يحتوي هذا المقال على حرق أحداث

بدت المخيلة في الموسم الخامس من سلسلة الخيال العلمي «بلاك ميرور» متعبة وعاجزة عن الحفاظ على المستوى الذي قدّمه العمل الديستوبي في الأجزاء الماضية. اتفق نقاد ومراجعون للموسم الذي أطلقته نتفليكس قبل شهرٍ، على أن «المرآة» التي عمدت إلى مقاربة «الواقع» بسوداوية شديدة، آخذةً الأسئلة القلقة التي يثيرها التقدم التكنولوجي إلى منحى متطرف وشبه أبوكاليبتيّ، أفرغت ما في جعبتها من إبداع، مكتفيةً بـ«التوجيه» وبالقالب الأخلاقي المتوجّس للعمل الذي نال شعبيةً قصوى في السنوات الماضية.
مع ذلك، طرحت الحلقة الأولى من الموسم الأخير أسئلة يتوجب التوقف عندها، مع أنها مثل الحلقتين الأخيرتين، حملت نهاية «سعيدة» أو على الأقل إيجابية، خلافاً لعادة المسلسل التشاؤمي الذي لم يجد ضمن نمط «المستقبلية» (futurism)، حلاً لما رآه مصيراً ممكناً تسير إليه البشرية. الحلقة الأولى حملت اسم «Striking Vipers» وهو اسم لعبة القتال الإلكترونية التي تمثل النقطة المركزية في الحلقة. كارل وداني، صديقان قديمان، يلعبان اللعبة فيختار داني شخصية فتاة (روكسيت) أما كارل فيلعب شخصية رجل (لانس). في اللعبة التي تنتمي إلى ألعاب الواقع الافتراضي (Virtual reality)، يشعر كلا الصديقين بمشاعر الشخصية التي اختاراها، حتى تنتهي الجولة الأولى بقبلة بينهما. بعد أسابيع قليلة، يمارس داني وكارل الجنس، بشخصيتيهما الافتراضيتين، ما سيمثّل بداية صراع لداني على مستوى التباس هويته الجنسية أولاً، وثانياً على المستوى الأخلاقي، معتبراً أن ما يقوم به خيانة لزوجته.
بعد فترة يطلب داني من كارل أن يلتقيا في «الواقع»، كي يختبرا إذا كان ما يجري بينهما «حقيقة». يقبّل الصديقان بعضهما، ولكن كليهما يقول إنه «لا يشعر بشيء». في نهاية الحلقة، يصل داني وزوجته إلى تسوية تقوم على أن هناك يوماً في السنة، وهو يوم ميلاده، يمكنه فيه الدخول إلى اللعبة، فيما يمكن للزوجة أن تخرج إلى حانة وتقابل شخصاً ما، على أن يظلّ هذا الاستثناء منحصراً في هذا اليوم فقط من السنة.

سؤال الجندر
استطاعت هذه الحلقة أن تقارب بذكاء فكرةً مركزية في دراسات الجندر، وهي انفصال جنس الإنسان عن جندره، أي انفصال تكوينه الجسماني عن نوعه الاجتماعي وميوله، وكون الأولى لا تحدد الثانية ولا العكس.
واتفقت غالبية المراجعات على أن الحلقة جسّدت قلق الإنسان حيال هويته الجنسية، وأنها تلاقت مع فكرة أساسية في النظرية الكْويرية (أحرار الجنس) وهي رفض «الجوهرانية» (Essentialism) أي أنه ليس هناك جوهر لكونك رجلاً أو امرأة. بمعنى آخر، إن الجندر ليس «طبيعة» إنسانية، ليس جوهراً راديكالياً لدى الإنسان، وبناءً على ذلك فإن المولود ذكراً لن يظلّ رجلاً بالضرورة، كما أن المولودة أنثى ليست كذلك امرأةً «إلى الأبد» (وهو ما نجده قبل ذلك عند سيمون دو بوفوار في فلسفتها النسوية المكثفة في الجملة الشهيرة «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك»).
بحسب النظرية الشهيرة لجوديث باتلر، إن الجندر هو بالأساس أمرٌ «أدائي» أي مجموعة أفعال وتصرفات يتعلم الأشخاص أن يؤدوها عبر بنى اجتماعية سابقة لوجودهم. من هنا نفهم معنى أن الجندر هو مركب اجتماعي (social construct). النظرية الحديثة نسبياً (ترجع إلى تسعينيات القرن الماضي) تعود جذورها الفلسفية، بدورها، إلى تشكل ذات الحداثة، تحديداً مع ديكارت. يعود للفيلسوف الفرنسي الفضل في الفصل بين العقل وبين الجسد وإنهاء الفكرة التي تجمعهما في كلية واحدة. اعتبار الجسد والعقل كتلة واحدة، كان يعني حتى لحظة ديكارت أن هناك عقلاً مؤنثاً وآخر مذكراً.



تفريق العقل عن الجسد، فتح الباب النظري أمام إنهاء «جنسنة» العقل، ما انعكس بدوره على التقليل من وجود فارق ذي طبيعة جوهرانية بين الرجل والمرأة. من هنا أيضاً لا يعود كون الشخص غيرياً أو مثلياً إلى «طبيعة» حاسمة غير قابلة للتغيير، مع الإشارة أيضاً إلى أن هذا لا يعني أن هناك خياراً يمكن للإنسان أن يقوم به ليتحكّم بميوله الجنسية، ولكن لقول إنه ما من طبيعة واحدة وحتمية للإنسان، وأنه في الواقع خاضع للتغيير والتركيب والتفكيك طالما أنه على قيد الحياة، بمعزلٍ عن استطاعته بنفسه أن يتحكم بهذا التركيب والتفكيك، ومع الأخذ في الاعتبار أن عوامل لا تُحصى تدخل في هذه العملية، لا يكون الإنسان بالضرورة واعياً لها.
تمكنت الحلقة عبر وسيط الواقع الافتراضي، من تصوير التباس يمرّ به كثيرون، من دون أن يتسنى لهم فرصة أن «يختبروا» جسداً غير جسدهم. وكعادة «بلاك ميرور»، استطاعت توظيف التكنولوجيا لطرح ثيمة فلسفية لا علاقة مباشرة لها بالتطور التكنولوجي، بل موجودة منذ الأزل. وإلى جانب مساهمة التكنولوجيا في إظهار التباس الهوية الجندرية، أثارت هذه الحلقة سؤالاً أخلاقياً، حول ما إذا كان الجنس الافتراضي يُعدّ «خيانة»، وهو وإن كان سؤالاً مستنداً إلى مخيلة متطرفة، هو سؤال موجود في الأساس ومرتبط بأفعال أخرى هي في متناولنا بالفعل حالياً مثل الـSexting (المحادثات الجنسية عبر الرسائل).

ما هو الافتراضي؟ ما هو الواقعي؟
لكن سؤال الجندر وسؤال الخيانة يمثلان مدخلاً لسؤال أعقد بكثير. لعلّ إشكالية الجنس في هذه الحلقة هي مجرّد لغة، أو غلاف لثنائية «الواقع/ الافتراضي» الملتبسة إلى حد كبير. تعيد الحلقة طرح سؤالٍ مهم ومرتبط بموقع الإنسان من الفضاء الإلكتروني منذ ظهوره، وربما ازداد هذا السؤال مع صناعة الإنسان لصورته على مواقع التواصل الاجتماعي تحديداً. فبالطبع كلنا سمعنا مرات عدة، أن الشخص على السوشل ميديا «لا يكون نفسه»، أو أن شخصية فلان على فايسبوك لا تشبه شخصيته في الواقع، وكان ذلك في أحيانٍ منطلقاً للحكم على الأشخاص بكونهم «مزيفين» أو «حقيقيين». ولكن عند هذه النقطة يجب العودة إلى ضرورة تعريف بعض المفاهيم، مثل الواقعي والافتراضي، وموقع الذات بينهما.
بالنسبة للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، المتحقق (actual) والافتراضي (virtual)، كلاهما واقعي بالقدر نفسه. المتحقق لديه وجود ملموس، على عكس الافتراضي، ولكن هذا لا يجعل الأخير أقل واقعيةً. ما هو موجود في فكرنا، أو على الورقة مثلاً، أي ما هو موجود كفكرة، هو أيضاً واقع لأن آثاره واقعية كلياً. دولوز يرى أن كل ما هو موجود في المكان، واقعي، حتى ولو لم يتحقق بعد. هكذا تصبح الأفكار، المركبات الاجتماعية مثل (الجندر على سبيل المثال) الموجودة في «مملكة الافتراضي» هي أيضاً واقع. من هنا، ومع تطبيق هذا على المجال الإلكتروني، يصبح ما نراه على الشاشة، وما نختبره على الكومبيوتر، واقعياً تماماً، حتى وإن لم يكن متحققاً.
في المقابل، قبل نحو عقدين وبعدما أصبحت الإنترنت بمتناول الأفراد، قدّم الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أكثر من دراسة لـ«الواقع الافتراضي» الذي كان مصطلحاً جديداً في حينه، مطبّقاً عليه ثلاثية المحلل النفسي جاك لاكان، التي قسم على أساسها الواقع. قسّم لاكان الواقع إلى ثلاثة أقسام: التصويري (في بعض الترجمات «خيالي») الرمزي والواقعي (Imaginary, symbolic, real). الأول مرتبط بتلقينا للصور من حولنا، الثاني هو النظام الرمزي الذي يشمل اللغة وكل ما يمكّننا من إسباغ معنى على الأشياء. أما الواقعي فهو عند لاكان ما يخرج عن اللغة، ما يقاوم الترميز بشكل مطلق، ما يقاوم «التضمين في كون المعنى»، ما هو موجود بذاته بمعزل عن رمزه/ معناه.

سؤال الجندر وسؤال الخيانة يمثلان مدخلاً لسؤال أعقد بكثير


يشرح جيجك في محاضرة تعود إلى عام 2003، أن الافتراضي التصويري يظهر في أكثر تجاربنا اليومية عموميةً لأنفسنا وللآخرين. مثلاً حين نتعامل مع شخص آخر، عادةً ما نجرّد صورته من بعض السمات. فحين أتحدث إلى الشخص أعلم بالطبع أنه كائن يتغوّط ويتعرق، ولكن حين أتفاعل معه، هذا ليس جزءاً من الصورة التي أمتلكها في تلك اللحظة. ما يعني أنني حين أتعامل معه، أنا أتعامل مع الصورة الافتراضية عنه. مع ذلك، تمتلك هذه الصورة «واقعيةً»، بمعنى أنها، تبني طريقتي في التعاطي معه. هذا يعني أننا، على الرغم من تفاعلنا مع أشخاص واقعيين، نمحو وننزع سمات لنكون صورتنا عنهم ونتصرف كأن «الشرائح» الكاملة للشخص الآخر غير موجودة.
بالنسبة للمستوى الثاني، الرمزي الافتراضي، يظهر بحسب شرح جيجك في اختبار السلطة الأبوية مثلاً. يقول إن هذه السلطة حتى تكون عملانية، حتى يتم اختبارها كواقع، كسلطة فعالة، عليها أن تظل افتراضية. فإذا فُرضت السلطة بشكل مباشر، تتحول تلقائياً إلى علامة عن العجز. مثلاً حتى يمثل الأب سلطة بنظر ابنه، ليس عليه أن يضربه أو ينهره فعلاً. فالسلطة الحقيقية للأب موجودة أكثر بكثير في النظرة التهديدية: إذا قام الأب بضرب الإبن قد يكون ذلك مؤلماً جسدياً، ولكن في الحقيقة هناك دائماً في السلطة المتحققة، برأي جيجك، سمة لشيءٍ سخيف وعاجز. هو يوضح أنه في الانفجار الغاضب، يصبح الشخص شبيهاً بالدمية أو بصورة المهرج. فبالمحصلة حتى تكون السلطة الافتراضية فعالة، عليها أن تظلّ افتراضية، إذ إن تحقق الافتراضي هنا يصبح «تدميراً ذاتياً».
أما الواقعي الافتراضي، فيخلص جيجك إلى القول إنه، للمفارقة، «الواقع الواقعي» بعينه. يعطي مثالاً عن الواقع الافتراضي رمي قطع معدنية في حقل مغناطيسي وتناثرها تبعاً لشكل معين، ولكن هذا الشكل بالطبع غير موجود بذاته. بل إنه فقط شيء يمكنك أن تجرده، أن تعزله عن تناثر القطع المعدنية الصغيرة. إنه شكل، واقع ما، ولكنه ليس موجوداً بنفسه. إنه فقط شكل تجريدي، يشكّل عناصر موجودة بالفعل حوله.

خاتمة
في المحصلة، يتفق كل من دولوز وجيجك على واقعية الافتراضي. ما نختبره خلف الشاشة، لا يقل واقعيةً عما نعيشه أمامها. ولكن مكمن الخلاف بينهما هو أن جيجك، الهيغلي على عكس دولوز، يريد أن يقول إنه ليس هناك بالمطلق ما هو «واقعي»، بل هناك فقط الافتراضي. كل ما هو موجود أصلاً هو أفكار، مفاهيم. بكلام آخر، يصبح المركب اجتماعياً «حقيقياً» بقدر حقيقة أي شيء ملموس، السيارة، الطاولة، إلخ. فالسيارة نصنعها حتى تُطابِق مفهومها ولكن بالنسبة لجيجك هي في الحقيقة ليست واقعية، بل افتراضية تماماً. لذلك، يقول الفيلسوف السلوفيني إن الدرس الأقصى من الانخراط في عالمٍ افتراضي خلف الشاشة، هو في الحقيقة تحويل واقعنا نفسه إلى افتراضي. الأمر الذي نشهده تحديداً في زمن التطور الرقمي الذي نعيش فيه. فمن هذا المنطلق بنظره، نحن نشهد منذ عقدين، تحويل الواقع (كما نفهمه) إلى شيءٍ افتراضي، ليس فقط عبر هذه الألعاب، ولكن أيضاً عبر القهوة المنزوعة من الكافيين، الكريمة الخالية من الدهون، السياسة التي تروّج لنفسها بكونها لا سياسة (مفهوم «الحوكمة» مثلاً)... وعلى هذا المنوال وصلنا بالطبع أيضاً إلى جنسٍ بلا جنس.