يحضرني وقت ثورة يناير أن البداية الفعلية للثورة كانت 28 يناير 2011. مَن حضر الأحداث التي بدأت بعد صلاة الجمعة في اليوم المذكور وصولاً إلى سقوط حكم مبارك، كان مُنهكاً من التعب والخوف من هجوم الأمن والبلطجية، والأغلبية كانت غير مُنظمة ولا تتبع حزباً أو جماعة لتوفير دعم تمويني. لكن المحيط السكاني كان متضامناً مع الجماهير بالمعنى الواسع للكلمة. وقد عبّر عن تضامنه ودعمه للثورة عبر تقديم الطعام ومياه الشرب لمن هم في الشوارع، متظاهرين كانوا أو لجاناً شعبية، ليعوضوا غياب رجال الأمن بعد انسحابهم من الشوارع. ثم جاء يوم 19 آذار (مارس) 2011، الذي شهد أول عملية اقتراع حُرّ في مصر بعد سقوط مبارك. شارك والدي في اللجنة المشرفة على الاستفتاء على تعديلات الدستور المصري، وسرد الآتي: «كانت لجان الاقتراع أشبه ببوفيه مفتوح، كل البيوت تجود بما لديها مِن طعام وشراب تعبيراً عن دعمها وسعادتها بالتجربة المختلفة التي كانت مُقدمة عليها البلاد».

أسرد الواقعتين كشاهد ـــ لا مشارك في الثورة تجنّباً للمزايدات ـــ على عملية «عطاء» قام بها الشعب المصري في وقت الثورة. وهذا ما تتبعته أميرة ميتماير، الأستاذة في قسم دراسات الدين والحضارات في الشرق الأدنى والأوسط في «جامعة تورنتو»، والحاصلة على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من «جامعة كولومبيا». إذ عملت على تفكيك عملية العطاء الخيري للطعام والشراب في أوقات الثورة في كتابها الجديد
Giving to God- Islamic Charity in Revolutionary Times الصادر أخيراً عن «منشورات جامعة كاليفورنيا».
تقدم أميرة ميتماير دراسة إثنوغرافية مبهرة تحاول من خلالها فهم فعل العطاء (تقديم الغذاء كفعل رئيسي) في مصر خلال الثورة، وكيف شكّل الفكر الديني عن العطاء والإحسان خصوصاً، جسر إمداد لوجيستياً للمتظاهرين والمعتصمين وصار تقديم الطعام والشراب ممارسةً ثورية غير تقليدية تعطلت المفاهيم الليبرالية والمنطق العلماني عن تفسيرها. وقد شكل العطاء حقلاً اقتصادياً ـ ثقافياً ربطته أميرة ميتماير بالدين الإسلامي، وجعلت الفعل التكافلي بين الجماهير الثائرة والمانحين للطعام والشراب حقلاً دينياً تغلبت فيه فكرة التقرب من الله عبر الصدقات على فكرة العدالة الاجتماعية. فـ «تقديم الغذاء المجاني» مِن قِبل الأفراد أو الجماعات التابعة للإسلام السياسي أو مؤسسات المجتمع المدني كمؤسسة «رسالة» في دراسة أميرة، غير نابع من فكرة المسؤولية الاجتماعية تجاه الفقراء، بل يأتي لتعزيز مكانة الأفراد أو الجماعات الدينية وحتى المدنية في السماء، فالعطاء أمر إلهي، وأخلاقيات العمل الخيري التي لا تعتمد على مشاعر الفرد وضميره ومسؤوليته المجتمعية ولا حتى فعل التضامن والرحمة أو الشفقة، بل يستند إلى «أوامر» مِن الإسلام وهي فروض اجتماعية على كل القوى الفاعلة على الأرض أفراداً وجماعات الخضوع لها بوصفها أمراً إلهياً.
تسجل أميرة ميتماير قول أحد المانحين: «أنا لا أهتم بالفقراء، أنا أعطي لله، لله». ومن هذه النقطة يتم تفكيك أخلاقيات العمل الخيري في مصر وتتم إزاحة القانون والعقد الاجتماعي وحتى الذات الفاعلة والمسؤولة داخل المجتمع وحتى استبعاد مساندة الثورة عن إقتناع لصالح «الله».
تتحول سياسة العطاء في أوقات الثورة إلى أمر يتعلق بالطوباوية الدينية وتكريس لفكر أن الثروة هي لله يوزعها كيفما شاء، والأفراد والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ـــ علمانية كانت أم إسلامية ـــ ما هي إلا يد من أيادي الله، وهذه اليد العُليا الميتافيزيقة تعطي الفقراء أو تمنع الطعام عنهم إن شاءت. عبر هذا الفهم، تشير أميرة إلى أن الأخلاق الإسلامية تسكن بيئة العمل المدني والفعل الفردي في مصر.
وبهذا، يظهر الله باعتباره الحَكم النهائي لكلّ فعل عطائي. في ظلّ هذا المنطق من التفكير، يتم تكريس المنطق النيوليبرالي الوحشي داخل المجتمع المصري بوصفه مشيئة إلهية، وتصير الصدقة التي تعد جزءاً من الدين فعلاً نيوليبرالياً لشراء المغفرة وراحة الضمير عن انعدام العدالة الاجتماعية مِن الله.
لذا كان وجود فكرة «يد الله» في المشهد الثوري أكبر داعم لحركات الإسلام السياسي، لتتصدّر الفضاء العام في مصر ما بعد الثورة، وانتقلت فكرة العطاء الخيري من التضامن مع الثورة إلى الصدقة، ومنها إلى شراء التأييد الانتخابي لوكلاء الرب على الأرض. وقد كنت شاهداً على مئات المحال التي فُتحت في مصر أوقات الاستحقاقات الانتخابية وكلها كانت تابعة لتيار الإسلام السياسي لبيع اللحوم والسلع التموينية بأسعار زهيدة أو توزيعها مجاناً. من هذا المنطلق، تحولت الصدقات للفقراء إلى أصوات انتخابية ضمنها التيار الإسلامي لضرب كل خصومه من التيارات المدنية اليمينية واليسارية. وقد أدى التداخل بين مفهوم العطاء الطوعي والجبرية السماوية، إلى تولّد شعور بالرضى عن النفس بشكل جمعي ولكنه في الوقت عينه أدى إلى إنتاج تسلسل هرمي كرّس الطبقية وأعاق أي فرصة لتحقيق عدالة اجتماعية حقيقية، وقضى على أيّ مجال لحدوث تحولات هادفة تحقق عدالة مستدامة في المجتمع.
وقد ساعد الخلط بين مفهومَي الصدقة والاقتصاد النيوليبرالي في خلق اقتصاد إسلام سياسي («إسلام السوق» بتعبير باتريك هايني) يتقبل ويصوغ عدم المساواة الاجتماعية، ويضعها في أطر هيكلية مستنداً إلى وجود «الله في الصورة» لتبرير انعدام العدالة إلى جانب الإبقاء على إمكانية فعل الخير حسب الرغبة.
وبهذا، نكون أمام المصطلح الشائع في مصر «التجارة مع الله». وقد رصدت أميرة خلال دراستها أن أغلب الفرق الدينية ـــ إخوانية أو سلفية أو صوفية وحتى غير الحكومية المدنية ـــ تعتبر مثلاً أن التفاوت في الأجور أمر من عند الله، على الإنسان أن يقبله وأن يتقبل الصدقات والهبات المقدمة له لأنّها أيضاً من عند الله.

تعتبر الدراسة أن الأخلاق الإسلامية تسكن بيئة العمل المدني والفردي في مصر


المميز في كتاب أميرة ميتماير أنها تناقش وتوثق أمراً يعلمه جيداً من عاش أحداث ثورة يناير 2011 وتدوّنه لأجيال لم تشاهد لتعرف كيف تفكك الأفعال وتقيّم مخاطرها وإن بدت في الوهلة الأولى أفعالاً جيدة كالعطاء والإحسان والصدقات، لكنها قد تعطل مسيرة شعوب وأمم من أجل الحصول على حياة كريمة. كما تفتح دراسة ميتماير النقاش حول مدى جدوى الدراسات الأنثروبولوجية في ما يتعلق بالفعل الأخلاقي والسياسي والديني والثوري للشعوب، بالإضافة إلى سؤال شائك: هل تقضي السياسات المنبثقة عن الإسلام ــ اقتصادية كانت أم سياسية ــ على الذات الفردية المسؤولة؟ وهل تعطّل الوجوبية الإسلامية الضمير الإنساني؟ما سبق تساؤلات مشروعة ومفتوحة للإجابة، بل طرح أسئلة أخرى بشكل لا نهائي لفهم المنطلقات السياسية والاقتصادية لتيارات الإسلام السياسي وإدراك لماذا وكيف ابتلع الإسلام السياسي في الشرق الأوسط كل مجموعات المجتمع المدني والأحزاب يميناً ويساراً، وكيف يتم تجاوز عقبات المقدس الطوباوية من أجل بناء سياسات وقوانين للعدالة الإجتماعية والتكافل تضمن للمواطن حقوقاً لا صدقات..