كنّا عرضنا في السابق على صفحات «الأخبار» كتاباً يتحدث عن معاناة كثير من نساء الدولة النامية بسبب الدورة الشهرية، أو لنقل بسبب عدم توافر وسائل صحية لتعامل الفتيات والنساء مع هذه الظاهرة الطبيعية التي وجب النظر إليها على هذا النحو وليس على أيّ نحو آخر. وها نحن نعرض اليوم «ارتباك في معبد سَبْرِيْمالا: الحيض في مختلف الثقافات: منظور تاريخي» لنيثين سريدار (2019 ـــ Vitasta Publishing) عن المادة نفسها، لكنه يتناولها من منظور مقارنة كيفية النظر إلى الدورة الشهرية في مختلف الحضارات والأديان. كاتب هذا المؤلف الشامل صحافي هندي، هالته الأحداث المرتبطة بأخبار منع دخول النساء إلى معبد سبريمالا في ولاية كيرالا عندما يكنّ في حالة الحيض، والتعميم الذي انتشر بعد ذلك بأن الهندوسية تعادي النساء وتنظر إلى تلك الحالة الفيزيولوجية على أنها دنس.



لكن الكاتب لم يقصر بحثه الموسّع على بحث كيفية تعامل النصوص الهندوسية والبوذية مع النساء أثناء الدورة الشهرية، بل وسّعه للحديث في الموضوع ضمن الأديان والحضارات الأخرى كما سنوضح لاحقاً، ما يمنح هذا المؤلف أهمية تستحق عرضه في هذا المنبر. لكنّنا سنركّز في عرضنا على تناوله موقف الهندوسية من الموضوع. بدأ الكاتب مؤلَّفه بمقتطف جميل من موقع نسوي هندي ربما يعبّر ببلاغة عن معنى الحيض يقول التالي: «تذكر فقط،/ الرجل ينزف للموت. للعذاب وللبؤس./ هل تعرف لماذا تنزف المرأة؟ إنها تنزف للفرح/ للسعادة./ ولخلق حياة جديدة».
يبدأ المؤلف بالقول إنّ الحيض من أكثر العمليات الطبيعية في هذا العالم التي لا يزال يحوطها كثير من الألغاز و«العيوب». إن التردّد في الحديث عنها ومناقشتها صراحة اليوم هو الذي سهّل نمو العديد من المفاهيم الخاطئة حولها. وقد علّقت كاتبة هندية مقيمة في سويسرا على المؤلف بقولها: «إنه محاولة ممتازة ومناسبة أتت في الوقت المناسب لتعديل سجل الحيض في التقاليد الهندية ومقارنته بأفكار من ثقافات مختلفة في الماضي والحاضر لوضعها ضمن منظور محدد. فالرأي السائد يرى أن موضوع الحيض في الهند، وخاصة الهندوسية، هو من المحظورات والقيود التي تؤدّي جميعها إلى نتائج غير صحية.

ختم أسطواني يُظهر عشتار ومتعبد أسفل مظلة

لكن هذا المؤلف يكسر هذه الأسطورة ويقدّم تفاصيل عن معنى وفهم كتب الهندوسية للحيض وكيف يتناسب مع فلسفة ومخطط الحياة البشرية في الحياة». إنها واحدة من أكثر المفارقات إحباطاً في الهند المعاصرة أنّ الهندوس لا يعرفون جذورهم أو تقاليدهم. وقد أدّى الغزو الإسلامي وفرض الاستعمار والمركزية الأوروبية في القرون القليلة الماضية إلى جهل قطاعات واسعة من الناس بأنفسهم. إضافة إلى ذلك، هناك اليوم ثقافة حضرية معزولة في الهند تنجرف في بحر من الفوضى. وباسم الحداثة، تمّ قطع كافة الجذور مع الماضي وإهمال نقل أفضل الممارسات من الأم إلى الابنة والجدة إلى الحفيدة. وبالتالي، حُصر هذا الخطاب بفئات غريبة ومصطلحات مستوردة لا تتلاءم مع الواقع ولا مع ممارسات الحيض التي اتبعت منذ قرون. ما تبقى يعادل الإبعاد. استُبدلت المحرمات بالعناية، والشوفينية بالاهتمام بالصحة الإنجابية، وثمة محاولات فرض فئات ثابتة على عدد كبير من العادات المختلفة.
انطلاقاً من هنا، يكتسب هذا المؤلّف أهميته، وخصوصاً للقارئ العربي، لأنه يشرح اختراق مفاهيم غير صحيّة لتجارب تاريخية ثبتت صحتها. وتضيف الكاتبة الهندية إنّ دافع التعمق في موقف الهندوسية لا يتعلق بالانتقال إلى الماضي، لكنه يتعلّق أولاً بقراءة الحاضر على ضوء الجذور اعتماداً على أفضل الممارسات الهندية. وقد وجدت العديد من الأفكار الإبراهيمية عن النجاسة طريقها إلى السرد السائد في الهند وربطت بطريقة الحياة الهندوسية الحديثة. يتعامل المؤلف مع هذه المسائل على نحو شامل من خلال استعراض التقاليد المتعلّقة بالحيض في الهندوسية والبوذية والمسيحية والإسلام وغيرها من الحضارات والتقاليد.
نعود إلى الكاتب الذي يقول إن مركزية فكرة الهندوسية عن الحيض هي كونه عاملاً للنقاء وأبعد ما يكون عن كونه «عقاباً» للخطيئة الأصلية التي تظهر في المسيحية، أو ذا ارتباطات قوية مع الشوائب في تقاليد إسلامية. لقد كان الحيض محوراً للاحتفال والعبادة على مدى قرون، مع أن جيل اليوم غالباً ما يكون غير مدرك للتقاليد المختلفة التي قبضت عليها الأفكار الغربية الغامضة. يشرح الكاتب دافع بحثه في هذا الموضوع بالقول إنّ المسألة بدأت عند منع دخول المرأة أواخر عام 2015 معبد سبريمالا الذي يعد مركزاً دينياً وروحياً ومكان حج مهمّاً للهندوس. وفقاً للتقاليد المُتّبعة في المعبد لا يسمح بدخول النساء اللواتي في مرحلة بين الحيض وانقطاع الطمث. لقد انطلقت صرخات وسائل إعلام وناشطين عن أنّ هذه الممارسة معادية للمرأة وتحرّض على كراهية النساء. لم تتوقف المسألة على التحريض على معبد واحد، إذ انتشرت لتتحول إلى دراما هندية وضعت ثقافاتها وتقاليدها موضع تساؤل.

الإله شيفا يحتضن قرينته

هذا أدى إلى طمس حقيقة وجود خطأ في ذلك السرد الذي بُني على سوء الفهم والتضليل والتشويش. إذ ادّعى أنه كان هناك حظر شامل على دخول النساء جميعاً إلى المعبد، ما قمع حقيقة أنّ الفتيات الصغيرات والمسنات يزرن المعبد بانتظام. إن الادعاء بأن ذلك الحظر عمل تمييزي ضد المرأة لا يأخذ في الاعتبار حقيقة أنه في ولاية كيرالا نفسها، ثمّة معابد مخصصة للنساء فقط، أمام غياب معابد مخصصة للرجال. وهناك في الولاية نفسها معابد أخرى يُسمح فيها أيضاً للنساء من كافة الأعمار بدخولها، ما يجعل تهمة التمييز ضحلة للغاية ومن دون أساس. مذاك، شوّشت صرخات الإعلام والناشطين حقيقة أنّ مسألة دخول شخص ما إلى معبد مرتبط على نحو وثيق بغرض المعبد وبطبيعة الإله أو الإلهة فيه. بدلاً من ذلك، تم تصوير القضية على أنها قضية تتعلق بحقوق المرأة ووُظفت لتصوير الهندوسية على أنها بطبيعتها كارهة للنساء. لذا، يعيد الكاتب تذكير القارئ بأن الحيض عملية بيولوجية طبيعية تمرّ بها المرأة خلال فترة كبيرة من حياتها. كما أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأنوثة بسبب علاقته بالخصوبة والأمومة، ويشير إلى كيفية اختلاف النساء كأفراد عن الرجال على مستويات عديدة. انطلاقاً من ذلك، مارس الحيض دوراً مهماً في كيفية إدراك مختلف المجتمعات والثقافات في جميع أنحاء العالم للمرأة والعلاقات بينها وبين الرجل والمرأة ودورها في المجتمع ككل. في معرض نقده للآراء السائدة حول كيفية التعامل مع مسألة الحيض، يلفت سريدار الانتباه إلى ورقة أكاديمية تظهر أن نظافة المرأة في فترة الحيض ما زالت مستمرة وهي من بين قضايا التنمية الأكثر تحدياً اليوم. والأمر لا يقتصر على المحرمات عميقة الجذور والأساطير والمعلومات الخاطئة التي تخلق الوهم بأن الحيض هو بطبيعته مخجل. كما يضيف التقرير إنه في دول مثل الهند فإن النساء والفتيات يفتقرن في كثير من الأحيان إلى إمكانية الوصول إلى مواد صحية وأساسية مثل الفوط الصحية اللازمة لإدارة النظافة الشهرية الجيدة.

إلهة الصيد الإغريقية أرتميس

اقتبس الكاتب من بعض تقارير وسائل الإعلام دراسة أجريت عام 2010، مفادها أن 12% من النساء يستخدمن المناديل الصحية بينما تستخدم الأخريات بدائل صادمة مثل قطعة قماش غير مُسَمَّمة ورماد ورمل القشور. أشارت تقارير إعلامية أيضاً إلى تسرّب الفتيات من المدرسة أو تفويتهن دروساً أثناء الحيض بسبب انعدام قدرتهن على الوصول إلى الفوط الصحية والمراحيض، إضافة إلى المحرّمات الثقافية عن الحيض. لا يهمل الكاتب دور الإعلانات التلفزيونية التي يتم بثها ليلاً نهاراً على قنوات مختلفة، في تصوير الحيض على أنه عائق أمام حرية المرأة والمشاركة في المدارس والرياضة وما إلى ذلك، مقدّمةً المناديل الصحية على أنها الحل الأفضل لكل ذلك. كذلك، ساهمت بعض أفلام بوليوود بنشر دعاية خاطئة عن الحيض وكيفية التعامل معه حيث صوّرت عدم الحصول على الفوط الصحية على أنه أساس مشاكل الدورة الشهرية كافة، طارحة الفوط الصحية كحل نهائي لمشاكلها. وقد عزّزت بعض الأفلام الوثائقية ومقاطع الفيديو التعليمية حول الهندوسية تلك النظرات الخاطئة التي تصور أن لها تقاليد ومعتقدات ثقافية وممارسات أبوية وقمعيّة متعلقة بالحيض. وهناك فيلم وثائقي يصور مشهدَ محاكمة زوجين من التاميل حيث يتم اتّهام الزوج باضطهاد زوجته خلال فتراتها الشهرية لأنه أجبرها على البقاء في عزلة عنه وأطفالهما. لكن الفيلم الوثائقي لا يستكشف معنى مصطلحات مثل النجاسة ولا المعرفة المحتملة أو العقلانية أو الثقافية المرتبطة بممارسات مثل العزل. إنه يركز بالكامل على تأطير هذه المعرفة الثقافية وهذه الممارسات كخرافات قمعية، لكن هنا تكمن أهمية إضافية لمؤلف كهذه في سعيه إلى شرح المصطلحات وكيفية توظيفها.
وينتقد الكاتب التضليل في إعلانات الفوط الصحية المصنعة وسردها المعاصر الذي يفضي إلى أن استخدام المناديل الصحيّة المتاحة تجارياً هو معيار حصري تقريباً لتحديد حالة صحة الطمث والنظافة في الهند. هنا يشير إلى فعالية وصحّة المواد الماصة الأخرى مثل الأقمشة القطنية، عند غسلها وتجفيفها بالشمس بشكل صحيح. ولأنها قابلة لإعادة الاستخدام فإنها صديقة للبيئة كذلك. علماً أن فتيات المناطق الريفية ونساءها يفضّلن استخدام الأقمشة التي هن أكثر دراية بها. يستعين الكاتب بدراسات متخصصة في مجال صحة المرأة تتفق على أنه من الخطأ الشائع افتراض أن استخدام الفوط الصحية في حد ذاته قادر على حل هذه القضايا. هذا الظن الخاطئ ينتقل إلى الفتيات اللاتي يقتنعن بتمتّع الفوط بمزايا فائقة، فيما تغيب عن بالهن حقيقة محدودية قدراتها على الامتصاص، ويهملن ضرورة تغييرها كما ينبغي. بالتالي، فإن الضرر الناجم عن عدم استخدام المناديل الصحية على نحو صحيح لا يختلف اختلافاً كبيراً عن الاستخدام غير السليم للقماش، بحسب الكاتب. لذا يركز الكاتب وأهل الاختصاص على ضرورة تجنّب تضليل الفتيات والنساء الشابات من خلال الترويج لأن النظافة العامة تعني استخدام المناديل الصحية. الأمر الأكثر أهمية، يكمن في التركيز على كيفية الحفاظ على النظافة، بغضّ النظر عما يستخدمنه، وأن تُترك لهن حرية اختيار ما يردن استخدامه واحترام قرارهن أياً كان.

كماخيا إلهة الرغبة في الهيمالايا

يلفت الكاتب إلى تقرير للباحثة والناشطة الهندية سينو جوزف التي تقول إن الرواية المعاصرة قد سخرت وقللت من شأن مسألة اضطرابات الدورة الشهرية الخطيرة عبر ربطها بالفوط الصحية والنظافة. إذ أنها لم تعثر على رابط بين اضطرابات الدورة الشهرية والنظافة أو المنتج المستخدم، مؤكدة غياب أي علاقة بين المنتج والنظافة باضطرابات الدورة الشهرية الأكثر شيوعاً مثل عسر الطمث (آلام الدورة الشهرية)، أو انقطاعه (نزيف حاد)، أو ما يسمّى دورات الحيض 35 يوماً (Oligomenorhea). وتضيف أن الاضطرابات الأكثر خطورة مثل التهاب بطانة الرحم أو متلازمة تكيّس المبيض تكون معزولة بدرجة أكبر عن الجوانب الصحية. حتى إن بعض الكتابات التي تربط بين غياب نظافة الحيض وسرطان عنق الرحم لم تقّدم أيّ دليل على ادعاء كهذا.
يتوقّف الكاتب عند مسألة أخرى، وهي تغيّب الطالبات عن المدارس بسبب عدم وجود المراحيض والوسادات الصحية في الدول النامية مثل الهند. لكن إذا كان الغياب ناجماً حقاً عن قلة المراحيض أو الفوط الصحية فما سبب انتشار الغياب في الدول المتقدمة أيضاً والتي من المفترض أنها تحوي المراحيض والمنتجات الصحية؟ إذ ثمّة دراسات وأرقام تشير إلى أن 17% من المراهقات في كندا، و21% في واشنطن العاصمة و24% في سنغافورة و26% في أستراليا و38% في تكساس يتغيبن عن المدرسة بسبب الحيض. تلاحظ سينو جوزف أن أسباب التغيب عن المدرسة لا علاقة لها بالمنصات الصحية أو المراحيض، بل يتعلق الأمر في معظم الحالات بعسر الطمث (الألم أثناء الحيض). وثمة عدد من الدراسات التي أجريت في أمكنة مختلفة مثل أفريقيا ونيبال تظهر أن الحيض يمارس دوراً ضئيلاً للغاية في التغيب عن المدرسة، وهنا يضيف الكاتب أنه ليس ثمة سبب لافتراض أن الأمر مختلف عنه في الهند. يفرد الكتاب مساحة كبيرة للحديث عن الجانب التجاري لهذه المسألة برمتها. من بينها آراء سينو جوزف. لحظ سينو أن معظم الحركات تبدأ بالحاجة التي تكون إما حقيقية أو مصنعة. وبرأيها، فإن حالة المساحة الناشئة حديثاً لإدارة النظافة الشهرية، هي حالة مصطنعة خصوصاً مع دخول شركات تصنيع المنتجات الصحية إلى السوق غير المستغلة في الهند خصوصاً في مناطقها الريفيّة. في محاولة لخلق سوق للمنتجات الصحية، اختارت شركات البنية التحتية في الهند طريقاً لرفض الممارسات الثقافية التقليدية حول الحيض كمحرمات رجعية، مؤكّدة أن المناديل الصحية هي التعبير التدريجي عن المرأة العصرية.
تتركز فكرة الهندوسية عن الحيض في كونه عاملاً للنقاء وأبعد ما يكون عن كونه «عقاباً» للخطيئة الأصلية خصوصاً أنه كان محوراً للاحتفال والعبادة على مدى قرون


بعد هذا العرض المهمّ الذي يعكس أحوال بلادنا أيضاً، ينتقل الكاتب إلى دراسة النظرة الهندوسية. البداية من العلاقة بين القمر والطمث. لقد أدركت الثقافات في أنحاء العالم وجود علاقة حميمة بين دورات الحيض ودورات القمر. في الواقع فإن مصطلح الحيض أو الحيض في اللغة الإنجليزية مشتق من الكلمة اللاتينية (menis) التي تعني الشهر، ومن الكلمة اليونانية (mene) التي تعني القمر. أشار الكاتب إلى دراسات الأكاديمي أرنولد ليبر (Arnold L. Lieber)، وتحديداً مؤلفه The Lunar Effect, Biological Tides and Human Emotions الذي صدر عام 1978، الذي يُظهر أن كل جانب من جوانب الحياة البشرية يتأثر بالقمر بما في ذلك دورة الحيض عند النساء. أما أحد الأسماء المستخدمة للحيض في نصوص تعاليم الأيورفيدا (Ayurveda) فمشتق من جذر بالسنسكريتية بمعنى الموسم، كما إن الطقوس تعني الفصول أيضاً، ما يدلّ على أن إيقاع الحياة يأتي من رقص الفصول المتتابع. وفي تعاليم الأيورفيدا، هناك ربط بين الدورة الشهرية والدورة القمرية، أي مراحل القمر والعبور المستمر من مرحلة إلى أخرى، حيث تعرف العودة مرة أخرى باسم الدورة القمرية. إنه تمثيل رمزي للنمو، ودورة النضج والموت التي يجب أن تمر بها كل الأشياء والكائنات، ولمبدأ الحياة سواء تم تطبيقه على كائن حي أو فيسيولوجيا إنجابية للمرأة أو فعل أو عاطفة. كل مرحلة من مراحل دورة القمر لها شخصيتها الخاصة، تعادلها داخل جسم الإنسان مرحلة من الدورة الشهرية الفيزيائية. إن ربط الحيض بالقمر يدلنا على أصله الكوني (كما هي الفصول جميعها) الصبح والتراجع في تزامن مع مراحل الدورة القمرية. تشير الأيورفيدا إلى أنه في الدورة المثالية ستتم مزامنة جسم الأنثى (الحيض) مع دورات القمر باقتراب اكتماله (وقت الامتلاء) أو باقتراب القمر الجديد (وقت التجديد)، وهي دورة طولها ثمانية وعشرون يوماً. وعند إعادة بناء جوهر التكاثر ستصل الخصوبة إلى ذروتها في وقت اكتمال القمر، حيث يعد هذا الوقت مثالياً للتلقيح تماماً مثلما يمثل القمر العقل المستيقظ.
على النقيض من آثار الحيض الأول الذي يبدأ يوم اكتمال القمر ويوم القمر الجديد، يقول الإله شيفا: إذا بلغت الفتاة مرحلة نضوجها مع اكتمال القمر فستتألق كقمر في عائلتها وأيضاً في مجتمعها، وستكون جميلة جداً في المظهر وتملك نعمة تشبه الإلهة، وستكون متدينة وحكيمة، وسيبتسم لها الحظ دوماً وستجلب الحظ لزوجها ولأطفالها من الإناث والذكور الذين سيكونون جميلين وأصحاء، وستكون لهم حظوظ سعيدة وسيعيشون طويلاً. كذلك الأم ستعيش طويلاً لكنها ستبدو شابة حتى في سن الشيخوخة. طوبى للرجل الذي حظي بفتاة حُضِرت لأول مرة في يوم اكتمال القمر.
بعدها ينتقل الكاتب إلى وجهات نظر الهندوسية في الحيض، والذي خصص له نصف المؤلف. ويذكر فيه التقشف والتطهر الذاتي والراحة التي تعني أن النساء الحيضات يجب ألا ينغمسن في مجهود بدني سواء في المنزل أو أنشطة مثل الجري. وفي أحد المهرجانات الدينية في الهند في ولاية آسام يتم إغلاق المعبد لمدة ثلاثة أيام لراحة الآلهة التي يظن أنها حائض خلال ذلك الوقت. كما يوجد ظن بأن الأرض الأم بدأت بالدورة الشهرية وتعطى راحة لمدة ثلاثة أيام حيث لا يحرث المزارعون الأرض. أما ولاية بيهار الهندية فتمنح المعلمين الحكوميين إجازة شهرية للراحة. أي أن قيود الحيض استخدمت وسيلة لتوفير الراحة للنساء من المهام المنزلية التي تتطلب كثيراً من الجهد الجسدي، خصوصاً اللواتي يعانين الألم والضغط والانزعاج أثناء الحيض.

قللت الرواية المعاصرة من شأن مسألة اضطرابات الدورة الشهرية الخطيرة عبر ربطها بالهم التسويقي للفوط الصحية والنظافة


كما يعالج المؤلف بإسهاب ممتع مواضيع إضافية مثل الآلهة ومهرجانات الاحتفال بالحيض وتقليد التانترا والحيض المقدس، فضلاً عن الحيض واليوغا، والحيض والأيورفيدا (أي نظام الصحة والطب)، وكذلك الحيض في البوذية في الهند والصين والتبت واليابان وجنوب شرقي آسيا.
ينتقل الكاتب بعدها إلى معالجة مسألة الحيض في اليهودية والمسيحية والإسلام. بالنسبة إلى اليهودية، يقول الكاتب إن المحرمات المتعلقة بالحيض عبر التاريخ اليهودي-المسيحي كانت السبب الرئيس لاستبعاد النساء من مناصب السلطة لأنه في المخطط اليهودي-المسيحي في العالم ربطت النساء بالسقوط من النعمة إذ أن عملية الحيض نفسها هي حالة من الخطيئة. كما يعالج المؤلف مجموعة من التصورات ذات الصلة ومنها الطهارة والدناسة في التصوف اليهودي والسكينة والطمث والقمر. أما المسيحية بمختلف تفرعاتها، فيشير الكاتب إلى أنها نظرت عبر التاريخ إلى الحيض على أنه أمر خطير، وأن هذا الرأي استمر حتى نهايات القرن التاسع عشر عندما كتبت المجلة الطبية البريطانية أن الحيض يسبب تعفين لحم الخنزير المقدد. لم ينجُ الحيض من ربطه بمسألة مطاردة الساحرات حيث وصل عدد النساء اللواتي قُتلن بتلك التهمة إلى تسعة ملايين امرأة وفق بعض الإحصائيات. ولا يتوقّف الكاتب هنا، إذ يستفيض في شرح كيفية تعامل القرآن والإسلام مع الحيض. أخيراً، يرجع نيثين سريدار إلى بحث الموضوع ضمن الحضارتين الإغريقية والرومانية، إضافة إلى الحضارات المشرقية مثل البابلية والفرعونية وفي شرقي آسيا وفي الحضارات الأصلية في الأميركيتين، جاعلاً من مؤلّفه مرجعاً مفصّلاً حول الدورة الشهريّة لم نعثر على مثيل لها بين غلافين.

* The Sabarimala Confusion: Menstruation Across Cultures: A Historical Perspective (2019 -Vitasta Publishing).