سبقت مكبّرات الصوت الناس إلى الساحات منذ بداية الانتفاضة. لكن، حتى الآن لا تزال هناك فجوة بين الأغاني التي تبثّها منصّات الصوت في الشارع وبين تلك التي تمّ إنتاجها أخيراً ونُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. أعيدت في الأيام الأولى للانتفاضة أغنيات جوليا بطرس ومارسيل خليفة، وأحمد قعبور وعاصي الحلّاني وجوزيف عطيّة، إلى جانب أغنيات أخرى مثل «ثورة وطن كلّنا للوطن» التي انتشرت في كل المناطق اللبنانية. تحمل الأغنية لحن جنريك المسلسل التركي «قيامة أرطغل» للموسيقي التركي ألباي غولتكين، فيما يؤديها المنشد بلال الأحمد (كلمات منال الأيوبي). ليست هناك قيمة استثنائية للأغنية، لا كلمة ولا لحناً، إذ تقتصر على بعض العبارات العامّة والبديهية المأخوذة من النشيد الوطني، وعلى الدعوة إلى الحرية: «ثورة وطن… كلنا للوطن»، و«الحرية بتنادينا ولبنان بيتحرّر فينا». يبدو أن الموسيقى الحماسية، والإشارة إلى معظم المناطق اللبنانية (البترون، صور، طرابلس، البقاع، عكار، صيدا، النبطية…) في الأغنية جعلتاها تجد طريقها بسهولة إلى مظاهرات هذه المناطق. أما في بيروت، فلا تزال التجهيزات الصوتية في الشارع بعيدة عما يُنشر على الإنترنت لأغنيات أُنتجت خلال الانتفاضة تنتقد الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الراهن، من دون أن تغيب عن نقد خطابات التفرقة والكراهية. إضافة إلى ذلك، هناك أغنيات لم تسجّل، بل تم توثيقها فقط على كاميرات الهواتف، منها تلك التي أدّاها بعض الشبان والشابات لدى قطع طريق القنطاري المؤدي إلى الحمرا مثلاً. إنها أغنيات آنية تمّ تأليفها جماعياً في الشارع من خلال نظم كلمات تحاكي الانتفاضة وأجواء الاحتجاج، على لحن بعض الأغنيات المعروفة مثل «سكّر يا شعبي الطريق» على لحن «شتي يا دنيي» لفيروز، برفقة عزف حي على الأكرديون (سماح أبو المنى) وبعض الآلات الإيقاعيّة. كان الشارع منصّة حيّة للموسيقى، إذ شهد بعض الحفلات لفرقة «الراحل الكبير»، ولجعفر الطفار والراس، فيما شاركت وجوه فنية لتأدية أغنيات معروفة مثل عبد الكريم الشعار الذي غنّى لأم كلثوم ولفنانين آخرين. هنا نعرض مجموعة من الأغنيات التي خرجت وسجّلت في الانتفاضة والتي تُجمع على الاحتفاء باسترداد الشارع. بين الراب، والموسيقى الإلكترونية واستعادة الألحان الفولكلوريّة والرديّات، تتخطى هذه الأغنيات المطالب السياسية المباشرة أحياناً للدعوة إلى ممارسات اجتماعية شعبية تلاشت بسبب انحسار الأمكنة العامّة، فيما تحمل توقيع أبرز وجوه مشهد الراب، وأخرى لفرق التقت على أغنيات محدّدة في الثورة



«شوف» ـــ الراس


دعا «الراس» (مازن السيّد) الناس إلى الشارع مراراً كما في أغنية «أشهد» (2017)، التي كرّر فيها أنه «في شي لإلنا بهالشوارع لازم ناخده، في شي لإلنا بهالمعارك لازم ناخده». كأنما تحقّق كلّ ذلك ليلة 17 تشرين الأول وما تلاها. أصدر مغني الراب اللبناني أغنيته «شوف» بعد أيام قليلة على الانتفاضة، مشيراً إلى أن تراكم معاناة الناس دفعهم أخيراً للنزول إلى الشارع «وحّدونا بالعذاب... صرنا شعب فانتصرنا». بتوصيفها لحالة الجماعيّة، تصبّ الأغنية في فكرة انكسار الخوف. انكسار يترافق مع استعادة الناس لشارعهم. يحسم الراس بأنها «مش رح ترجع تركب... شوف البلد كيف بزقتكن بطّل إلكن مطرح». مازن السيد الذي أغنى مرجعيّات وأساليب الراب العربي على صعيد الكلمات والألحان، ما زال حادّاً في مواجهة السلطة. صار بإمكان أغنيته الجديدة «شوف» الاحتفاء ببعض الانتصارات أخيراً، لكن ذلك لا يخفّف من نبض أغنيته وموسيقاها الإلكترونية، إذ يواصل الاحتجاج على الواقعين الفردي والجماعي، معيداً تصويب الصراع الحقيقي الذي يعلو على كل خطابات الكراهية «حقّي مانه عند اللاجئ حقي البنك المركزي». انتشرت الأغنية بداية على قناته على موقع «ساوند كلاود»، تبعها فيديو على فيسبوك يضمّ مشاهد من حفلته المباشرة التي أحياها في ساحة اللعازاريّة.

«يويو - خبز وملح» ـــ «دار قنبز»


مع الانتفاضة، تعدّدت المطالب. المساحات العامّة، العادات الشعبية التي تبخّرت، الفرح الجماعي، الأكل والرقص والدبكة. كل ذلك قتله النظام القائم، عبر سياساته الاقتصادية والتعديات اليومية على الشواطئ، والساحات والحدائق. من هنا تكتسب هذه التجمّعات المندثرة طابعها السياسي. هذا ما تطالب به أغنية «يويو» التي أطلقتها «دار قنبز» كإعلان عن نشاط «خبز وملح» الذي جمع الناس في كلّ المناطق اللبنانية صباح الأحد الماضي. الدعوة كانت واضحة في الأغنية التي كتبت كلماتها نادين توما على لحن الردية الشعبية «يويو» التي كانت تُغنَّى في السابق للأطفال على المراجيح. وهي دعوة لكي يجتمع الناس على سيران (Picnic) في المساحات الشعبية، على المينا والكورنيش والحدائق من الشمال والجنوب من بينها بيروت، والقبيات وبسري وزغرتا وصيدا. لا تدعو الأغنية إلى الماضي بقدر ما تدعو إلى أنسنة الثورة، وإلى إحياء بعض الممارسات الاجتماعية، من الألعاب والرقصات وأجواء التسلية والمرح التي لا يكاد يتعرّف إليها الجيل الجديد: «جيبوا معاكن، حصيرة ومنقل، فتوش وسمكة يويو… نلعب بالطاولة يويو، كمان لقيطة يويو، نلعب بالحبلة…»، تقول الأغنية على وقع الموسيقى التي تعزفها فرح قدّور (بزق)، وجورج الشيخ (ناي وطبل)، وتتخللها الزغاريد، فيما يستعيد الفيديو صوراً ولقطات من الماضي من نزهات على البحر وفي البراري، ولحلقات دبكة.

«نشيد الثورة» ـــ زياد الأحمديّة ومهدي منصور


بعدما اقتحموا «تلفزيون لبنان» احتجاجاً على امتناعه عن تغطية أحداث الانتفاضة الشعبيّة، شارك الفنانون اللبنانيون في غناء «نشيد الثورة» الذي كتب كلماته الشاعر مهدي منصور، ووزّعه الفنان زياد الأحمدية على لحن السيمفونية التاسعة لبيتهوفن. الأغنية التي تمّ تسجيلها في استديو Red ، أدّاها كورس يضمّ الفنانين والممثلين فادي أبي سمرا، ومحمد شرف، وإيلي حبيب، وزياد الأحمدية، وأندريه أبو زيد، وزاهر قيس، وأنجو ريحان، وطلال الجردي، وعبدو شاهين، ورانيا مروّة، وكارمن لبّس، وبديع أبو شقرا وآخرين. وفيما قدّموها في ساحة الشهداء، أدّوها أيضاً مرّات عدّة في احتجاجات المناطق التي زاروها بعيداً عن بيروت. مقارنة بالأغنيات الاحتجاجية، تحافظ كلمات الأغنية، على دعوة هادئة وحالمة أحياناً «من كل البيوت المنسية من هالعتمة جينا… لاقيني بقلبك يا خيي تالمجد يلاقينا، ثورتنا صارت وحدتنا والله رح يحمينا». كأنها تدعو إلى السلام أكثر منها إلى الثورة. أمّا الإشارة إلى الأزمات ومعاناة الناس، وفساد السلطة فيتم توجيهها إلى «الزعما» من دون الاستطراد في ما تسبّبوا به، بل في الاتهامات العامّة: «يا زعما شكراً وحدتوا كل الناس التعبانين… سرقتوا حرقتوا كيف قدرتوا مين بدو يرحمكن مين».

«هوّارة الثورة» ــ جمال عبد الكريم وعلاء النجار


لا يغيب الطابع الاحتفالي عن أغنية «هوّارة الثورة» (فكرة وإعداد عازف البزق جمال عبد الكريم ) التي انتشرت أخيراً على يوتيوب. مثلما شهدت المظاهرات عودة الرقص الشعبي والدبكة، ثمّة نوع من التصالح مع كلّ مكوّنات الثقافة الشعبية اللبنانية. منذ البداية، تفصل «هوّارة الثورة» بين طرفي الصراع، الشعب والسلطة: «هوّر يا بو الهوّارة ثورتنا ما لا دبّارة... نحن منمشي لقدّام وانت بترجع لورا»، توصّف الأغنية، بسخرية، الاتهامات الجاهزة والسهلة التي طاولت المتظاهرين «عملوا نوبة انهيار من الحشود الشعبية ما لحقوا فهموا شو اللي صار قالوا منها عفوية/ بتموّلها السفارات والأيادي المخفية». تستعيد الكلمات بعض مجريات الأحداث التي حصلت منذ 17 تشرين الأوّل، منها الورقة الإصلاحية التي قدّمتها الحكومة، وأعلنت من خلالها ببعض المغالاة والمبالغة أنها ستكون حلاً لأزمات البلد التي تراكمت على مدى أكثر من ثلاثين سنة: «قالوا في ورقة اصلاح عندا قدرة سحريّة بتشفي أمراض السرطان بتجيب الطاقة والميّي…». كذلك تقدّم نقداً للسياسيات الاقتصادية ووضع الليرة، بالإضافة إلى الترهيب من الفراغ، وعبر البلطجة في الشارع، بصوت المغني الشاب علي النجار، الذي يرافقه كورس يغني ويرقص في الفيديو (تصوير علي الشيخ)، إلى جانب فرقة موسيقية تضمّ أيمن سليمان (عود)، جمال عبد الكريم (بزق)، أحمد الخطيب (رق)، ربيع الكنج (طبلة)، وهامبس هوفسبيان (كيبورد)، وزاهر حمادة (باص إلكتريك).

«بالشارع» ـــ «الدرويش»


الشارع واحد في أغنية «بالشارع» لمغني الراب السوري «الدرويش» (هاني السوّاح). إنه البيت الذي يمتدّ من القاهرة إلى بغداد وحمص والسودان والشام وبيروت. انتفاضة لبنان الأخيرة، أعادت الفنان إلى ثورات العالم العربي، خصوصاً في بلده سوريا: «بلَعتونا بسوريا بس إخواتي بكل البلاد عم يقوموا لتصير كل البلاد أوطان». «أنا بيتي تحت هنيك بالشارع... تحت مجلس العرصات بالشارع … بالشارع بالشارع بالشارع»، يردّدها السوّاح ويعود إليها مراراً في أغنيته، كلازمة، للتأكيد على أحقية الناس بشارعهم. لكن الثورة على الأنظمة تحدث أيضاً عبر ثورات أكثر فرديّة «ثورة على الذات... ثورة على الأنكزايتي (القلق)، ثورة على البارانويا». بين الجوع والطائفية، بين العرصات والناس، بين الموت واسترداد الروح، المعركة محسومة لصالح «ساحة التحرير، لشهدا العراق ولحسين العطار وللي ثبتوا بالساحات... هي للي ماتوا قبِل لنقِلّهن تعبهن ما مات». الإيقاع الهادئ للأغنية رغم الكلمات اللاذعة والبذاءة، يوحي بأن الفنان والشارع على السواء، قد تنفّسا الصعداء أخيراً بعد الانتفاضة. كأنّ جزءاً من الغضب السابق في أغنياته أُفرغ في الانتفاضة مسبقاً. بعدما انتشرت أوّلاً على «ساوند كلاود»، أعاد السوّاح قبل أيام نشرها على يوتيوب، مع فيديو (شادي جابر) يتضمّن مشاهد من مظاهرات لبنان.