العراق الذي غادرناه منذ عشرات السنين مضطرين بعدما بانت ملامح دولة الحزب الواحد، أو بفعل هوس المغامرة لاختبار ما قرأناه أو سمعنا به عن عوالم جديدة.. أم عراق الحروب العبثية وعذابات السهر على السواتر الترابية منتظرين من يحاول التسلل لقتلنا، أم عراق الحصار الذي فكّك المجتمع العراقي، ما اضطر الآلاف من خيرة الأخصائيين والمثقفين والفنانين للالتحاق بقوافل المهاجرين بحثاً عن العيش الكريم وبعيداً عن هوس الشعر الشعبي بالقائد وكتّاب المديح والنميمة، أم عراق الاحتلال ومن جاء معه على دبّابة التحرير والديمقراطية، أم العراق الغارق في الفساد والسرقة المنخور بالفكر الطائفي والقتل على الهوية... عراق العزل الطائفي والتهجير والإقصاء الثقافي القسري، عراق الارتهان للخارج سياسياً واعتبار الوطنية وجهة نظر. عراق تمّت تصفية خيرة خبرائه ومتخصّصيه من قِبل جهات مجهولة تساير ما حدث في أميركا اللاتينية، عراق تقصف معسكراته وكأنّ الأمر لا يعنيه... أم عراق الحلم الذي يدغدغ أمانينا بين الحين والآخر؟

عراقنا الذي أحيّيه ألف مرة هو عراق الدولة المدنية، هي ملك للجميع على تنوع أديانهم وطوائفهم وقومياتهم، دولة الرفاه الاجتماعي واحترام حقوق الإنسان، دولة ترفض فتنة معمّمي الجهل بفضائياتهم المجهولة التمويل، وتجعل من شيوع المدارس المبنية من الطين في أنحاء مختلفة من البلاد جزءاً من الماضي وإساءة للأجيال الشابة التي تطمح بتعليم حرّ ومتوفر لكل طبقات المجتمع، دولة تشجع البحث المستقل القادر على طرح أسئلة لا تحدّدها الخطوط الحمر من مؤسسات الجهل باسم الدين أو التقاليد. دولة تحارب فاشية الفكر الانتقامي الذي جاء مع الاحتلال وتجعل من الحوار الديمقراطي قانوناً لكل مؤسسات المجتمع على اختلاف خدماتها.
أكتفي بالقليل لكي لا نجعل من الحلم بعيد المنال.

* تشكيلي عراقي