المتمرّدة الرائدة السبّاقة المغامِرة الشغوفة الجريئة الحُرّة.. الفنانة اللبنانية العالميّة هوغيت الخوري كالان (1931 ـــ 2019)، كسرت آخر قيود المادة، وطارت إلى حريتها المطلقة متحررة من الجسد لتلتحق بلانهائية الكون!

88 عاماً حافلة بالحب والحرية والشغف والتمرّد.. فائضة بالإنجازات النوعيّة والتميّز والتألُّق في أربع جهات الأرض. 88 عاماً ملأتها كما لم يملأها أحد. رسمت، لوّنت، نحتت، نسجت، وشكّلت فنّاً بكل ما لمسته يداها، وأحبّت.. أحبّت بكل ما فيها! أحبّت بكل ما يمكن لطاقة القلب الإنساني أن يحب!


قد يشكّل الفنانون محترفاً في وطنهم، وينتجون فنّاً هامّاً يطبع زمنهم، لكن قلة هم الفنّانون الذين تشكّل أعمالهم مدماكاً أساسيّاً في تاريخ الفن في بلدانهم وتنتشر في كل بقاع الأرض ويزهو بها الكوكب الأزرق الصغير، وتبقى. تلك أعمال هوغيت التي ستبقى جزءاً بنيوياً من تاريخ الفن التشكيلي في لبنان والعالم. فمن حطت أعمالها في أهم متاحف الدنيا وكل بيوت المزادات العالميّة من «كريستيز» و«سوثبيز» وغيرهما، وخاضت أوسع مروحة من التجريب الفنّي واختبار المواد، والتعبير الحرّ، والجرأة، ستبقى معلّمة ملهمة لجيل كامل من الشغوفين المتمرّدين مثلها من الجيل اللاحق. دخلت كالان حقل الفنون التشكيلية مع الفنان الإيطالي فرناندو مانيتي المقيم في لبنان حينها، وكانت لما تزل في السادسة عشرة. ثم تخصصت في «الجامعة الأميركية في بيروت» وهي في الـ 33 من عمرها، وتخرّجت بتفوّق. وقد كرّمتها الجامعة العام الفائت من بين مجموعة من الشخصيات الفذّة. قالت كالان عبر أعمالها ما لم يجرؤ أحد على قوله لا بالكلام ولا باللون في مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، عرضت لمفاهيمها الأنثويّة المتمرّدة الحرّة، ورسمت العريّ بإيروتيكية مؤسلبة. ولم تتوان عن نسج أفكارها رسماً ولوناً... والأهم فعلاً أنّها صاغت من الخيوط والخطوط أبدع رسماتها، ولوّنت بدفء ومثابرة.

«الأزرق الكبير» (مواد مختلفة على كانفاس ــــ 64.5 × 161 سنتم ــ 2012)

حملت اسم زوجها بول كالان حتى الوداع الأخير. هي التي حملت سابقاً اسم والدها رئيس الجمهورية الأوّل للبنان، بشارة خليل الخوري. لكن مهلاً، ما الطاقة التي حملتها هوغيت ــ الفتاة الوحيدة للعائلة الرئاسية ــ حتى تتمكّن من أن ترتقي وتتخطى اسم والدها؟ محلّقة أعلى بكثير من حدود السياسات التي صنعت وطناً، تركت هوغيت إمضاءً يفوق إمضاء صنّاع الأوطان!
أوّل معارضها الفردية كان عام 1970 في «دار الفن و الآداب»، مع جانين ربيز، واستمرّت العلاقة مع القاعة التي حملت لاحقاً اسم جانين بعد وفاتها. وكان معرضها الأخير في القاعة عينها العام الفائت. تنقّلت بين عواصم ومراكز العالم، خاصة بين باريس ولوس أنجلس ونيويورك والبندقية ثم كاليفورنيا. وأمضت ما يقارب 17 عاماً في باريس، حيث تألّقت، وقطفت النجاحات من كل اتجاه، وصمّمت عباءات شرقيّة فريدة ذات هويّة واضحة، وتعاونت مع المصمم العالمي بيار كاردان. وفي عام 1980 عرضت في متحف الفن المعاصر في بغداد. وبين طوكيو وباريس وجنيف وهنغاريا وواشنطن والكويت وغيرها، تنقلت أعمالها كانتشار الحبر في الماء.
وقد حطّت أعمالها في المتاحف العالميّة مثل المتحف البريطاني، و«مركز بومبيدو» والمكتبة الوطنية في باريس، و«المؤسسة الوطنية للفن المعاصر» في باريس، و«متحف سان دييغو للفن»، و«متحف هامر»، و«متحف لوس انجليس كاونتي»، ومتحف الشارقة وغيرها! أمّا آخر المحطات العالمية فكانت المعرض الفردي الذي خصصه لها متحف «تايت» البريطاني في أيار _مايو) الماضي. عرضت أعمالها الفنيّة الإيروتيكية، بين التصويرية والتجريد، لعقد من الزمن بين 1970 و1980، حيث ظهرت الأعمال الأكثر وضوحاً في طرح جرأتها الإيروتيكيّة التي تحدّت كل عرف سائد في تلك الحقبة بالذات من تاريخ بلادنا. وقد يجوز معها القول بأنها تتحدى السائد حتى اللحظة الراهنة.
عرضت مفاهيمها الأنثويّة المتمرّدة الحرّة، ورسمت العري بإيروتيكية مؤسلبة


أعمال كالان بلونيتها المتنوّعة الحيوية الصاخبة والدافئة في آن. المتمرّدة في زمن الخضوع، الرائدة في زمن السائد، الخلّاقة في زمن التكرار. مراحل التشكيل التي مرّت بها أعمال كالان وسع مروحة الألوان، لكن أبرزها غير المرحلة الإيروتيكية والنسيج والعباءات والنحت والتيراكوتا، هي تلك الرسوم بالخطوط واللوحات شبه التجريدية التي تكتنف نفساً حرفيّاً يرتقي بالحرفيّة إلى مصفى الخلق الفنّي، فيغذّي العين والروح. هنا النقاط تصبح مركزاً لمتعة العين، واللوحة رواية أو رحلة في عالم باليت لونية واسعة. كأننا أمام سجادة كبيرة مشغولة بصبر ومتعة، أو أمام أقمشة تتشابك لتولّف لنا عالماً آخر، عالم أكثر متعة وفرح، بإنشاء بصريّ متماسك من أقصاه إلى أقصاه! فالريشة هنا صقلتها نار الوقت، وقوة الريح، بخاصة أنها حلّقت عالياً فوق الممكن في زمانها.
«كنت أظن أنني قوية كفاية لأواجه العالم عبر أعمالي» تعبير قد يختصر كل ما فعلته هوغيت كالان، قالتها لحفيدتها التي صنعت فيلماً صغيراً عنها لمعرضها الأخير في متحف «تايت». ما تقوله الجدّات للحفيدات لا شك في أنّه الأصدق والأعمق وهو الخلاصة وزبدة التجربة. تلك هوغيت التي آمنت بشغفها، «ظننت أن لي أجنحة لأطير!» قالت لِلور بوي مارتان، ابنة ابنتها بريجيت. وها هي تطير إلى حيث تنتمي روحها الحرّة. لم ترحل هوغيت، بقيت حريّتها إلى الأبد.



ثلاث مراحل
إذا أردنا تقسيم مراحل هوغيت كالان التشكيلية كرونولوجياً وارتباطاً بالأماكن التي أقامت فيها، يمكننا الإضاءة على ثلاث مراحل، أشير إليها في المعرض الاستعادي الضخم الذي أقيم في «مركز بيروت للمعارض» عام 2013. وقد نسّقته ابنتها بريجيت كالان ونادين بكداش، ابنة جانين ربيز مؤسسة «دار الفن والآداب» التي احتضنت أول معارض كالان. يمكننا أولاً رؤية «مرحلة لبنان» (سمّوها «الكسليك» حينها، نسبة لبلدة الكسليك اللبنانية) قبل 1970 وصولاً إلى أول معرض فرديّ لها، حيث كان الموضوع الأساس هو الجسد والمتعة والشهوة. أما المرحلة الثانية فتمتد إلى العقد التالي حتى أواخر الثمانينات، وهي مرحلة باريس. وهنا كان تجلياً واضحاً لاتجاهها نحو التجريد شيئاً فشيئاً، وكان ذلك بتأثير من علاقاتها وصداقاتها بمجموعة من شعراء وأدباء تلك الحقبة، إلى جانب لقائها الأكثر تأثيراً بالنحّات جورج أبوستو، فأنتجت أعمالاً نوعيّة من المنحوتات. كذلك، كان التصميم قد شغفها، فجاء تعاونها مع دار أزياء بيار كاردان ذا أهمية كبيرة. فقد تبادل الاثنان خبرات أثمرت عن مجموعة مدهشة من العباءات الفريدة ذات الطابع الشرقي. المرحلة الثالثة في التقسيم الاستعادي، هي مرحلة كاليفورنيا، حيث عاشت أيضاً لأكثر من عقد وأقامت محترفها التشكيلي. عندها كانت قد أصبحت فنانة مكرّسة في المتاحف العالمية. قد تعيد أعمال كالان التجريدية الترميزية إلى الرائي صوراً من ذاكرته البصرية الحافظة لأعمال الفنان بول كلي، بخاصة ترميزه وخيارات تأليفاته، ومفهومه للون والرمز مجتمعين على مساحة مسطحة، هذا مؤكّد. إلا أن الأثر الأعمق الذي تتركه في النفوس هو إمكانية نقل الرائي إلى عوالم غرائبية، مرحة، بهجة! إلا أن ما تبعثه من طاقة تحرّرية في مجموعاتها الإيروتيكية شكّل باعتقادنا موقفاً إنسانياً وسياسيّاً واضحاً ضد النمطية القمعية السائدة ومفهوم مُلكية الجسد، جسد المرأة على وجه الخصوص.