في 21 آب (أغسطس) الماضي، غادرنا الرسام سايد يمين (1949 – 2019) بصمت وسلام داخلي. وفي جنيف، مركز إقامته، انتهت مسيرته في التفتيش عن الحرية. فهو في حياته كان زاهداً، ناسكاً صوفياً متحرراً من كل الدنيويات، لا يعنيه المال، ولا يتعلق بالماديات والرغبات، ولم يعرف قلبه الطمع أو الحسد أو البغض، فهو شفاف لم تأسره الأهواء، ولم تُكبله الحاجات، ولم تستهوه مظاهر الاستهلاك وشكليات وغرائز ترابية. يستمتع بالفن ويرتقي إلى الصفاء.


وكما عرفته منذ نصف قرن، هو ابن ثلاثة عوالم متداخلة، في كل منها يوجد ثنائيات وتناقضات متصارعة متفاعلة، أثرت على حياته، وهي تمتد من:
معاناة العتمة والضوء في بلدته زغرتا إلى صراع الحضارات بين الشرق والغرب، إلى التحدي الذاتي كفنان يواجه قيود السلطات ويحلم بالكسر والتغيير المستمر.
سايد هو ابن البيئة الزغرتاوية التي عاش فيها طفولته وشبابه، حملها معه في ترحاله، وكان يعود إليها باستمرار، يقول: «غلبني الحنين إلى مسقط رأسي، وهذا شعور أي مهاجر يريد أن يصل قبل كل شيء إلى بلدته وأهله، حتى أتواصل فنياً مع أصدقاء كثر أحبهم وأحببت أن أكون بينهم». ويتابع بأسى: «يشعر الإنسان أن عليه الرجوع إلى الوطن والتصالح مع نفسه... مع الأرض والبيت اللذين تركهما... والعودة هي للناس الذين عشت معهم حقبة طويلة من حياتي».
سايد شاهد على أتراح وأفراح زغرتا، عاش في شوارعها القديمة والضيقة والمظلمة أحياناً، كما عايش مدارسها ونواديها ومعارضها. لوحاته هي تعبير عن هذه الجدلية بين الحزن الذاتي والفرح العام. ورداً على هذا التحدي، اختار سايد الالتزام برفض الواقع ومآسيه، فكان له دور تأسيسي في نشر الوعي السياسي خارج المناكفات والاصطفافات العائلية، فأسس مع نخبة من الشباب في عام 1968 «رابطة زغرتا الثقافية» و«اتحاد الرسامين الزغرتاويين»، لأنه أدرك باكراً أن العمل الشبابي الجماعي هو المدخل للتغيير وبناء زغرتا أفضل. أصدر معهم مجلة محلية اسمها «أبعاد»، زيّن فيها بريشته المبدعة غلافها الأول، لتكون منبراً حرّاً للكلمة، كما نشر فيها مقالاته الأولى عن الفولكلور والنقد، لأنه آمن بأن المعرفة والفن هما الطريق الوحيد لتجاوز المآسي والظلم والحرمان. وسرعان ما اكتشف خواء السياسة نتيجة الخيبات وعدم جدواها، فاحترف الرسم، أسلوبه الأحب للتغيير، لذلك عمل على «كسر الشكل الهندسي في اللوحة، لأن الكسر إثبات لوجود الإنسان وإبداع أشكال جديدة تحركنا وتخرجنا من عاداتنا اليومية» كما يقول. بالإضافة إلى ذلك أيضاً، اعتمد التجريد بأشكال مختلفة، خلاصاً وحلاً للتعبير عن الواقع نفسه: «المهم أن نكسر سلطة الشكل وعنفه».
هذه الخلاصة لا تعني بأنه لم يجرب رسم المنظر الطبيعي أو البورتريه، لكن التجريد الذي مارسه في بداياته كان عبارة عن تحريك المشهد الطبيعي والابتعاد عن نقله. يقول: «كنت أنقل ألوان الطبيعة مهتماً فقط بجوهر الأشكال وكيفية إحساسي بها». وهو بذلك يعبّر عن قناعته بكسر السلطة من أيّ نوع كانت، فهو لا يُساير ولا يُهادن القيود والرتابة والثبات. لوحته عارية من الشكل الجامد، هي ساحة حرة مضروبة بشعاع الضوء وخطوط الألوان، فيخرجها عن طورها التقليدي لأنّ هناك أشكالاً ثابتة ومخيفة وأبدية، فهو يُشكك ببقائها ويرتاح عندما يكسرها ليخرج من الهندسة الصارمة ومن القساوة اللونية والخطية. «أما الشكل الهندسي، فهو عامل مساعد في الوصول إلى الصفاء، ويحرضك على فهم معادلات شكلية كبيرة، وتستطيع انطلاقاً من ثباته تحريك كل شيء حتى يتغير ويتولد منه شيء جديد. التجريد هو عودة لأسس اللعبة الفنية، لجهة طرح تساؤلات حول معنى البعد الثالث، ومعنى التلوين نفسه، وأيضاً على وهم الأحجام. كما أنه يطرح مسألة الضوء والظل اللذين يشكلان الأسس الأولى في الفن التشكيلي، ويجعلني أغوص نحو الأسس الجذرية للعملية التشكيلية، إنني أنطلق من الشك بكل الثوابت». ويتابع: «أنا على قناعة تامة بأن الأمور كافة خاضعة للتبدل، والإنسان بخاصة، في تطور دائم على صعيد الرؤى والتفكير».
انطلاقاً من هذه الرؤية، كان سايد يمين تجريبياً يغيّر ويبدل باللوحة، بأشكالها وألوانها وموادها... وفي آخر مراحله، أدخل الصورة التي تغزونا في الإعلام وطبعها في لوحاته، فكان سباقاً ورائداً، خاصة أنّه كان يمل من التكرار والرتابة والجمود، يقول: «قمت بتصفية الصورة، بإزالة كل الزوائد والأشياء التي تشي بالزخرفة والبهرجة والصخب، طبعاً من أجل الوصول إلى لوحة مختصرة وصافية. أعمالي الأخيرة غالبيتها تركز على الصورة المرئية المنشورة في وسائل الاعلام... أعيد صياغة الصورة التي تشكل نوعاً من الاستفزاز البصري لمن يراها، فأحاول بعد أخذها من الإنترنت صياغتها بأسلوبي الخاص الذي لا يشبه الصورة فعلياً».
سافر طويلاً في أوروبا واستقر في جنيف، واكتشف الحلم الغربي المنتظر الذي كانت أفكاره تتلبس أبناء جيله. لكن سايد فهم الغرب على حقيقته في الغرب نفسه. عاش مرحلة تشتت وصراع جعلته يشعر بعدها بصفاء. يقول: «من الصعب أن يعزل الفنان ذاته عن العالم الخارجي. والغرب هو جزء مهم جداً من هذا العالم، أستطيع القول إنه انطلاقاً من الغرب، استطعت فهم هواجسنا ومسائلنا النظرية بشكل مغاير وأكثر عمقاً لما كنت أفكر فيه سابقاً. وذلك انعكس على أعمالي التي أصبحت متحررة من أعباء ذهنية وإيديولوجية ومألوفة».
درس سايد التقنيات والمدارس والتيارات الحديثة، وتعلم كيف نكون أحراراً ونرسم من دون حدود، بحرّية مطلقة ومن دون أي ضغط أو أفكار مسبقة، ففهم أكثر حضاراتنا المتعددة، يقول: «ليس المهم أن نفهم حضاراتنا أكثر مما علينا أن ننتمي إلى هويتنا الحضارية، أن ننتمي بالتالي إلى أنفسنا وبشكل عام إلى شرقنا، فلا نذهب بعيداً ضد الأصالة، الأهم أن تبلور وجودك. ليست الشرقية خطبة أو شعارات، إنها ممارسة يومية وممارسة على مستوى الفن. الأصالة هنا ليست مطلوبة بمعناها التقليدي، علينا أن نتمسك بهويتنا بأسلوب معاصر. دراستي في روما عرفتني على الفن الغربي بشكل موسع وعلى أمر أساسي يتلخص في أننا أيضاً لدينا فنون وحضارة هامة للغاية. هذا الأمر جعلني أنتبه للموروث الثقافي الذي نمتلكه. ففي اللاوعي تتجمع الأفكار لديّ وتترجم في لوحاتي من خلال ربط الحضارة الغربية مع حضارتنا. فقد تطوّر لدي فن الغرافيك وهذا يعود إلى أن حضارتنا بالأصل مليئة بالناحية الخطية».


هكذا كانت لوحاته حديثة لكن فيها رائحة مغايرة للمعاصرة الغربية، فبعض النور الموجود فيها يقرّبها من الأيقونات وتشبه لعبة الأسود والأبيض في الفن الإسلامي.
يعبّر سايد يمين عن التلاقي الحضاري، فهو من الشرق ويعيش في الغرب، والتحولات المعاصرة التي أدركتنا في هذا الزمن، أوصلتنا كما يقول سايد إلى حالة حيث يتميز فيها الفن العالمي بالتعايش بين التيارات المتناقضة، فنشهد وجود أعمال كلاسيكية إلى جانب أعمال مستقبلية، من دون أن يثير ذلك أي مشكلة، خاصة بعدما انخفضت وتيرة التناقضات والمواجهات، بسبب ضعف الصراع الفلسفي والأيديولوجي، وهذا أمر طبيعي إضافة إلى تأثير ثورة التكنولوجيا والاتصالات التي وضعت الجميع أمام تحديات ما يدور في العالم. هذا التداخل والتنوع يخفّفان من صفاء التيارات والتعصب لها، ويخففان بالتالي من حدة الصراع. يقول: «لا مانع من دخول الكمبيوتر على الفن، فالمسألة تكمن في إبداع أشياء جديدة». ويتابع توصيفه لتحولات العالم: «جيل الشباب في أوروبا الآن، هو جيل الـVedette الذي يشتغل بديناميكية وحيوية مميزة. ويبدو أنّه جيل مرتبط بشدة بمشاكل البيئة وبتفاصيل الحياة اليومية المشحونة بالكوابيس وعدم التزامه إيديولوجيا محددة أو أيّ منحى تبشيري. في سباقه مع التقدم التكنولوجي الاستهلاكي، فإن هذا الجيل يضع نفسه سريعاً في المتاحف. لا يمكن أن «نفبرك» حكماً مسبقاً يمنع الرسم والفن على الكمبيوتر. فالتصنيف العقائدي الأصولي (بالمعنى الفني) لم يعد وارداً. والمسألة تكمن في خلق أشياء جديدة أو المراوحة. هنا يكمن التحدي». ويخلص إلى القول: «أراقب باهتمام بالغ ما يحدث في الغرب. وقد وصلت إلى مرحلة جعلتني لا أنظر إلى التفاصيل. صارت لديّ مناخات وأجواء تنسجم مع الإطار الذي اخترته لأعمالي. وثمة أجواء تشكل لي ينابيع أستقي منها، إذ إن كل فنان لا بد من أن يكون عنده آباء وأجداد وأسلاف».
سايد شاهد على جيله. بعدما كانت لوحاته تعبّر عن تحول زغرتا من العتمة إلى الضوء، أضحت تواكب تحول الحضارات من الصراع إلى الحوار والتشارك، إلى أن أدرك تحول الرسام من فنان مبدع إلى إنسان رؤيوي يعيش بصفاء وسلام داخلي، لذلك لامس الصوفية: «كنت أرسم لوحات تجريدية فيها الكثير من التأمل والصوفية».
ويتابع شارحاً: «الصوفية نبع كبير وغزير، ومن الصعوبة ادّعاء دخوله أو معرفته. لكن قد تكفي ملامسة أطراف هذا المناخ لإحداث تحوّل في التفكير والعمل، وعلى صعيد رؤية الأشياء والحياة. أنا أتعاطى مع هذا المناخ بشيء من العفوية، ومن دون تفتيش ذهني مسبق ومدروس. والحقيقة أنني لا أتماهى مع تلك المسألة فقط، إنما مع عدة ينابع أخرى أستقي منها. والفنان مثل الشجرة التي تتغذى من كل الأشياء المحيطة بها في الطبيعة. وهكذا، فلا يمكن تحديد مرجعيات واضحة لعمل الفنان، لأنّ هذه الأمور تتداخل في ما بينها».
التزم سايد بالفن فقط، فكان عالمه وحياته ومنبع اهتمامه واحترافه مكانته. «لم أفكر ولا مرة في حياتي في أن أكون إلا رساماً».
لوحاته فيها رائحة مغايرة للمعاصرة الغربية، فبعض النور الموجود فيها يقربها من الأيقونات


وحدها ريشته هي رأسماله، وهي التي حملته إلى الاحتراف والترقي الاجتماعي، فوصل إلى العالمية من دون أن يكون له موروث تقليدي مادي أو اجتماعي. يقول: «ربما أنا من النوع الذي يحب الصفاء. لست أدري لماذا تأتي أعمالي هكذا. أنا أرتاح لهذه الأشكال، ولا أرسم على إيقاع. إنني أشتغل عملاً مهماً جداً. أشتغل لأخلق مناخاً داخلياً يلائمني. وتصوير الحالات الداخلية ليس مسألة نفسية وحسب، إنما هو شيء أشبه بالبخار والأثير. الرسم هو تلوين والتلوين هو متعة للنفس وللبصر. أنا لا أرسم لوحة من دون رسالة، فعندما يكون الشيء الذي يراد إيصاله أقوى من الفن نفسه، فإنّ ذلك يسيء للعمل». إنه قدوة ومثال عن كيف يشق فنان طريقه من الشوارع المحلية إلى رحاب العالمية، من التواضع الاجتماعي إلى المكانة الفنية والشهرة. عالمه خاص، لكنه غير معزول عن العائلة والأصدقاء والمحيط. عاش بتناغم بين مزاجه الفني الذاتي وتواصله مع عالمه القريب الذي وفّر له أيضاً الاستقلالية، خاصة أنه عاش في عائلته الصغيرة والكبيرة بهناء وفرح.
كان يقول: «المزاج هو أمر أساسي في العمل الفني... فتراكمات السنين تفرض نفسها على اللوحة». لم يتخاصم مع أحد لأنه يحترم حق الاختلاف، لم يترك مجالاً لتضارب المصالح وتصادم الأمزجة مع الآخر القريب أو البعيد، عاش بأمان لأنه أدرك أنه يرسم ويبدع ويُعطي من دون مقابل أو مقايضة، يرسم كنوع من «المتعة الذاتية والحديث الداخلي مع النفس». لذلك، هو مقلّ بالمعارض لأنه لم يكن على علاقة ودّية مع الكم.
«الفنان إذا لم يتخطّ ذاته باستمرار ويحاول بكل الاتجاهات خلق عالم مميز، فهو سيكون مجرد صانع أو تاجر. كان وجودي على طريقته، لا يهتم كثيراً بالغايات والأهداف البعيدة، يعيش يومه بمتعة ورضى، يتفاعل مع الواقع الملموس بكل حواسه، ويحاول أن يستعمل أدواته وأشياءه في لوحاته. هاجسه حياة الناس همومهم وآلامهم». كان يردّد دوماً: «العالم خشبة مسرح ونحن ممثلون، منا من يلعب دور البطل، ومنا من يكتفي بالكومبارس... الحياة لعبة ونحن نتسلى فيها».
صديقي وأخي سايد.... مرّ على رفقتنا نصف قرن من الزمن، ورغم غيابك، لن أقول لك وداعاً، لأن أحلامنا وخيباتنا عشناها معاً وما زالت حاضرة بقوة. أعاهدك مع الأصدقاء والأهل بأننا سنحيي ذكراك باستمرار على طريقتك بصفاء وتواضع وصمت، وسنبقى على مسيرتك بأن الفن والثقافة والمعرفة هما طريقنا إلى الخلاص والهناء والتغيير.

* كاتب وناشر لبناني