أكثر من أربعين يوماً مرّت على الحراك الشعبي، الذي تحوّلت مشهديته مع تبدّل الأحداث السياسية، والأمزجة الشعبية التي تجلّت انقساماتها أكثر في الشارع... لنشهد اليوم على معادلات يتم العمل على تكريسها في شوارع مقابل شوارع، وسط لغة تنحو نحو العصبية والتقوقع، تعود بنا إلى زمن الحرب، وإقفال المناطق ونبذ الآخر. لكن قبل هذا المشهد المأساوي الذي يعيشه البلد، واكبت الحراك الشعبي، مجموعة شعارات وطروحات، كانت مستجدّة على الخطاب الإعلامي وحتى السياسي، كالخروج من عباءة الأحزاب، والدخول في لغة المواطنة، ورفع العلم اللبناني وحده دون غيره في الساحات. هذا ما تكرّس شكلاً طيلة فترة التظاهرات التي رافقها الإعلام اللبناني، وتحديداً القنوات الرئيسية الثلاث (mtv و«الجديد» وlbci) التي ارتدت ثوب «الثورة» ورفعت شعاراتها، من دون أن تفحص ما إذا كانت أجسادها ملائمة لها. القنوات التلفزيونية اللبنانية، التي ولدت من رحم الأحزاب، والمحصصات الطائفية، اضطرت بداية ـــ وامتصاصاً لنقمة الشارع ــــ أن تحيّد لعبتها المكرسة إزاء أي أزمة تعصف بالبلاد. لعبة كانت تتمثّل في فتح الهواء للسياسيين، وإذ بالقنوات تكتم هذه المرة أصوات كبار الساسة وصغارها، وتضعهم على الرف (ليس لوقت طويل)، وتستعيض عن غيابهم بفتح الهواء للمتظاهرين على مدى أكثر من 16 ساعة في اليوم. لكنّ الأمر لم يدم طويلاً وسط التخبط الذي عصف بالمحطات التي اعتاشت بدايةً على نقل استصراحات عشوائية ومداخلات من الناس، بلا فلترة، إلى حين نقلت الحدث إلى الاستديو وفتحت نقاشات أخرى تخصّ الحراك، وقد تفيد المشهد الحالي المتكئ فقط على لغة العاطفة والتجييش. رهان لم تنجح فيه كفاية، بسبب تداخل الأحداث، خاصة الأمنية منها، وضرب البرمجة الخريفية بشكل أساسي. بعد مرور أكثر من شهر على الحراك الشعبي، كيف تسرّب خطاب الأحزاب وشخصياته اليوم إلى داخل الجسم الإعلامي؟ وكيف تمّ العمل أيضاً على تظهير بعض الشخصيات الحزبية التي تندرج ضمن شعار «كلن يعني كلن»، أو أقلّه تنتمي إلى أحزاب متّهمة بالفساد، لكن القنوات فتحت لها الهواء، لتعلن تأييدها لـ«الثورة»، وتسقط بعدها باقي الاعتبارات؟

إذاً، لم تنتظر هذه القنوات وقتاً طويلاً، لتعود إلى جلدها. بعد مرور ثلاثة أيام على بدء التظاهرات، افتتح برنامج «صار الوقت» مع مارسيل غانم (mtv) ما يشبه حفلة تبادل أنخاب، مع استضافة أنطوان زهرا، وفارس سعيد، وسامي الجميل، مستقبلاً مداخلات هاتفية مع سمير جعجع، وسليمان فرنجية ووليد جنبلاط. الأخير حضر أيضاً، هاتفياً على «الجديد» ليردّ على خطاب السيد حسن نصر الله، في خرق لتغطية كانت حريصة على تغييب أصوات الساسة اللبنانيين. أما «صار الوقت»، فيبدو أنه عاد أدراجه في الأسابيع الماضية، وبدأ بإبراز وجوه تسمى «مجتمعاً مدنياً» وحفنة من الاقتصاديين، عدا طبعاً، الهمروجة التي افتعلها البرنامج في 26 تشرين الأول (أكتوبر) عندما حاول تسلق هموم الناس، ووصف ما يقوم به السياسيون بـ «الفجور»، في انقلاب واضح على المديح الذي ساقه لسعد الحريري وحاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة قبل «الثورة». ومن «صار الوقت» إلى مجموعة وجوه أخرى، ما فتئت أن تسرّبت إلى هواء mtv، التي رفعت شعار «لبنان ينتفض»، وعبارة «استقيلوا». وجوه أبرزها آتٍ من فريق 14 آذار، كفارس سعيد الذي وجد فرصة ظهور حالية على الشاشات، وإيلي محفوض، وسيرج داغر من «الكتائب»، وطوني أبي نجم من «القوات»، طبعاً، مع عدم إغفال أسماء سياسية أخرى، ونشر بيانات التعزية في الضحايا التي وقعت إبان الاحتجاجات وإقفال الطرقات وإعطائها مساحة لافتة. هكذا، تعرّت القنوات التلفزيونية شيئاً فشيئاً، وبدأت تستضيف ـــ عبر استخدام خاصية التقنين بالجرعات ـــ الوجوه السياسية المكروهة في الشارع، وإفراد مساحات معتبرة لها، خاصة في فترة المساء. يمكن الإطلالة سريعاً، على «الجديد» الذي ابتكر برنامج «يوميات ثورة» لمواكبة الحراك وباقي الظواهر المحيطة به، مع تخصيص فقرة لاستضافة السياسيين (بالسياسة)، تعاقب على كرسيها العديد من الأسماء من ضمنها: بطرس حرب، بولا يعقوبيان، سامي الجميل، إدغار معلوف، هادي حبيش، ألان عون، وغيرهم. اللافت هنا تأكيد غالبيتهم مناصرتهم للثورة ولمطالب الناس في محاربة الفساد، واستخدام المنابر الإعلامية لتحقيق هذه الغاية. وإلى lbci، أيضاً، التي لم تختلف عن زميلاتها في استضافة الوجوه السياسية في البرامج الحوارية والمسائية، إلا أنّها وقعت في حيرة واضحة بين تخصيص مساحات للنقاش في الوضع الاقتصادي ومحاربة الفساد، وبين برمجة أخرى تخصّ السوشال ميديا أو حتى التلامذة الذي نزلوا إلى التظاهرات الأخيرة. عدا تغييب التغطيات عن مظاهرات «المصرف المركزي» وتطيير باقي التحركات الاحتجاجية أمام المؤسسات الرسمية والمرافق العامة، لا يمكن هنا إغفال استضافة شخصيات توصف إعلامياً بـ«المصرفيين»، هدفها فقط الترويج للمصارف وانتقاد الحملات المقامة ضدّها. نذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، الوزير السابق والمدير العام لبنك «الموارد» مروان خير الدين، الذي تغفل صفته الأولى، ويسمى بـ «المصرفي».

استضافة شخصيات هدفها فقط الترويج للمصارف وانتقاد الحملات المقامة ضدها

خير الدين الذي يتنقل بين الشاشات، لا سيما بين lbci و«الجديد»، غايته فقط تقزيم الأزمة الحاصلة بحق المصارف والدفاع عن هذه المنظومة، وليس حديثه الأخير على «الجديد» إلا دليلاً على ذلك، عندما قال إن المصارف تتعرض لـ«حملة مبرمجة تضرب مصداقيتها» وإنها قامت بالإجراءات الأخيرة «حماية للمودعين»، رافضاً حمل شعار «يسقط حكم المصرف».
ولا يقوم الأمر فقط على إعادة القنوات إنتاج نفسها، والعودة إلى جذورها، بعد محاولة فاشلة لركوب موجة الدولة المدنية، والتخلّي عن الأحزاب، بل يتعدّاه إلى ذهنية واقعة لدى مراسليها. إزاء أيّ حدث ميداني تنقسم حوله الشوارع والأحزاب، نرى هؤلاء المراسلين سرعان ما يعودون إلى عقليتهم الحزبية في مشهدية تكرّس التغطية المجتزأة والمنحازة. إزاء هذا الاستعراض البانورامي السريع، لا يمكن التصديق بعد بأن لغة جديدة دخلت وسائل الإعلام المحلية أو حتى دفعتها لتقديم خطاب مدني متقدم، أو أقله تلك التي واكبت الحراك وأيّدت شعاراته. إذ سرعان ما تبدّت المشهدية، وأعطيت المساحات لأهل الساسة، تبعاً للأجندة السياسية لكلّ منبر. ولم تسلم لا البرامج السياسية ولا حتى مقدّمات النشرات المسائية من تصفية الحسابات والتصويب على الأحزاب التي تختلف معها في عودة واضحة إلى زمن ما قبل «الثورة»!