يوغل نبيل سليمان (1945) في روايته الجديدة «تاريخ العيون المطفأة» (دار مسكيلياني- تونس) في رسم خرائط متوهمة لجغرافيا متخيّلة تحيل إلى ثلاثة أمكنة هي «بر شمس»، و«كمبا»، و«قمّورين». لكن هذه التقنيّة/ التقية، في محو الأصل، لن تدوم طويلاً في إبعاد الشبهة عن بلاد تعيش حرباً وحشيّة، تتقاذفها أنواء الطوائف، والاستبداد، والعنف، كما أننا لن نلتفت بجديّة، إلى الأصول الموريتانية التي ينتسب إليها «حميد ماء العينين» بعدما حطّ الرحال في «بر شمس» قادماً من فلسطين، ليؤسّس سلالة من العميان! يتكئ صاحب «مدارات الشرق» إلى ثيمة أساسية هي «العمى» لتتناسل من حارة إلى بلاد بأكملها، مستدعياً أحوال العمى بطبقاته الفيزيولوجية والروحية. وإذا بنا حيال عميان في البصر والبصيرة، فيما تعمل الحواس الأخرى بشراسة. هناك ما يشبه البهيمية التي تفتك في الأرواح والأجساد، تنهش الأجساد والعقول. تتكشّف شخصية «مولود بن حميد ماء العينين» عن حيرة قصوى في تقرير مصيره الفردي، واختيار دروب الألفة والطمأنينة، وتالياً سعيه للنجاة من مركب يوشك على الغرق لكثرة ثقوبه. عاشق مخذول ومحاصر ومغامر. يغرق في حب «أماني» أولاً، قبل أن تباعد بينهما الدروب والمضائق، ثم ستجذبه «مليكة» إلى ملكوتها، ثم ستحضر آسيا، ثم شيماء. يهرب من مكانٍ إلى آخر، خشية الحريق أو السيل، ليجد نفسه داخل متاهة من العلاقات المتشابكة التي تضعه على حافة التهلكة، خصوصاً بعد اكتشافه أن شقيقه عبد المهيمن المقيم في اليونان، والمطلوب أمنياً، تاجر سلاح لمصلحة كتائب إسلامية متشدّدة، فيعقد صفقة مشبوهة مع أحد ضبّاط الأمن بتقاسم تركة شقيقه المصادرة. هكذا تتبخّر ضبابية الأمكنة وغشاوة الوقائع تدريجاً، وإذا بنا أمام شخصيات نكاد أن نعرفها بالاسم لجهة تورطها في تصدير الوهم، أو لجهة اختفائها الغامض، أو لجهة احتضارها الأخلاقي، ربطاً مع المصائر التي انتهت إليها، بإشارات لن نخطئها بقليل من الفطنة والانتباه والتلصص.

ينسج نبيل سليمان سجادته السردية بإيقاع متواتر، يجتذب سواقي متدفقة إلى نهر الحكي، بما يفيد الحكاية ويثريها حيناً، وبما يثقلها بما لا تحتاج له طوراً، مرمّماً أطرافها بالمعلومات والتواريخ واللعنات، في سجل يحفل بكيفية بناء طبقات الاستبداد، بالانقضاض على النخب وتلطيخ تاريخها الشخصي بالعار، أو المنع، أو الموت البطيء، مستحضراً، وسط هذه العتمة، عمياناً من طرازٍ آخر كملاذ من الخذلان العمومي، من المعرّي إلى طه حسين، كما سيعرّج على سرديات العمى، كما تبدّت لدى خوسيه ساراماغو وآخرين، وإن افترقت عنها. فعميان نبيل سليمان ينطفئون في آخر المطاف، واحداً وراء الآخر، مغلقاً القوس على 48 حالة عماء، ما يوازي حقبة تمتد من مطلع سبعينيات القرن المنصرم وحتى اليوم، وكأنه يستنجد بمتون ساراماغو نفسه، في روايته «العمى» التي سننتخب بعض ما جاء فيها كسكة حراثة موازية، مثل «ما أصعب أن يكون المرء مبصراً في مجتمع أعمى»، و«لا أعتقد أننا أُصبنا بالعمى، بل نحن عميان من البداية». كما سيعنون الفصل الأخير باسم «قلب الظلام» بما يحيل إلى رواية جوزيف كونراد بالاسم نفسه، فيما يزخرف الفضاء الخارجي بآليات السرد في «ألف ليلة وليلة» بقصد التعمية ومخاتلة راهنية الحكي.
هذه المرّة يؤرشف نبيل سليمان - بمفردات معجم سوري صميم - تاريخ العماء وأسبابه ونتائجه من دون مواربة، على خلفية مشهد عمومي شديد التشابك والإغواء، لا يسلم من طوفانه أحد، في تجوال سوسيولوجي يسعى خلاله إلى فحص تضاريس الخراب والنخر والنهب واللهط والشفط في جغرافيا معطوبة أورثتنا وباء العمى، فلا بصر من دون بصيرة. هذه المراوغة الحكائية في استدعاء الشخصيات والأمكنة والفضائح والشهوة، تضعنا في مهب إجابات مضادة، في تلمّس حقائق مسكوت عنها، متواطئاً مع قارئ فطن في إعادة بناء الحكاية بملاطٍ واقعيٍ خشن تبعاً لخشونة ممارسات آلة القمع. هكذا يوسّع فتحة فرجار الزلزال لتشمل خريطة البلاد بأكملها، بعدما اكتفت روايته السابقة «ليل العالم» (2016) بفضاء مدينة الرقة تحت راية تنظيم الدولة الإسلامية قبل أفوله، هو الذي خبر أحوال هذه المدينة عن كثب في زمنها البهي. لا تكتفي الرواية بصناعة التخييل، إنما تتكئ على أكثر من رافعة معرفية، بما يخص تاريخ العمى والروائح والأطعمة والألوان والموسيقى، جنباً إلى جنب مع مكابدات الجسد في عشقه أو اعتقاله أو اغتصابه أو تعذيبه. يقول نبيل سليمان إنه لجأ إلى عشرات المراجع التي تتعلّق بالعماء قبل أن ينكبّ على كتابة روايته هذه، ويوضّح سبب انشغاله بهذه الثيمة بقوله: «لأننا مبتلون بعماء عظيم، بأيدينا أولاً وأخيراً». ويضيف «ومن جميل هذا الاشتغال بـالعماء ما وقعت عليه في كتاب «الرسام تحت المجلى» لأفونسو كروش، ومنه أن الظلمة تعمينا، كذلك الضوء، ومنه هذا السؤال المشرع على أي قراءة وعلى أي جواب: «من يبدع تاريخاً لهذه العيون المطفأة؟ ومن المهم لهذا الكتاب ما يحفل به من رسوم للعين، تفجر الكتابة التي تسبق أو تلي الرسم، فإذا للعين أصابع بدل الأهداب، وإذا للموت عيون، والليل ليس ليلاً إلا لأننا نغمض عيوننا، وليس لأن الأرض تدور». سيذهب النص إلى منحى آخر، بتناوب فصول العمى: حقوقيون وجنرالات، ومحققون أمنيون، وعشّاق، ومخبرون، ومطلوبون، وحكواتيون، وصيارفة، وإذا بالمدن الثلاث تضيق بساكنيها تحت ضغط مطاردات ضارية تحوّل العيش إلى جحيم، والأحلام إلى كوابيس «البصر هو العلّة وليس العمى» يقول.
صفحة بيضاء أخيرة بخمسة سطور فارغة، على الأرجح، أرادها الراوي/ الروائي، خاتمة مفتوحة على لا نهائية العمى، طالما أن مطحنة الخراب تعمل بكامل طاقتها، أو لعلها عتبة ضوء في آخر النفق، وفي مجازٍ آخر «عماء بصير، وبصر معمّى»وفقاً لقراءة الناقد السيميائي سعيد بنكراد للرواية.