«سيتذكّرون أني الرجل الذي كان يلصق النقاط الملوّنة على الوجوه في الصور»، أجاب جون بالديساري (1931 – 2020) حين سئل عمّا يعتقد أن الناس سيذكرون من تجربته بعد مئة سنة، مشيراً إلى مجموعته «نقاط» (1985). لكن الفنان الأميركي الذي رحل أخيراً في لوس أنجلوس، تجاوز مع كل عمل جديد تجاربه السابقة بفضل اختباره للوسائط كافة، خصوصاً أن تقدّمه في العمر لم يتمكّن من جعله فناناً من عهد آفل. عرف كيف يجيء دائماً في الوقت المناسب، كما كان يذكّر الفنانين الآخرين دائماً، آخرها عصر الديجيتال الذي أنجز أعمالاً مختلفة حوله ومنه.


«بورتريه ذاتي للفنان» (2010)

في نيويورك الستينيات شاع اسم واحد هو آندي وارهول. غير أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى لوس أنجلوس، فقد كان لديها فنان طليعي آخر يدعى جون بالديساري. هزّ الرجل الوسط الفني هناك بحرق كلّ لوحة كان قد رسمها حتى ذلك الوقت. كل التصنيفات الفنية كانت تؤرقه. وعندما أحرق لوحاته (رسمها بين 1953 – 1966) في مقبرة سان دييغو، أحرق كل القواعد الفنية التي لم تكن تعترف إلا باللوحات والمنحوتات فحسب. صنع من رمادها قطع بيسكويت، وعرضها برفقة وصفة التحضير وتاريخي ولادة اللوحات وموتها. ذلك لم يكن موتاً بقدر ما كان قتلاً مقصوداً، شكّل ولادة جديدة لبالديساري منحته لقب عرّاب الفن المفاهيمي. كأنما كانت تلك الحركة الفنية استعارة كبيرة عن الدرك الذي أوصلت فترة ما بعد الحداثة الفنون إليه. وفق توصيف الناقد الإنكليزي تيري إيغلتون لم يعد مطلوباً من الفنون أن تقوم مقام الله أو السعادة أو العدالة السياسية. ربما كان عليها فقط أن تعود إلى هشاشتها، وأن تلقي بأثقال العمق والقداسة عن كاهلها. بالنسبة إلى الفنانين المفاهيميين، في فترة ما بعد الحداثة صار كل شيء موضع شكّ، بدءاً من سؤال أساسي لا يتوقّف عن التوالد في كلّ مرحلة: ما هو الفن؟ واجه الفنانون سيطرة مقاييس التقنية أو الحرفية وحدها على الأعمال. منحوا المفهوم نفسه اهتماماً مضاعفاً، ما شكّل مساحة واسعة للعب، ولزحزحة الأطر الشكلانية كلها. أما فكرة المفهوم السابق على الشكل، وجدّيته المفرطة أحياناً، فقد خفّفه بالديساري بطابع ساخر وتهكّمي شكّل بصمته الخاصّة حتى رحيله. ما هو الفن؟ تكرّر السؤال مراراً في أعمال بالديساري دون سواه، كأن تجربته بأكملها ظلّت تقف عنده، لا التصاقاً به بل لتلوّن وتوسّع وتمطّ ذلك السؤال إلى ما لا نهاية. ذات مرّة، في بداية السبعينيات، فرض على نفسه قصاصاً ذاتياً يقضي بكتابة جملة «لن أصنع فناً مملاً بعد الآن» مئات المرّات، ودعا مجموعة من طلاب الفنون في كندا إلى تكرارها على حائط الغاليري، لأنه لم يكن يملك مالاً للسفر إلى المعرض. بدلاً من الكانفاس أو أي عمل فني، اكتسى الجدار بمئات الجمل المكرّرة من العبارة ذاتها بما يشبه القصاص الذي يفرض على طلّاب المدارس لدى ارتكابهم خطأ ما. منذ ذلك الحين، غسل بالديساري «ذنوبه» الفنية السابقة، إيذاناً ببدء تجربة تعصى على التصنيف ضمن أسلوب أو توجّه واحد. والأهمّ أنها تعصى على الملل، كأنه كان مصاباً بفقدان لذاكرة التاريخ الفني. أنجز مئات من الأعمال الفنية تراوح بين المطبوعات والكتب الفنية، والتجهيزات، والمونتاج الفوتوغرافي، الفيديوات والكولاجات التي استعار لغاتها الفنية أحياناً من البوب آرت والدادائية. هكذا أعاد تعريف الرؤية ووسّعها حين دمج الكلمات والصور في أشهر أعماله «جمال صافي»، في سعيه إلى فهم العلاقة بين المكتوب والبصري، وحين التقط صوراً بكادرات مخلخلة مرفقاً إياها بعبارة «خطأ». دعا، بسورياليّة، إلى رؤية الصور ولقطات الأفلام بالأبيض والأسود من زوايا أخرى وجديدة: «انظر إلى الشيء كما لو أنك تراه للمرّة الأولى». هكذا ظهّر ثياب الواقفين في الصور وإيماءاتهم وحركاتهم من دون وجوههم، بعد تغطيتها بلاصقات الأسعار الملوّنة.
بداية السبعينيات، أحرق جميع لوحاته وصنع من رمادها عملاً فنيّاً

وراء المذاق العبثي والساخر في نقطه تلك، ثمّة تأويل فني تمثل بلغة تجريدية ملوّنة أضفاها على الصور الفوتوغرافية، إضافة إلى محاولة مبكرة لفهم وهضم الكم الهائل من الصور التي بدأت بغزو العالم من الميديا الجماهيرية والمجلات والأفلام والإعلانات. منذ مارسيل دوشان، تجرّأ فنانو المفاهيمية على التخلّص من أطر الفن وقواعده، لكن هناك من عاد وتجرّأ على صرامة المفاهيمية نفسها. من غيره كان يجرؤ على إثارة كل ذلك الضحك في عمل فني؟ فعلها هو، حين وقف أمام الكاميرا وراح يؤدي إيماءات بيديه وجسده مطلقاً على ذلك فناً مفاهيمياً. بنكات كهذه، كان بالديساري يرمي إلى فهم القواعد التي تشترط تحقيق العمل الفني. ولحسن الحظ أنه لم يتوصّل إلى إجابة حتى وفاته، كما اعترف في مقابلة قبل بضع سنوات... «لا يملك حتى دليلاً واحداً عمّا يعنيه الفن». لا يقينية دفعته إلى أن يكون طليعياً بين أبناء جيله وأجيال الفنانين المعاصرين لاحقاً ممن تأثّروا بتجربته. كان سبّاقاً في تلقّف العصر الإلكتروني وجوانبه البصريّة كما في آخر معارضه عام 2017، إذ حوى مجموعة من الإيموجيز (emojis) لحيوانات، لكن بالحجم الكبير، مرفقة بعبارات من بعض الأفلام من دون أن تكون هناك علاقة مباشرة بينها وبين الصورة، إنّما، كانت مجرّد محاولة لفهم أو مساءلة سياقات استخدام تلك الصور في المحادثات الإلكترونية. لكن ما زاد من الأمر مرحاً هو عرضها في غاليري بالأحجام الكبيرة، كمن يقدّم نافذة أخرى لرؤية رسومات بسيطة كان يمكن لأي متفرّج أن ينظر إليها على شاشة هاتفه. الفنان الذي احتضنت معارضه متاحف وغاليريات العواصم العالميّة مثل «تايت مودرن» و«متحف الفن الحديث في نيويورك» (MoMA)، و«غوغنهايم» واستعادات لأولى أعماله الفنيّة، ترك تأثيراً كبيراً على الفنانين المعاصرين من خلال أعماله، فضلاً عن تدريسه في معاهد فنية عديدة. حتى بلوغه الثمانينيات من عمره، لم يخفّ سعيه إلى فهم العصر الإلكتروني، ما جعله الفنان المعاصر الأوّل الذي يبتكر تطبيقاً للهواتف الذكيّة، بهدف إشراك المتفرّجين في إعادة تركيب لوحة من القرن السابع عشر للفنان الهولندي أبراهام فان بيرين.