يندُر أن تجِدَ تجربة شبيهة بتلك التي خاضها عادل مالك في الإعلام «بكلِّ وجوهه» من الصحافة المكتوبة إلى التلفزيون مروراً بالإذاعة، وصولاً إلى إنتاج البرامج الوثائقية وكتابة التحليل السياسي. أمام ناظرَيْه، مرَّت وجوهٌ كثيرة وعايش معها أحداثاً مهمَّة كان له فيها «بَصْمَتُه» الإعلاميّة الخاصة، مُشكّلاً مع مجموعة أخرى «الجيل المؤسِّس» للتلفزيون في لبنان. الرجُل المولود عام 1941 تفرّغ في السنوات الأخيرة للتأليف ووقّع منذ فترة كتابه «وجوه وأحداث، سِجِلٌّ مفتوح على الزمن الجميل» (مركز فينيكس للدراسات اللبنانية ــــ جامعة الروح القدس). في الكتاب مواد مصدرُها في معظمها من البرنامجَين الشهيرين «سِجِلٌّ مفتوح»، و«وجوه وأحداث»، وتغطّي فترة زمنية تمتدُّ قرابة أربعة عقود قابل خلالها مالك مئات الشخصيات السياسية والثقافية والفنية. رجل واحد كان ولا يزال يتمنّى أن يحظى بإجراء حوار معه هو السيد حسن نصر الله «هذه الشخصية الاستثنائية والمثيرة للاهتمام»!

بين الصُورة الأولى، حين أطلَّ للمرة الأولى على شاشة «تلفزيون لبنان» (والمشرق) في عام 1961 وبين الصورة الثانية التي تعود للزَّمن الراهن، ثمَّة مسار طويل من الأحداث التي غيَّرت ملامح وجوه ودول كثيرة. وبيْنَ الصورتين (على الغلاف)، حافَظ الرجُل لسنوات طويلة على «الطُمُوح والرَّغبة في التجدُّد»، مُوسِّعاً دائرة اهتماماته نحو «المواضيع التي تؤرِّخ لمراحل معيَّنة». في كتاب «وجوه وأحداث، سِجلٌّ مفتوح على الزّمن الجميل»، جَمَع مالك مراحل عديدة ومختلفة، ليقدِّم للقارئ والباحث والصحافي كتاباً مرجعيَّاً شاهِداً عن قُرب على مجموعة من الأحداث المفصليّة التي كانت لها تداعيات كبرى على لبنان والمنطقة العربيّة.
في حديثه إلى «الأخبار»، يؤكّد مالك أنَّ اختيار المواضيع للكتاب لم يكن مسألة سهلة مع وجود عدد كبير من المقابلات في أرشيفه الخاص، مشيراً إلى أنّها «ليست مُجرَّد عمليّة نقل ببَّغائي للمقابلات بل هناك إضافات ومعلومات تُقال للمرَّة الأولى ولم أُعلن عنها في حينه، إذ كنتُ مؤتَمَناً عليها والآن أصبحتُ في حلٍّ من الارتباط». يُشير إلى أنَّه ركَّز في اختياره للنصوص على «صُنَّاع القرار» والشخصيات المؤثرة وكذلك أهميَّة الأماكن ورمزيتها، لافتاً إلى أنّه على عكس معظم مؤلَّفاته السابقة التي كانت موجّهة إلى القارئ العربي بشكل أساسي، فإنَّ كتاب «وجوه وأحداث، سجلٌّ مفتوح على الزمن الجميل» موجَّهٌ بالدرجة الأولى إلى القارئ اللبناني. لذا تعمَّد مالك أن يشير في مقدّمة الكتاب، كما في «الكلام الأخير» حول تجربة «الرئيس القوي» إلى المرحلة اللبنانية الراهنة، مقدّماً للقارئ أيضاً «مادّة جديدة متأكّدٌ من صلاحيتها لأنّني عايشتها». لكن مِن أين «يدخُلُ» القارئ في كتاب عادل مالك الغنيّ بالأسماء والأحداث والأماكن؟ الخياراتُ كثيرة وعديدة: مِن مقابلة الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون بعد فضيحة «وُتِرغيت» الشهيرة، وكانت الأولى حينها لرئيس أميركي مع صحافي عربي، ومقابلة «مستشار الحياد النمساوي» برونو كرايسكي إلى اللورد كارادون «صانع القرار 242 الشهير»، وكذلك اللقاء مع مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغينيو بريجنسكي «الهام جداً نظراً لدور الرجل في صناعة السياسة الخارجية الأميركية حيث استمعنا إلى إجابات لم نكن نتوقّعها، وهو استمع إلى أسئلة لم يكن في باله أن يستمع اليها». في الكتاب، ينشر مالك حديثاً كان أجراه مع الرئيس السوري حافظ الأسد «المُقِلّ في أحاديثه الإعلامية»، وأخرى مع الرئيس المصري أنور السادات، المقابلة التي عزَّزت مخاوف مالك من سيناريو طويل قادم للحرب الأهلية اللبنانية. يرى مالك أنّ لقاءاته بالملك الأردني حسين لها أهمية كبيرة بالنسبة إليه. لا يُنكِر «صداقاته» مع كثير من السياسيين لكنّه كان يعرف دائماً كيف يفصل بين الجانب الشخصي والجانب المهني، على ما يقول. «هذا قرار مبدئي بالنسبة لي. القرار أن لا أكون مرتَهَناً لأحد ومنفتِحاً على كلّ الاتّجاهات في الوقت ذاته». لـ«الزعيم» كمال جنبلاط «حصّة الأسد» من بين «شخصيات» الكتاب، «لأنه شخصية استثنائيّة ولأنّ كل مقابلة من المقابلات الثلاث المنشورة مخصَّصة لجانب معيّن في شخصيّةٍ لن تجد شبيهاً لها». في كتاب «وجوه وأحداث، سجل مفتوح على الزمن الجميل»، مقابلات هامة مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي «كان صادقاً في مواقفه لكنه كان يشعر بنوع من الندم تجاه مَن أساء إليهم عن غير قصد في الحروب التي خاضها في لبنان» على ما يقول مالك، وكذلك مع السيد موسى الصدر الذي قابله غير مرَّة، لافتاً إلى أهمية تصريحه «القُنبُلة» عن «ما يسمُّونه لا غالب ولا مغلوب» في أحد لقاءاته المنشورة في الكتاب، ومقابلات مع الثائر السوري سلطان باشا الأطرش، «في أوّل وآخر مقابلة إعلامية له»، والصحافي المصري محمد حسنين هيكل وصولاً إلى الرئيسَيْن اللبنانيَّيْن كميل شمعون وشارل الحلو ومسؤولين سياسيين كبيار الجميل وصائب سلام وغيرهما. ومن بين المقابلات التي تعدُّ وثيقة تاريخية، المقابلة «الدَسِمَة» مع الملك السعودي (كان حينها رئيس الحكومة ووزير الخارجية) فيصل بن عبد العزيز خلال حرب اليمن (1964). في السياق، يقول مالك لـ«الأخبار» إن «ما اعتبره فيصل تورُّطاً مصرياً آنذاك يحصل الآن في الحرب القائمة في اليمن ولكن بشكل معكوس. ما يحصل الآن هو استنزاف، واليمن برأيي بات مقسّماً فعلياً. هل يسمع أحد بصنعاء؟». في الكتاب أيضاً مجموعة من العناوين الهامة عن «فلسطين من الضياع إلى انتفاضة الحجارة»، و«على خط بارليف المدمّر بعد حرب تشرين 73» إلى الحوار الشهير الذي جمع ريمون إدّه وبهيج تقي الدين، وكان أول مناظرة تلفزيونية بين الحكومة والمعارضة في لبنان... وكما في السياسة كذلك في العلوم والفنون والآداب عن «عالم الطيران: من المنطاد إلى الكونكورد»، و«طفل الأنبوب»، إلى رحلَتَيْ الأندلس وجبل طارق، و«مصالحة فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ»، إلى «محاكمة شعرية: نزار قباني أنتَ متّهم»، و«شارل أزنافور وباقة من المواهب في يده» ومواضيع أخرى. كتاب مالك تضمّن مستندات ووثائق من «الجعبة الخاصة» حول اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية ومصافحة عرفات-رابين ورسائل اينشتاين وشارل مالك وقصّة صغيرة بعنوان «عندما حملتُ الكلاشنكوف في جرود بعلبك لأوّل وآخر مرّة» وغيرها.

55 سنة إعلام «في الأُصول والفُروع»
يُسهِبُ عادل مالك في الحديث عن أحوال مهنة الصحافة والإعلام ما بين زمَنَيْن: زمنٌ أوّل «ما عاد يرجع» وزمن راهن يعيش «حالة فوضى كبيرة». لا يتقبّل فكرة الاستسلام لرأيٍ يقول إنّ زمن الصحافة في لبنان انتهى. برأيه فإنّ جزءاً من أزمة الصحافة يتعلّق بمدى تكيّف الإعلام التقليدي مع الطفرة التكنولوجية المتسارعة فضلاً عن الفوضى العارمة في المواقع الإلكترونية التي يديرها أشخاص غير محترفين وهي «لا تشبه الصحافة بشيء». على خطّ مواز، يرى أنَّ الفوضى الحاصلة في «مواقع التواصل الاجتماعي» نتيجة طبيعية لكونها في متناول الجميع، وبالتالي «هذا عالم بات يستحيل ضبطُه، الأمر الذي يشكل تحدياً إضافياً لمهنة الإعلام». لطالما أحبَّ عادل مالك عبارة «الزّمن الجميل»، في إشارة إلى المرحلة الإعلامية التي عايَشها وكان واحداً من «فريق أرسى قواعد مهنة الصحافة في مطلع ستينيّات القرن الماضي». «الشّغف بالمهنة» هو ما دفعه دائماً ليقدّم «كل أنواع التضحيات بلا حساب» على ما يقول: «أنا اخترت المهنة وهي اختارتني». بعدما أمضى أكثر من 55 عاماً «في مختلف الأصول والفروع» في عالم الإعلام، يبدي ارتياحه لكلِّ ما أنجزه من دون أن يعلن «تقاعده» بعد. في مقدّمة كتابه، يقول إنّ الصحافة بالنسبة له «نَمَطُ حياة»، و«لن أستقيل منها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً». يوضِح لـ«الأخبار»: «دائماً ما تشعرُ أنَّ هناك أموراً يمكن القيام بها بعد. كنتُ وما زلتُ أشعر أنّني في سباق مع نفسي، وهذا هو معنى أن تكون المهنة نمط حياة». يقول إنّ أوّل مَن التقى به من «أهل المهنة» كان الصحافي الراحل كامل مروّة مطلع الستينيّات. «قلتُ له حينها إن ثمّة شيئاً ناقصاً في الصحافة اللبنانية. هناك فريق كبير يتمُّ تجاهله وهُم طلاب الجامعات، فلماذا لا نكتب عنهم؟». يقول مالك إنّ مروّة أُعجِب بالفكرة و«هكذا بدأت العلاقة مع صحيفة «الحياة» أولاً». لاحقاً انتقل إلى صحيفة «الجريدة» التي كان يرأسها الصحافي البارز جورج نقّاش وكانت تضمّ أسماء مهمّة كرشدي معلوف. تجربة «الجريدة» شكّلت نقلة نوعيّة بالنسبة له، ليلتحق بعدها بصحيفة «النهار» في عام 1963 بعدما «طلبني المرحوم غسان تويني من جورج النقاش» على ما يروي مالك. في سيرته المهنية، «زاوَجَ» عادل مالك لفترة بين عمله في الصحافة المكتوبة وبين الإذاعة، فقدّم برنامج «كل شيء عن لبنان» في الإذاعة اللبنانية. لكنّ تجربته الأهم والأغنى التي منحته شهرة كبيرة هي تجربة «تلفزيون لبنان والمشرق» مُقدّماً للأخبار وبرنامج «سِجِلّ مفتوح» الذي كان بمثابة «أوّل مجلّة مرئيّة بالأسود والأبيض في لبنان». بقي مالك في لبنان حتى آذار (مارس) 1976، إلى حين ما يراها «ليلة إعلان التقسيم الفعلي في تلفزيون لبنان» (ما يُعرَف بانقلاب عزيز الأحدب) ليلتحق إثر ذلك بعائلته التي كان قد «سَفَّرَها على عَجَل» إلى لندن. «تركتُ لبنان عندما لم يعُد التلفزيون اللبناني كما كان وكما أعرفه، وموقعي في الوطن المقسَّم لم يعد موجوداً». في «مرحلة لندن»، فكّر مالك بالتميُّز فكان التركيز على الجانب التوثيقي في عمله.

لا يُنكِر «صداقاته» مع كثير من السياسيين لكنّه عرف دائماً كيف يفصل بين الجانب الشخصي والجانب المهني

ومِن العاصمة البريطانية (ولاحقاً القاهرة) أطلق على فترات طويلة، البرنامج الوثائقي المعروف «وجوه وأحداث» الذي يعتبره تجربة هامة «شكّلت بداية يقظة مهنية بالتركيز على الجانب الوثائقي وبداية خط جديد في الإعلام العربي». يؤكد أن «التوثيق» في العالم العربي لم يكن يحظى بأي اهتمام قبل 20 سنة، مشيراً إلى أنه «حقّق إنجازاً كبيراً في هذا الموضوع». عندما قرَّر العودة نهائياً إلى لبنان في عام 2008، تفرَّغ للكتابة والتأليف من دون أن ينقطع عن الظهور الإعلامي عبر حلقات خاصة في عدد من وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة. يُرجِع العودة النهائية إلى لبنان (يسكن الآن في الهلالية شرق صيدا) لسبب واضح: «الحنين إلى الوطن أولاً، ولأنني رفضتُ أن يُؤتَى بي من لندن مُحمَّلاً على خشبة في نعش، لا لأنَّ ظروف العيش في لبنان باتت أفضل». يقرأ مالك كثيراً. يركّز على القراءات ذات الطابع التوثيقي والتاريخي. مكتبته الخاصة المليئة بأرشيفه الشخصي المرئي والمسموع والمكتوب، فضلاً عن الصُوَر والوثائق والأوسِمَة المعلّقة على جدران مكتبه (حاز وسام الاستحقاق اللبناني من رتبة فارس، وكرَّمته الجامعة الأنطونية في عام 2018) تكاد تتحوّل إلى ما يُشبه «متحفاً» لتخليد ذاكرة غنيّة تحفظ «الزّمن الجميل» إيَّاه. أرشيف مالك سيكون مستقبلاً «في عهدة مركز «فينيكس» التابع لجامعة الروح القدس على ما يكشف لـ«الأخبار»، وكتابه الأخير هو السادس بعد «أيّام لبنانية وعربية»، و«حرب السنتين وبعد»، و«1958 القصة الأسرار الوثائق»، و«زعماء قابلتهم» و«فلسطين من الضياع إلى الربيع العربي».



الملك حسين وحكاية «الطلقة الأولى»


لا يزال عادل مالك يحتفظ بكثير من الخبايا في «مستودع أسراره» الكبير. لكنّه في مقابلته مع «الأخبار» كشف للمرة الأولى عن معلومة لافتة تعود لحقبة الحرب العراقية الإيرانية. يروي: «في بداية تلك الحرب (1980) أرسل الرئيس العراقي السابق صدام حسين موفداً سريّاً من قبله إلى الملك الأردني حسين الذي كان أعلن عن موقف مؤيّد لحرب صدام مع إيران. لم تكن الحرب قد بدأت بعد عندما طلب الرسول من الملك الأردني الذهاب إلى الجبهة العراقيّة في ساعة معيّنة وهذا ما حصل». ما الذي حصل؟ يقول مالك: «الملك الأردني كان أوَّل مَن ضغط على الزناد في الحرب العراقية الإيرانية، نعم الملك حسين هو مَن أطلق أوّل طلقة مدفعية في تلك الحرب وأنا مسؤول عن كلامي». في أحد لقاءات مالك مع الملك حسين، سأله ما إذا كان يعتبر تأييده لصدّام حسين تورّطاً في تلك الحرب، فقال ملك الأردن: «إذا نجح صدام في حربه سأكون شريكاً مباشراً في الانتصار، وإذا حدث العكس فلن أكون الخاسر الوحيد في رهاني بل مجموعة دول عربية ستتأثّر»!