنج آخر في لعبة الأمم الكبرى... كل ذلك إذا أضيف إليه سقوط الستارة عن عري السلالة بعد غزوة ميغان – هاري، قد يجعل من نهاية آخر مخلفات الإقطاع القروسطي في الجزيرة العالقة بين الجمهوريّات في فرنسا وإيرلندا أقرب إلى التحقق أكثر من أي وقت مضى، وغالباً بالارتباط بلفظ الملكة العجوز لأنفاسها الأخيرة.
لقد بلغت الملكيّة كنظام حكم تناقضها الأقصى مع الحداثة، وتعيش راهناً أزمة وجوديّة حادة ولم يعد من أي مبرر لبقائها ـ سواء في بريطانيا أو في أيّ مكان في العالم ـ سوى مصالح المهيمنين، القابلة للتحول في أيّ لحظة ضدّها إذا كشف عُريها ـ باستقالة من المهمة أو بمنشار في القنصليّة لا فرق ـــ ولم تعد بذات قيمة في سوق الجماهير الغافلة.
كم كنت بصيراً بهم يا ماركس!