في القرن التاسع عشر، تحدث الفيلسوف لودفيغ فيورباخ (1804- 1872) عن تفضيل الإنسان لصورة الأشياء على حقيقتها. كان يقصد الصورة التي يستطيع الإنسان رسمها أو التي يتصورها الأشخاص عن بعضهم البعض بداخلهم، لأن المعرفة الحقيقية بإنسان رحلة طويلة وشاقة، بينما الصورة تتسم بالسهولة والهيمنة السريعة. كانت الصورة هي المخيلة الإنسانية، وبعد اكتشاف الفوتوغرافيا صارت المخيلة مرئية ومحسوسة.

التصوير الفوتوغرافي الآن ليس مجرّد فن، أو مقتصراً على فئة بعينها، كما كان سابقاً. الكلّ يستطيع التقاط صورة، فالفن الذي كان أساسه فهرسة البيروقراطية في العالم، كما تقول المفكرة سوزان سونتاغ، كان مهيأً لخدمة القوانين المهمة للسيطرة، في العائلة والشرطة، وبالتالي للفهرسة، التي لم تكن صالحة ما لم تكن ملحقة بصورة فوتوغرافية. تؤكد صاحبة كتاب «ضد التأويل» أنّ التصوير أصبح واسعاً كممارسة ومتعة، مثل الرقص والجنس، ما يعني أن التصوير الفوتوغرافي مثل أي شكل للفن الجماعي، لم يمارَس من قِبل الناس كفن، فهو في درجته الأولى، طقس اجتماعي، وحصانة ضد القلق، وأداة للقوة.
وبالطبع التصوير، كأداة قوة، لعب دوراً مهمّاً في أوقات الثورات والحروب، لصالح طرف ضد الآخر. مثلاً، كان حضور الفوتوغرافيا جلياً وقت الثورة المصرية 2011، ولم يكن غريباً استهداف المصورين بكل الطرق، لقهر أداة الكشف، أو لاختراق سلاح المتظاهرين، فالكاميرا أيضاً يمكنها أن تغتال أفراداً بتوثيقها جريمتهم، ويمكنها أن تحرّض وتُستخدم مع السلطة أو ضدها.

اهتمّت ديان آربوس (1923 ـــ 1971) بتصوير غريبي المظهر، في مهرجانات المثليين وملاجئ المشردين

في هذا السياق، لعبت الفوتوغرافيا دوراً حيوياً في حرب الولايات المتحدة على فيتنام. بعدما رجع الصحافيان الأميركيان فيليكس غرين ومارك ريبو من الحرب، حملا معهما صوراً التُقطت لأغراض عسكرية كشفت معاناة الفيتناميين ونجحت في تصوير فظاعة الحرب أمام الرأي العام كحرب وحشية استعمارية، ما أثر على مسارها في النهاية. يأتي ذلك عكس الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في كوريا الشمالية، حيث لم توثق صور للعدو كإنسان له حياة دُمرت بسبب الحرب. ولهذا ظل ينظر إليها لا بصفتها وحشية أميركية بل ككفاح عادل للعالم الليبرالي ضد العالم الشمولي متمثّلاً في الاتحاد السوفييتي والصين.
لعلّ من أهم الكتب التي تناولت الفوتوغرافيا «حول الفوتوغراف» لسوزان سونتاغ الذي نُشر عام 1977. وقد صدر حديثاً بترجمة عباس المفرجي (دار المدى ــــ العراق) وكتاب «الغرفة المضيئة» لرولان بارت بترجمة هالة نمر (المركز القومي للترجمة ـــــ القاهرة).
حاولت سونتاغ في كتابها، التأريخ للولايات المتحدة الأميركية من خلال الفوتوغرافيا باعتبارها صورة العالم الحديث، أو بالأحرى خلاصة تجربة العالم في الاجتماع البشري، عكس رولان بارت الذي كانت الصور جزءاً من رحلته الذاتية للداخل، للبحث عن جزء شخصي مفقود منه، ليعوضه، أو ليجيب عن سؤال كبير يخلق منهجاً وفي الوقت نفسه يصير خلاصاً فردياً له، بخاصة أنه بدأ الكتاب بعد موت أمه للبحث عن صورتها بداخله في الفوتوغرافيا.
تركت سونتاغ مسافة بينها وبين الصورة، تعاملت كعالم اجتماع سياسي، نظرت إلى الفوتوغرافيا كبنية أساسية من البنى الفوقية، كعلامة حضارية لفهم الدولة الأميركية الحديثة، وفهم ما تعنيه الفوتوغرافيا للإنسان. لكن بارت اعتبر نفسه جزءاً من الصورة، أخذ ما تأثر به عاطفياً منها، وركز على الهامش. كان منهجه أقرب إلى سردية أدبية فلسفية عن الفوتوغرافيا والإنسان.


كما سونتاغ، يتطرق بارت إلى الصورة الفوتوغرافية ليس باعتبارها «فناً»، بل إنّه تخطى سؤال «هل الفوتوغرافيا فنّ أم لا»، ذاهباً إلى خصائصها، وأهمها السكون أمام الكاميرا لفترة من الزمن. هذا السكون الذي يُعتبر ظاهرة بحدّ ذاته يغيّر الإنسان ويؤثر فيه، ويظهر شيئاً من داخله يستحيل أن يظهر لولاه. انشغل بارت بسؤال تأثير الصورة: لماذا تمارس صور معينة سحراً عاطفياً عليه، بينما صورة أخرى لا تفعل؟ فالصورة بالنسبة إليه عبارة عن شقين: جانب دراسي أعطى فيه لنفسه الفرصة لجمع وتحليل الصور وبعض مشاريع الفوتوغرافيا، وجانب عاطفي يتعلق بالعلاقة التي تنشأ بين المتفرج والصورة والكائن أو الشيء بداخلها. ما شغل بارت في كتابه هو نظرة المشاهد، التلقي للصورة وهامشها الذي قد يصبح مجرّد حركة يد غير مقصودة دلَّت على حياة كانت موجودة. إنها رحلة للبحث عن نوستالجيا أو للبحث عن أمه المفقودة من خلال فهم الصورة، رحلة لرثاء الذات.
في طرح سونتاغ، جاورت بين رؤيتين للمصور الفوتوغرافي الأميركاني والأوروبي، بين مفهومين جماليين للفوتوغرافيا، ونسبتهما للشاعر الأميركي والت ويتمان، والشاعر الفرنسي شارل بودلير. التحول في الفوتوغرافيا من التقاط الصور ذات الصفات المثالية مثل امرأة جميلة، أو منظر طبيعي خلاب، إلى التقاط صور لمواضيع عادية تقبع في منطقة القبيح أو التافه، لإعادة تعريف القبح والجمال يعود الفضل فيه لويتمان وتأثيره على المثقفين الأميركيين، هو الذي قال: «من السطحي أن نميّز بعض الأشياء بكونها جميلة وأخرى غير جميلة»، وبشّر بالوئام في التنافر والتوحّد في الاختلاف والتواصل الروحي مع كل شيء.
نظرت سونتاغ إلى الفوتوغرافيا كعلامة حضارية لفهم الدولة الأميركية الحديثة


هذا المفهوم شكل مسيرة الفوتوغرافيين الأميركيين لزمن طويل. ظلت مشاهد الفقراء والعمّال ومناطق الأطراف منبعاً للإلهام لكلّ من يريد التصوير. لكن في أوروبا، كان التصوير بمنظور بودليري حيث المصور يعيش دور المتسكّع من الطبقة الوسطى الثرية. سلاحه هو الكاميرا طائفاً في جحيم المدينة، يتجسس عليها كمكان للحدود الشهوانية، وكمحب للذة المراقبة، وخبير بالعواطف، فيرى هذا المتسكع العالم مختزلاً في صورة رائعة مليئة بالتناقضات. فالمصورون الأوروبيون لم يكن لديهم إحساس بأنهم أطفال غرباء داخل مجتمعاتهم مثل الأميركان على حد قول سونتاغ، ولم يحاولوا إمساك شيء مجهول. وكما تقول، فإنّ الأميركيين يشعرون أن واقع بلادهم متقلّب باستمرار، وهائل، بحيث سيكون من الوقاحة أو الفحش التقرب منه بطريقة منظمة، علمية. لكن لا بدّ من بلوغ هذا الواقع بطريق غير مباشر، بالحيلة، وتفكيكه إلى أجزاء غريبة. لعل هذا الإحساس الذي تصفه سونتاغ، مشابه لما يشعر به الفرد الفنان في القاهرة. وقد تحتاج هذه المقاربة لدراسة أعمق، لكن التشابه في عشوائية العلاقات والتنوع والليبرالية الاقتصادية قد يكون عاملاً هاماً في تكوين مثل هذا الوعي، قد يكون أيضاً سبباً لذلك السعي المضني لمراوغة الواقع، وتلبية الحاجات غير المتاحة، وتخطي البيروقراطية التي تنبع من قدم الدولة المصرية واستقرار العلاقات والنفوذ ومراكز القوى، أو الهيراريكية الصلبة في أميركا الحديثة، والتي كان لا بدّ منها للحفاظ عليها واستمرارها.
في مرحلة مهمة للتغير في المجتمع الأميركي وفي التجربة الفوتوغرافية، تطرقت سونتاغ لتجربة المصورة ديان آربوس (1923 ــــ 1971)، التي اهتمت بتصوير غريبي المظهر، في مهرجانات المثليين وملاجئ المشردين، مثل لاعب سيوف أمهق، أو مخنث مع كلبه أو العراة في بنسلفانيا. كانت أربوس تحاول القول بأنّ هناك عالماً آخر غير عالم ويتمان المتجانس في تناقضه، عالم الضد إنسانية كما تطلق عليه سونتاغ. أربوس كانت تؤمن في طريقتها بتشجيع الأفراد المُصوَّرين ليعبروا عن أنفسهم بحرية، من دون الوقوف أو الجلوس بنموذجية، لأن الكشف عن الذات يتحدّد لديها بما هو غريب ومنحرف وعجيب.

كانت الصورة بالنسبة إلى رولان بارت جزءاً من رحلته الذاتية إلى الداخل، بحثاً عن صورة أمّه بعد وفاتها


عكس مصوّري ويتمان، سعت أربوس إلى التعبير عن ألمها الخاص من خلال السعي خلف ألم نيويورك كما صرحت، وليس إلى اكتشاف القبح والجمال في العالم والتوفيق بينهما. وكما توضح سونتاغ، فإنّ صور أربوس هي نموذجية لنوع من الفن الشائع بين الناس المدينين المعقدين؟ فن يميل إلى القسوة، حيث تتيح صورها الفرصة لإثبات أن رعب الحياة يمكن أن يواجه من دون وسواس.
قبل كتاب «الغرفة المضيئة»، تطرّق بارت في كتابه الآخر «الميثولوجيات» (1957)، لتأثير الفوتوغرافيا على العملية السياسية، إذ كتب فصلاً بعنوان «الفوتوغراف والمناشدة الانتخابية» موضحاً مقدرة الصورة الفوتوغرافية على تغيير وجهة نظر الناخبين في الدعاية الانتخابية المطبوعة على نشرة للمرشح البرلماني إذا ما نشرت معها صورته الفوتوغرافية الشخصية.
مع ذلك، لم ينحَز بارت لمفهوم سياسي مباشر للصورة، بقدر التأكيد على قوة الفن في تشكيل الفردية الإنسانية وتجذرها، لكن سونتاغ كانت واضحة في كتابة تاريخ موازٍ للصورة وتطور المجتمع والدولة الأميركيين، بما في ذلك تأثير الخلفية الاجتماعية وانتماء المصور الطبقي والعرقي لتعاطيه مع الفوتوغرافيا، في النهاية كل شيء قد يصبح سياسياً.