رغم بعض الأخبار المنتشرة في الإعلام عن مقاطعة بعض الفنّانين الإيرانيين لـ«مهرجان الفجر السينمائي» على خلفية الاحتجاجات على سياسة الحكومة، فإنّ المهرجان انطلق قبل يومين بدورته الثامنة والثلاثين في قسم الأفلام الإيرانية ليستمر حتى 11 منه. بدأت عروض أفلام إيرانية في 28 صالة في طهران، إضافة إلى 54 صالة في المحافظات الإيرانية. يشارك في المهرجان خمسون فيلماً من أحدث إنتاجات السينما الإيرانية، ويتنافس أكثر من عشرين فيلماً للحصول على الجائزة. أمّا القسم الدولي للمهرجان، فسيُقام في 16 نيسان (أبريل) حتّى 24 منه.

يعدّ «مهرجان الفجر» أبرز وأهمّ مهرجان سينمائي تعقده سنوياً «مؤسّسة فارابي» تحت إشراف وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، في شهر شباط (فبراير) من كلّ عام في الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية في إيران. وتُعرض أفلام متعدّدة من جميع أنحاء العالم. بدأ هذا المهرجان سنة 1983 كبديل لـ «مهرجان طهران الدولي للأفلام» الذي كان يُقام قبل ثورة 1979 وكانت تتنافس فيه أفلام مختارة للسينما الإيرانية، إضافة إلى أفلام دولية. بعدما توقّف أربع سنوات في فترة الثورة، عاد في إطار جديد. كان يختصّ بإنتاجات السينما الإيرانية، إلّا أنّه ضمّ القسم الدولي منذ 1996، حيث يتنافس المتسابقون للفوز بجائزة «العنقاء البلورية»، إضافة إلى «دبلوم الشرف» و«القرص الذهبي». كما أنّ أقساماً أخرى أضيفت إلى المهرجان كقسم «السينما الوثائقية» و«الفيلم القصير» وأفلام «الرسوم المتحركة» و«الفنّ والتجربة».
اليوم، هناك أقسام مختلفة للمهرجان تتنافس فيه الأفلام كجائزة أفضل ممثل وممثلة، أفضل إخراج، أفضل فيلم، أفضل سيناريو، أفضل ممثل وممثلة دور ثانٍ، أفضل مونتاج، أفضل موسيقى، أفضل مؤثرات بصرية، أفضل مؤثرات ميدانية، أفضل ماكياج، أفضل هندسة صوتية، وأفضل تصوير. وتتشكل هيئة التحكيم للأفلام الإيرانية في الدورة الحالية من: نرجس آبيار، تورج أصلاني، عباس بلوندي، رضا بور حسين، فريدون جيراني، سعيد راد، محمد مهدي عسكر بور، طهماسب صلح جو ومازيار ميري.

نظرة إلى البدايات
إذا اعتبرنا أنّ السينما الإيرانيّة بدأت بإنتاج أوّل فيلم سنة 1929 وهو الذي تمّ على يد آوانس أوهانيان (أوغانيانس) بمساعدة خان بابا معتضدي، فهي تنهي اليوم تسعين عاماً من حياتها. ولكن إذا أخذنا في الاعتبار دخول أوّل جهاز سينماتوغراف إلى إيران، تكون سنة 1901 نقطة بداية السينما الإيرانيّة. ففي هذه السنة، سافر مظفّر الدين شاه، من ملوك عائلة القاجار الحاكمة في إيران إلى فرنسا، وشاهد جهاز سينماتوغراف وأُعجب به، وأمر بشرائه. وبعد عدد من السنوات، كثر استخدام هذا الجهاز للعروض العامّة للأفلام، وتمّ افتتاح أوّل قاعة سينما سنة 1904 في طهران العاصمة.
بدأت السينما في إيران كوسيلة يستخدمها أهل بلاط القاجار والأعيان، حيث كانت تُعرض الأفلام المستوردة من روسيا بواسطة الجهاز الخاص، في المناسبات والحفلات، واستغرق الأمر بضع سنوات كي تستطيع العامّة من الناس استخدام هذا الجهاز ومشاهدة الأفلام. أمّا سنة 1930، فكانت مهمّة في تاريخ السينما الإيرانيّة، إذ شهدت افتتاح «سينما بالاس»، أوّل صالة فخمة تعرض أفلاماً ناطقة. هكذا انتشرت السينما الناطقة، وكان الذين يعرفون اللغة الأجنبيّة، يفهمون ما ترويه الأفلام. وقد رحّب كثير من المثقّفين والناطقين باللغات الأجنبيّة بالسينما، واستمرّ الأمر على هذه الحال إلى أن بدأ دوبلاج الأفلام، فانتشرت الأفلام المستوردة وتعزّزت مكانتها عند المشاهدين. بدأ إنتاج أفلام إيرانيّة ناطقة منذ سنة 1930، فظهر أوّل فيلم ناطق بشكل جدي سنة 1932 وهو فيلم «دختر لُر» (فتاة من لورستان) الذي أخرجه عبد الحسين سبنتا، وقد أُخذت قصّته من حكاية شعبيّة. واصلت السينما الإيرانيّة طريقها التصاعدي من حيث عدد ونوع الأفلام، وصولاً إلى اليوم.

الأرمن: حضور مؤثر
من المواضيع البارزة عند مراجعة تاريخ السينما الإيرانية، هي حضور الأرمن المؤثّر في هذه السينما. لا بدّ من التطرّق إليه في هذا المجال. يعود تاريخ حضور الأرمن في إيران إلى 400 سنة في فترة حكم الشاه عباس الصفوي، حيث هاجر الأرمن من المناطق الجبلية الشمالية إلى السهول المركزية في إيران. منذ حضور الأرمن في إيران، لعب فنّانون أرمن أدواراً مؤثّرة في الفنون كالرسم والعمارة والموسيقى والمسرح والسينما. وفي السينما الإيرانية، حصل الكثير من الأحداث الأوائل بيد الأرمن، كصنع أوّل فيلم طويل سنة 1929 وتأسيس أوّل مدرسة سمّيت بـ «المدرسة الأرتيستية للسينما» سنة 1930 على يد أوانس أوغانيانس.
سنة 1929، صنع آوانس أوهانيان (أوغانيانس) الذي كان يدرس السينما في موسكو أوّل فيلم طويل بمساعدة خان بابا معتضدي، عنوانه «آبي و رابي». هذا الفيلم الكوميدي كان صامتاً وصوّره معتضدي. لكن لم يبق أثر منه سوى ما كُتب عنه من المذكّرات. كان الفيلم كوميديّاً يمثّل فيه رجلان أحدهما قصير القامة والآخر طويل القامة يقومان بأعمال مضحكة. وكذلك، حوى الفيلم مشاهد من الرسم بريشة الرسّام الإيراني فريدريك تالبرك السويدي الأصل.
أمّا الفيلم الثاني لأوهانيان فهو «حاجي آقا اكتور سينما» الذي صنعه سنة 1932. وكان حاجي آقا يعتقد بأنّ السينما عامل لانحراف الإنسان عن الطريق السليم، لذلك قامت ابنته وصهره بتصويره في أنحاء المدينة من دون علمه، ومن ثمّ أخذاه إلى السينما بعد تمهيد سرّيّ لهذا الأمر كي يرى الفيلم، وهكذا أحبّ السينما. هدف هذا الفيلم إلى إظهار الشرخ في وجهات نظر الجيلَين وتغيير الظروف السياسية والاجتماعية الإيرانية من التقليد إلى الحداثة. وقد كُتب في ورقة دعاية له نُشرت باللغات الفارسية والفرنسيّة والروسيّة: «ستشاهدون جميع الأعمال المدهشة التي وقعت في كافيه بارس بشكل لافت للنظر؛ الكوميديا، والدراما، والرقص والموسيقى الإيرانيّة».
محاولة أوغانيانس لترسيخ ثقافة السينما جعلته شخصية مقبولة ومحبّبة ومؤثرة في تاريخ السينما الإيرانية. بعد وفاته سنة 1960، ظهر بعض الأرمن الآخرين في السينما ممن كان لهم خلفية نشاط مسرحي. من أبرزهم صاموئيل خاتشيكيان الذي نشط في الإخراج وكتابة السيناريو والمؤثرات الخاصة، والدعايات، حيث صنع أوّل فيلم دِعائي إيراني. كما أفاد من المونتاج والأعمال الفنية في أفلامه ليُدخل السينما الإيرانية مرحلة جديدة في صناعة الأفلام. إضافة إلى ذلك، صنع خاتشيكيان أول فيلم بوليسي في إيران، وحصل على جائزة أفضل مخرج في الدورة الأولى لمهرجان الأفلام. وحاز لقب «هيتشكوك إيران» بعد فيلميه «صرخة منتصف الليل» و«خطوة إلى الموت»، ما جعله رائداً في الأفلام البوليسية الإيرانية.
ميشا غيراغوسيان الأرمني كان من المصمّمين الأوائل للديكور واستخدام اللافتات في السينما الإيرانية. وموشق سروري المخرج الأرمني الذي صمّم ديكورات مميّزة ومؤثرات خاصّة. أمّا روبيك منصوري الموسيقار الأرمني، فكان له دور بارز في فنون الصوت والموسيقى في العديد من الأفلام الإيرانية. ساهم كلّ من غورغن غريغوريانس وروبيك زادوريان في تعزيز الأسس التقنية للسينما الإيرانية بتأسيس استوديو «شهاب» ومختبر الطباعة والتصوير. كما أنّ «مركز إيران للأفلام» أسّسه زافين هاكوبيان سنة 1927. ويعتبر لوريس تشكنافاريان وواروج هاخ بانديان من روّاد الموسيقى، حيث عُرفا بشقّ طرق جديدة في ما يخصّ الموسيقى في السينما الإيرانية.
إضافة إلى ذلك، قام بعض الأرمن الإيرانيين بتأسيس قاعات سينما، وكانت «سولي» أوّل قاعة سينمائية في شكلها الحديث، أسّسها آلك ساغينيان سنة 1900 في مدينة تبريز التي كانت رائدة في مجال السينما والمسرح في إيران. كما أسّس التاجر الأرمني آرتاشس باتماغريان سينما «تجدّد» في شارع الفردوسي في طهران سنة 1912، إضافة إلى تأسيسه سينما «خورشيد» سنة 1917، وتأسيس سينما صيفية سنة 1920. جورج اسماعيلوف وناسار خاتشاطوريان أيضاً كانا ممّن أسّسوا قاعات سينما في إيران في ما بعد. أمّا تأسيس استوديوات الأفلام، فكان موضع اهتمام الأرمن في إيران أيضاً، حيث أسّسوا ثمانية استوديوات للتصوير والشؤون الفنية السينمائية.
إضافة إلى صاموئيل خاتكشيان الذي أشرنا إلى ريادته في السينما الإيرانية، برز بعض المخرجين الأرمن الآخرين، منهم آربي آوانسيان وشاهين سركيسيان، وواروج كريم مسيحي وليفون خانكلديان هفتفان. واللافت أنّ الأرمن حصلوا على ستّ جوائز خلال سبع وثلاثين دورة من «مهرجان الفجر السينمائي». ويعتبر واروج كريم مسيحي صاحب الرقم القياسي بين السينمائيين الأرمن في إيران بحصوله على أربع جوائز والترشح لثماني مرّات في فئة الإخراج والسيناريو والتدوين. كما أنّ روبيك منصوري حصل على جائزة المهرجان في فئة الصوت، إضافة إلى سيّدتين أرمنيتين حصلتا على جائزة أفضل ممثلة دور ثانٍ، هما آنيك شفرازيان وماهايا بطروسيان.
أمّا في السنوات الأخيرة، فتضاءلت النشاطات والمساهمات السينمائية للأرمن في السينما الإيرانية، بحيث لا يتجاوز عدداً قليلاً من الممثلين والفنيين، ما يطرح تساؤلات لدي بعض النقّاد السينمائيين، عن انخفاض نشاطاتهم، مقارنة بحضورهم في تاريخ هذه السينما.