يقول مؤلِّف رواية «كرسيفار ـ ربيع 1919» (دار سائر المشرق)، جورج شوفاني، إنَّه تعمَّد إصدار هذه الرِّواية في مئوية لبنان الأولى؛ لأنَّها تروي حكاية سعي أبناء «كرسيفار» إلى الانضمام إلى لبنان المستقل وإصرارهم على ذلك.

«كرسيفار» التي تحملُ الرِّواية اسمها، كما جاء في الرِّواية، هي منطقة تقع «حدّ عيتا» (ص. 198)، وفيها أربعة مخاتير (ص. 244)، أي تضمُّ أربع قرى. و«عيتا» المعنية هي بلدة «عيتا الشعب» الواقعة في قضاء بنت جبيل، لبنان الجنوبي، وعلى الحدود اللبنانيَّة الفلسطينيَّة. سكَّان «كرسيفار» موارنة، يقفون موحَّدي الرأي مع قيادتهم الدِّينيَّة التي يوالونها.
كان مصير «كرسيفار»، بوصفها منطقة من مناطق بلاد الشَّام، في الآونة التي تجري فيها أحداث هذه الرِّواية، مطروحاً على بساط البحث بين دولتَي بريطانيا وفرنسا، بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالميَّة الأولى، وخروج الأتراك من بلاد الشَّام، واحتلال الإنكليز للمنطقة.
كانت المرحلة مرحلةً تاريخيَّة مفصليَّة، وكانت المشاريع المطروحة، في ما يتعلَّق بـ«كرسيفار» والمنطقة التي تقع فيها؛ وهي، في التسمية التاريخيَّة: «جبل عامل»، أو «بلاد البشارة»، ثلاثة مشاريع هي:
1. ضمُّ المنطقة إلى مملكة سوريا الكبرى، بوصفها إقليماً يتمتَّع باستقلال ذاتي، وكان زعماء جبل عامل المسلمون يتبنَّون هذا المشروع، ويعملون من أجل تحقيقه، وهذا السَّعي إلى الاستقلال عن الدَّولة العثمانيَّة ليس جديداً على العامليِّين، ففي مرحلةٍ سابقة عمل ناصيف النصَّار، «شيخ مشايخ جبل عامل»، آنذاك، على إقامة حلف مع علي بك الكبير، في مصر وظاهر العمر، في فلسطين، بغية إقامة دولة عربيَّة مستقلَّة عن الدَّولة العثمانيَّة.
2. ضمُّ المنطقة إلى فلسطين، الواقعة تحت الانتداب البريطاني، وكانت بريطانيا التي يحتلُّ جيشها هذه المنطقة تعمل؛ بمختلف الوسائل، من أجل تحقيق هذا المشروع.
3. إقامة لبنان الكبير وجعل هذه المنطقة مكوِّناً من مكوِّناته، وكانت فرنسا تعمل من أجل تحقيق هذا المشروع، وتريد أن تكون هذه الدَّولة الناشئة تحت انتدابها.
يمثِّل تقرير مصير «كرسيفار» قضيَّة هذه الرِّواية المركزيَّة، وتتمثَّل شخصيَّاتها في ثلاث قوى رئيسيَّة هي: دولة بريطانيا المحتلَّة ممثَّلة بقادة جيشها في المنطقة، وأبناء «كرسيفار» ممثَّلين بعدَّة شخصياتٍ: تجَّار ومخاتير وفلاَّحون، ونظام ديني مسيحي، ممثَّلاً بالخوري والمطران والبطرك، وهؤلاء يمثِّلون المثقَّف الذي أدَّى الدَّور الفاعل في اتخاذ القرار وحسمه، مؤيَّداً، أو مؤيِّداً، لشخصيَّة أخرى، تتمثَّل في دولة فرنسا التي كانت فاعلةً في تنمية مسار الرِّواية، من دون أن تكون ممثَّلة بشخصيَّات معيَّنة، في الرِّواية، وإنَّما كان دورها يبرز بعودة شخصيات النِّظام الدِّيني إليها، بعدما اتّخذ هذا النِّظام قراره بأن تكون المنطقة مكوِّناً من مكوِّنات لبنان المستقلِ استقلالاً كاملاً. ولبنان المعنيُّ، هنا، هو لبنان الكبير، الممتدُّ، كما قال الخوري فرنسيس، وهو شخصيَّة من شخصيات الرِّواية، «من هون لصور وصيدا، لبيروت وجبيل وطرابلس، لجزين وزحلة وبيروت» (ص. 305).
يفيد ما جاء على غلاف هذه الرِّواية أنَّ مؤلِّفها سمع وقائعها من جدِّه ومجايليه، ما يعني أنَّ مرجعها تاريخي حفظه، ونقله شاهد عيان، أي أنَّ الرِّواية الأولى لها شفويَّة، وأنَّ راويها الأوَّل هو الجدُّ ومجايلوه، وأنَّ رواية هؤلاء احتفظت بها ذاكرة الرُّواة والمؤلِّف زمناً طويلاً، وأنَّ ما كتبه المؤلِّف هو ما احتفظت به الذَّاكرة، وتحوَّل به من «متن روائيٍّ» إلى «مبنى روائيٍّ».


والمؤلِّف، إذ يقول إنَّه يروي ما سمعه وحفظته ذاكرته، يذكر في الإهداء، وفي الصفحة التي تليه، ما يفيد أنَّه يمتلك معرفةً بالآونة التاريخيَّة التي يروي أحداثها، ويدرك حقائقها، ما يعني أنَّه يمتلك صفات المؤرِّخ، كما يذكر ما يفيد أنَّه يحبُّ القصَّ ويجيده بدقَّة وترابط واتِّساق، ويؤدِّي قصَّاً من نسج الخيال، وإن كان مرجعه تاريخيَّاً، فلم يكن كاتبه، كما يقول، ناقلاً ولا ناسخاً ولا مؤرِّخاً، وإنَّما كان كاتباً روايةً ذات بنية روائيَّة متخيَّلة من مادَّة تاريخيَّة وفَّرها إصغاؤه للحكايات التي كان الأجداد يحكونها حول الموقد في ليالي الشتاء، أو في سهرات الليالي المقمرة. وهذا يوفِّر لهذه الرِّواية المصداقيَّة التاريخيَّة والجماليَّة الرِّوائيَّة في آن، والمصداقيَّة التاريخيَّة، في مثل هذه الرِّواية مهمَّة، لأنَّها تروي وقائع آونةٍ تاريخيَّة تمَّ فيها اتّخاذ قرارات تشكيل دول، وتنفيذ هذه القرارات، وكان للمثقَّف الدِّيني دور في هذا الشأن.
أوكل شوفاني القصَّ إلى راوٍ عليم، يروي الأحداث من منظوره، ويقيم، من هذا المنظور، بناءً روائيَّاً متخيَّلاً ذا مرجع واقعي يصدر عنه، ويغايره في آن، ويرى إليه. وبدا واضحاً أنَّ هذا الرَّاوي يعرف كلَّ شيء، ويتتبَّع أدقَّ تفاصيل الأحداث التي تجري في العالم الرِّوائي، وأدقَّ ما تشعر به وما تفكِّر فيه الشَّخصيات، ويتدخَّل، في حالات كثيرة، مفسِّراً ومعلِّقاً، ومن نماذج ذلك نذكر، على سبيل المثال:
• «لكنَّه عجَّل بالتقاط يدها، مداعباً أصابعها، فاستجابت له برغبةٍ جامحة، لتعود فتسحبها...، لا رفضاً بل تحسُّباً وحذراً» (ص. 60). يفسِّر الرَّاوي، هنا، سحب الفتاة يدها من يد حبيبها، وهذا تفسير كان ممكناً أن يدركه القارئ، من دون أن يتدخَّل الرَّاوي. والأمثلة على ذلك كثيرة.
تتألَّف الرِّواية من سبعة فصول معنونة، وكلُّ فصل يتألَّف من عدَّة أقسام معنونة، والعنونة تعني أنَّ الرَّاوي يقدِم للقارئ دلالةً يقرأ الرِّواية في ضوئها، كما في الفصل الأوَّل على سبيل المثال، وعنوانه: «التجارة والاحتلال»، وهذه ثنائيَّة تمثِّل القضيَّة/ المشكلة التي بدأ منها القصُّ، وهي قضيَة مركزيَّة في الرِّواية، فالقصُّ يبدأ من فقد توازن كان قائماً، فبعد أن انتصر الحلفاء، وخرجت تركيا من البلاد، جاء الإنكليز المنتصرون، ففرضوا الأمن، وأعلنوا أنَّهم خلَّصوا النَّاس من ظلم الأتراك، وسمحوا بالتجارة بين قرى جبل عامل الحدودية، ومنها كرسيفار وفلسطين. وكانت هذه التجارة تتمُّ، في الغالب، تهريباً، وكان التجَّار يتدبَّرون أمورهم مع حرَّاس الحدود. لكنَّ ما حدث، يوم الخميس 3 نيسان (أبريل) 1919، في الهزيع الأخير من الليل أخلَّ بهذا التوازن، وحدث الفقد الذي حرَّك الأحداث إلى سعي هدفه تعويض هذا الفقد، فقد نصب الجيش البريطاني كميناً، وصادر التهريبة، وبدا واضحاً للتاجر أبي يوسف الملقَّب بـ«الفطحل»، لمقدرته على معالجة مشاكل التجارة والتهريب، منذ أيَّام الأتراك، بدا واضحاً له أنَّ القضيَّة أبعد من «مسك تجرة»، وفهم لماذا رفض الضابط الإنكليزي باترسون أن يقبض هذه المرَّة، فالحكومة الإنكليزيَّة، ممثَّلةً بهذا الضابط، تريد أن تجرَّ «الكراسفة» من أنوفهم للقبول بالاحتلال الإنكليزي مقابل السَّماح بالتجارة مع فلسطين.
وهكذا تبدأ الرِّواية من الفقد الذي يُسعى إلى تعويضه، أو من المشكلة التي تحتاج إلى حلٍّ، أو من العقدة التي كانت تأتي في الرِّواية التقليديَّة بعد ما كان يسمَّى التمهيد، أو الوضع الأوَّلي المفضى إليها.
يتمكَّن «الفطحل» من تخليص تجرْته بمساعدة شركائه الفلسطينيين، لكنَّ المشكلة الأساس، وهي مقايضة التجارة بالاحتلال، تبقى قائمة، فيلجأ أبو يوسف إلى الخوري جريس ومخاتير كرسيفار ووجهائها، وتجري حوارات طويلة تمثِّل العنصر الأساس في هذه الرِّواية. ويبرز، هنا، دور التاجر المحلِّي «النِّمس»، ويسمِّيه الإنكليز «المنغوز»، فهو من وشى بتهريبة أبي يوسف، وهو العميل الذي يسوِّق للمحتل، من أجل أن يحلَّ محلَّ «الفطحل»، ويسمِّيه «الفحطل»، ويتعاون مع «لينلي» ضابط المخابرات البريطانيَّة الذي يجيد العربيَّة، ويعرف تفاصيل الحياة في هذه المنطقة، وفي البلاد العربيَّة، فهو، بوصفه يمتلك معرفةً واسعةً بالمنطقة العربيَّة، وبالعلوم السِّياسيَّة، وتكوّن شخصيَّته الفاعلة، يمثِّل المثقَّف العامل في خدمة مشروع المحتل البريطاني.
ولمَّا كانت القضيَّة قضية مصير منطقة ووطن، كان لا بدَّ من العودة إلى المرجع القادر على اتّخاذ القرار في شأنها، وهو مطران صور، شكر الله الخوري وتسميته تعني أنَّه شخصيَّة حقيقيَّة، فيخبرهم هذا المطران الذي يمثِّل المثقَّف الدِّيني الفاعل، بأنَّ القرار قد اتُّخذ، وأنَّ البطرك وكثيراً من رجالات الوطن، يسعون إلى إقامة لبنان الكبير، وطناً مستقلاً استقلالاً تامَّاً، وإنْ لم يكن الاستقلال ممكناً، وكان لا بدَّ من انتداب، فليكن لفرنسا، ويعدهم بأن يشارك في عيد مار جريس الذي يريد قادة الجيش الإنكليزي حضوره، ويعلن القرار الذي اتُّخذ في حضورهم.
وإذ لم يتمكَّن المطران من الحضور، حضر نائبه الخوري فرنسيس، وألقى خطاباً أعلن فيه هذا القرار، بحضور قادة الجيش الإنكليزي المحتل.
وهكذا تمَّ تعويض الفقد، واتُّخذ القرار برفض الاحتلال الإنكليزي، وتأييد البطرك في سعيه، في مؤتمر الصلح، إلى إعلان دولة لبنان الكبير. أمَّا التِّجارة، فيمكن تدبُّر أمرها مع الإنكليز الذين لن تطول إقامتهم في المنطقة، بعد أن يتم الإعلان عن إقامة دولة لبنان الكبير، وتحديد حدوده مع فلسطين.
تجري هذه الأحداث، كما جاء في العنوان الثانوي للرِّواية في ربيع سنة 1919، وكما جاء في عناوين الفصول، بين 3 و23 نيسان سنة 1919. في هذا الزَّمن القصير يُتَّخذ القرار المصيري، في حوارات طويلة مفصَّلة، ما يجعل الحوار هو التقنيَّة المهيمنة في هذه الرِّواية.
يفيد ما سبق أنَّ هذه الرِّواية تتألَّف من وحدتين قصصيَّتين: أولاهما الفقد/ المشكلة، ويتمثَّل في أنَّ مؤتمر الصُّلح سيعقد، ويقرِّر مصير الولايات التي كانت تتبع الدَّولة العثمانيَّة، ومنها الولايات التي تمثِّل بلاد الشَّام. ولمَّا كان هذا المؤتمر يريد أن يعرف آراء مواطني هذه الولايات، أعلن أنه سيرسل لجنة تستطلع آراء هؤلاء الموطنين. إزاء هذا الوضع، أرادت بريطانيا أن يطلب أهل كرسيفار حماية الجيش البريطاني قبل عقد مؤتمر الصلح، وكان على قادة الجيش الإنكليزي المحتل أن ينفِّذوا هذا القرار، فقاموا بمصادرة «التجرة/ التهريبة» إلى فلسطين، ليجبروا «الكراسفة» على التفاوض ومقايضة التجارة بالتهريب، فالمحتلُّ يريد من «الكراسفة» طلب «حمايته»، وهؤلاء يريدون مواصلة التجارة، من نحوٍ أوَّل، وضم منطقتهم إلى لبنان المستقل، أو الموضوع تحت الانتداب الفرنسي من نحوٍ ثانٍ، فتحرَّك القصُّ من هنا، أي من تأزُّم الوضع، وتعقُّده، فتشكَّلت الوحدة القصصيَّة الثانية، وهي اتخاذ «الكراسفة» القرار في شأن تعويض الفقد وحلِّ المشكلة، في سياق ممارسة قادة جيشي الاحتلال ضغوطهم المتنوِّعة.
ولمَّا كان القرار مصيريَّاً، وينبغي أن يُتَّخذ في مدَّة زمنيَّة قصيرة، أي قبل انعقاد مؤتمر الصُلح، ولمَّا كان من عادات «كرسيفار» أن لا يتفرَّد أحد باتّخاذ القرار (راجع: ص. 244)، ولمَّا كان المرجع النهائي لها هو «البطرك»، كانت التقنيَّة المهيمنة، في الرِّواية هي الحوار الذي دار بين مختلف الأطراف، ففي هذه المدَّة الزمنيَّة القصيرة، أعرب كلُّ طرفٍ عمَّا يريده، في سياق مواصلة قادة الجيش المحتلِّ ضغوطهم المتمثِّلة بمصادرة «التَّجرة»، ومنع التَّهريب، وإعلام النَّاس بأنَّهم مستعدُّون لتقديم الحماية للمسيحيِّين من المسلمين، ومن «العصابات»، ويعنون بهذه التَّسمية الفرق التي تشكَّلت، في جبل عامل، لمقاومة الأتراك في البدء، ثمَّ لمقاومة المحتلِّ الفرنسي الذي كان واضحاً أنَّه يريد ضمَّ منطقة جبل عامل إلى لبنان الكبير، الذي سيعلن إقامته تحت انتدابه، إضافةً إلى تخليصهم من دولة الإسلام/ مملكة سوريا الكبرى.
وممَّا كان يقوله قادة الجيش المحتلِّ ما قاله الضابط الإنكليزي لأبي يوسف، وهو: إنَّ المسلم و«المتوالي»، سيأتي بدلاً من التركي، ويخنق المسيحي، ففكَّر «الفطحل»: ترك التجارة أشرف له من أن يسيء إلى جيرانه... ولتذهب أموالها إلى الجحيم، وعلاقات الاحترام والمودة مع المسلمين أهم من الخلافات بين الدِّينين، فلكلٍّ إيمانه وصلاته ولا دخل للآخرين في ذلك، والأتراك ظلموا المتاولة مع المسيحيين، وكما خلصنا منهم دبكنا سوا. ولمَّا قال الضَّابط: أنا لا أعرف شيئاً ممَّا يدَّعيه هذا، أنا لا أعرف سوى مظالم الأتراك التي كانت السبب المباشر لهجرة الموارنة الأوائل إلى كرسيفار... وقد احتمى هؤلاء الموارنة المهاجرون بالمتاولة فأجاروهم... ولذلك أوضح للإنكليزي أنَّ زعيم المتاولة أعطى الجدود أرض كرسيفار من دون مقابل، فعمَّروها وعاشوا فيها بأمان، ولليوم ما حدا بيقول «ما أحلى الكحل بعينكن»... كيف ممكن يتغيَّروا!؟» (راجع: ص. 128 و129).
الطريف، في هذا الشَّأن، حلم ملك بريطانيا. يقول رجل المخابرات «لينلي»:
«هو مار جريس، الخضر بأن في الحلم لجلالة King George، وأمروا يجي هنا يخلصكوا من Turk... من دولة إسلام! ده معناه أيه، معناه Saint George بدُّو تمشوا معنا» (ص. 25).
ثمَّ يقول: «القصة، البلاد دي لازمها حكومة... حكومة، عمل أمن، والناس كلُّو كلو أمشي مع قانون، أنتو تمشوا معانا، وتساعدوا حالكو، نعمل حكومة سوا... انتم تروحوا صفات وحيفا، تشتغلوا وتشتروا مش تروحوا بيروت».
وإذ يرد الحاج خليل: «نحنا مع لبنان. وبْعدْلك: وين يكون لبنان بنكون، معكن... مع فرنسا... هيدا قرار بيرجع لبكركي». يقول لينلي: «لمَّا عملوا المتصرفيَّة خلوكوا برا، دي الوقت في مؤتمر الصلح في باريس عطى خريطة ليبانون عند الليطاني، ومن الليطاني لهنا دولة مين؟ دولة متاولي!؟» (راجع: ص. 254 و255).
ترك «الكراسفة» أمر البت بالأمر للمطران، والمطران أعلن القرار، على لسان الخوري فرنسيس، في عيد مار جريس. والقرار هو: «نحن مع لبنان الكبير، ومع الاستقلال التَّام، وإن كان لا بدَّ من انتداب، فليكن لفرنسا، وليس لبريطانيا التي تريد ضمَّ «بلاد البشارة» لفلسطين التي ستكون وطناً قومياً لليهود بناءً على وعد بلفور للحركة الصهيونيَّة».
ظلم الأتراك كان السبب المباشر لهجرة الموارنة الأوائل إلى كرسيفار، بعدما احتموا بـ «المتاولة»


وكان قد قال في الاجتماع في دار المطرانية في صور: «المير فخر الدين كان يوقِّع اسمه «أمير فينيقيا...، وفينيقيا من اللاذقية لبانياس ليافا. بس هيدا مش طلبنا. سيِّدنا عم يشتغل مع فرنسا تترجِّع لبنان لحدودو المضبوطة، بوقت اللي الإنكليز نحنا مش ببالن... كلّ همُّن يرضوا فيصل واليهود، واعدين شريف مكة بدولة بسوريا بحطوا ابنه فيصل ملك عليها، وواعدين اليهود بفلسطين، مش هاممن أمرنا وعم يشتغلوا ع أساس أنُّو لبنان هوِّي الجبل وبس... يعني لبنان زغير، البقاع بيعطوه لفيصل مع سوريا، وبلاد البشارة بيعطوه لليهود مع فلسطين. وهيك بيكون استقلالنا طار...، في حين فرنسا بدها سوريا ولبنان أوسع تحت حمايتها...، وهالشي يوافقنا لأنو إذا ما حقَّقناش استقلالنا دغري عالقليلي منكون فتحنا الطريق... ولا بد منحقِّقوا بيوم من الإيام» (ص. 201)، «وهون دورنا، لازم نكون متفقين نحنا والإسلام حتى هاللجنة تشوفنا شعب واحد، عندو هدف واحد هوِّي استقلال بلدنا لبنان» (ص. 200).
قال كثيرون ممَّن كانوا حاضرين «أنو المسلمين بيقولوا مش معقول يتركوا ملك عربي ويروحوا مع فرنسا، وأنهم مش ممكن يسكتوا لفرنسا ولو اضطروا يحاربوهم» (ص. 202 و203). فقال المطران، وهو ابن بكاسين الجزِّينيَّة، «في شغلتين لازم تفهومهن، بالأوَّل نحن الأكثرية بهالبلاد، وإن كان صحيح أنو أكثرية المسلمين بدُّن فيصل بس كمان اللي بدُّن لبنان متلنا مش قلال، نحنا وهني مع نفسنا مش مع القريب وبالتأكيد مش مع الغريب. وتاني شي والأهم إنو الخطر مش من فيصل ودولتو العربية... برضو نحنا عرب، وهيِّن علينا نعمل علاقة جيِّدة معو ومع دولتو. الخطر بيجي من الإنكليز إذا حققوا وعدن لليهود يعملولن وطن بفلسطين» (ص. 204). وإذ يحرِّض الضابط الإنكليزي على المتاولة، ويسميهم جيرانكم، ويحذِّر منهم، يقول نائب المطران: لا تخف من «هالكذبة، لأنو جيرانكن هنِّي أخوانكن، وما شفنا منُّن إلا كل منيح...، بس الإنكليز بدُّن يدقوا اسفين بيناتكن... فانتبهوا» (ص. 337).
تتَّخذ الرِّواية التي تبدأ بحدوث الفقد/ المشكلة/ العقدة بنية خطِّيَّة تمضي الأحداث فيها وفاقاً للزَّمن الطَّبيعي، ولا تخلو من استرجاع، عندما يتذكَّر العاشق إبراهيم على سبيل المثال، كم تحلو للحبيبة القيلولة وأكل العنب في عرزال كرم الوعرة (ص. 50 وراجع ص. 62) ومن استباق، عندما يتخيَّل العاشق نفسه، على سبيل المثال، أنَّه في بيته الزوجي والحبيبة تضع الطعام أمامه وطفح من السعادة يشع من بريق عينيها الخضراوين (ص. 49).
كما لا تخلو من تضمين موظَّف في بيان الموقف وتنمية السَّرد، كتضمين ردَّات الزَّجل (ص. 80) والأمثلة كما في قوله: «وصل الأبلق للنَّعص...» (ص. 32) والأغنية (ص. 59)، ومن قصَّة حبٍّ تُروى أحداثها في سياق قصِّ الحدث الرئيس، وتنتهي نهاية سعيدة، فيتَّخذ القرار بزواج العروسين، في الوقت نفسه الذي يُتَّخذ فيه القرار برفض مقايضة التجارة بالاحتلال، وبرفض الفتنة الطائفية والوقوف مع البطرك في مساعيه لإعلان لبنان الكبير المستقل، وإن لم يكن هذا ممكناً، فليكن الانتداب لفرنسا.
وتبقى النِّهاية مفتوحة روائيَّاً، وقد تحقَّق في ما بعد، تاريخيَّاً، هدف البطرك، وحارب المتاولة فرنسا، لأنَّهم كانوا يريدون أن يكون جبل عامل إقليماً مستقلاً ضمن المملكة السورية، لكن فرنسا قضت على الثورة العامليَّة، وعلى المملكة السورية، وفرضت انتدابها عى لبنان وسوريا.
في الختام، يمكن القول: هذه رواية تاريخية، تقدِّم معرفةً تاريخيَّة بالصِّراع الذي جرى، في آونةٍ تاريخيَّة مفصليَّة، تمَّ فيها حسم مصير المنطقة التي تحرَّرت من حكم الأتراك، فتمثِّل وثيقة تاريخيَّة، في الوقت نفسه الذي تمثَّل فيها رواية تتَّخذ بناءً متخيَّلاً، يقدِّم التاريخ من منظور روائي، فيقدِّم معرفة تاريخيَّة في فضاء روائي ممتع.