بعد مجموعة من الأعمال الوثائقية أبرزها «انسَ بغداد» و«أوديسا عراقية»، يذهب المخرج العراقي سمير (جمال الدين) إلى الفيلم الدرامي عبر «بغداد في خيالي»، لكنّه يتصل جوهرياً بسابقيه لجهة الحضور العميق للإرث العراقي الباهظ والوقائع السود التي تظل تلاحق ابن الرافدين وإن وصل آخر العالم على أمل الخلاص من محنته (وطنه)! أحداث الفيلم تدور وقت حكم صدام حسين، ولكن في مقهى في لندن (أبو نؤاس) يلتقي فيه العراقيون الهاربون. صاحبه (زكي) من أصل كردي، في إشارة إلى ما عاناه الكرد من أهوال، خصوصاً في ظلّ نظام صدام. الشخصية الرئيسية في الفيلم هي توفيق، أحد رواد المقهى شيوعي سابق ويعمل كحارس، ويكتب الشعر ويتابع القنوات الفضائية متتبّعاً مسار الأحداث في بلاده. الشخصية الثانية هي صديقة حميمة للبطل اسمها أمل تعمل في المقهى وتزعم أنها هربت من العراق لأنها مسيحية مضطهدة. أما الشخصية الثالثة فهي شاب يمثّل الجيل الأحدث من المهاجرين، وهو شخص محبوب مشكلته أنه مثليّ جنسياً. تتابُع المصائر العراقية الشخصية، بما يرسم صورة لمصير الإنسان عموماً في العراق، بدا جلياً عند سمير جمال الدين في فيلمه التسجيلي «أوديسا عراقية» (2014). وهو أيضاً لسعة الأهوال التي خبرها عددٌ غير قليل من أقاربه المنتشرين حول العالم والمشكلين لشيء من دياسبورا عراقية بامتياز: ستة أعمام، عشرون من أولاد العم، وخمسة أشقاء.

صحيحُ أننا حيال تعقّب أمين ودقيق لمصائر شخصية، إلا أنّه يرسم في حقيقته صورة العراق المعاصر بين بنائه القليل وحطامه الكثير الذي سببته عقود الديكتاتوريات الجمهورية وصولاً إلى الغزو الأميركي عام 2003.
المصور والمخرج والمؤلف سمير جمال الدين ولد في بغداد عام 1955. هاجر مع عائلته إلى سويسرا في عام 1960، ودرس الفنون في «جامعة زيورخ». بدأ كتابة العمل الفني والعمل مصوّراً منذ عام 1980. في تسعينيات القرن الماضي، تولى إدارة شركة سويسرية أنتج من خلالها عدداً من الأفلام مثلما كان له إسهامٌ في مجالي المسرح والفنون التشكيلية.
في عام 1988، اختار الإخراج وقدّم من كتابته وإنتاجه فيلماً درامياً بعنوان «فيلو»، ثم اتّجه، بعد سنوات قليلة، صوب إخراج الأفلام التسجيلية بدءاً بفيلم «بابل 2» وهي عُنيت بموضوعات غير عراقية.
وقبل عمله الأثير «أوديسا عراقية»، كان جمال الدين قد قدّم فيلم «انسَ بغداد: يهود وعرب» الذي يرسم ملامح حية نابضة بالتوق والأسى والانشداد للهوية والجذور التي تميّز أوضاع مئات من اليهود العراقيين المهاجرين، وما زالوا أحياء. مع ذلك، عرّف الفيلم ملايين المشاهدين إلى تفاصيل غير معلنة عن هجرة (تهجير) عراقيين أصلاء عاشوا في بلاد الرافدين منذ آلاف السنين. في فيلمه الجميل حتى مع الحطام الذي تعنيه نهايات أبطاله المتأسية، جرأة على تحطيم صورة اليهودي التقليدية، فهو يقدم أشخاصاً ينبضون بالحياة وقيمها الرفيعة ومنهم أستاذ اللغة العربية البروفيسور شمعون بلاص، والكاتب والروائي الشهير سمير ميخائيل، وسمسار العقارات موشي حوري وغيرهما. يطلعنا الفيلم على مشاهد من حياة يهود العراق في المنفى ويطرح أسئلة حول مضامين الهوية العربية واليهودية ونقاط التماس بينهما ورؤى الشخصيات المتوقدة إليها بلسان عراقي.
وإذا كان «بغداد في خيالي»، قد مضى في سياق درامي، إلّا أن جوهره يتصل بما أنجزه المخرج جمال الدين في عمليه التسجيليين، فهو يدور عن المأزق ذاته: عراقيون في المنافي الغربية لكنهم يظلون أسرى الإرث «الوطني» السياسي والاجتماعي. إذا كان مستحيلاً أن تكون وسط حطام واسع وتشعر بنوع من التأثير الجمالي لما أنت فيه، يبدو ذلك ممكناً مع أعمال سمير جمال الدين الثلاثة: «انسَ بغداد»، «أدويسا عراقية» وأخيراً «بغداد في خيالي». فهي تنتظم في ذلك «الحطام العراقي الجميل»!

* «بغداد في خيالي»: س:18:30 مساء 11 تشرين الأول ـــ عرض ولقاء مع المخرج ـ «دار النمر»