في معرض الاعتراض على رفض مرسيل خليفة عزف النشيد الوطني في أمسيته ضمن «مهرجانات بعلبك الدولية» قبل يومين، كان لافتاً أن تلصق به صفة الحرب الأهلية. ليس هذا هو اللافت تماماً. فالحرب شماعة، وما يقال فيها أكثر مما يقال في السِلم. والهرب منها لا يكون إلا بالاعتراف بنهايتها، والتوقف عن تكرار أهزوجة «تنذكر وما تنعاد» بألف طريقة وطريقة، تتنافس في إحياء الفظاعة وفي السماجة. اللافت أن أحد هذه الاعتراضات، شكت من خليفة لأن «مسيحيي الشرقية» تعرفوا إليه متأخرين، وها هو اليوم «يخذلهم». الطريف أن إصرار اللبنانيين على لغة الحرب الأهلية، هو بقدر إصرارهم على النشيد، وعلى أي نافذة يمكنهم اختراعها، لتأكيد وطنية متخيّلة، وربما تأبيدها، من دون أيّ نقاش هادئ. فالموضوع لا يتعلق بخليفة نفسه أو بمواقفه. المسألة مسألة نشيد وطني. يمكن مقاربة المسألة من عشرات الزوايا. أولاً، قيمة النشيد كعمل يتألف من عدة عناصر، مثل الكلمات والموسيقى وطريقة الإنشاد. العلاقة بين هذه العناصر، وعلاقة كل عنصر منها بالمكان، وهو يسبق اللحظة التأسيسية الميثاقية، التي تقوم عليها السردية التقليدية للوطنية اللبنانية. سردية تحتاج إلى مراجعات جدية، لا تتم من دون إكمال عقد اجتماعي حقيقي بين اللبنانيين، يتجاوز الأساطير التي تتجاوز التاريخ والعقل. فالنشيد مثل فخر الدين، سابق حتى على ولادة هذه اللحظة. وبالمعنى التاريخي، هي لحظة في أبعادها طائفية، وفي شكلها لحظة «شخصية»، تجمع بين رجلين. وليس الاستقلال بصورتيه الواقعية والمتخيّلة مكملاً للنشيد، بل نقيض لمعناه الاسمي. وليس مكملاً قطعاً لفخر الدين، خاصةً إذا ما استعملت جميع المصادر لتحديد هوية فخر الدين وعلاقته بالحاضر.

رغم التباعد الزمني، قد يصحّ على النشيد ما يصح على فخر الدين «التوسكاني»: متعة الخيال اللبناني في بناء الأوهام، ثم الإقامة في أعلى طبقات البناء، والدفاع عن الرياح. في الأصل، ظهر النشيد في الزمن الفرنسي في 1927 تحديداً، عندما فاز وديع صبرا بالمسابقة، التي جرت في حضن كولونيالي «حنون» رغم أن النشيد ليس حنوناً. وإلى طابعه الذكوري، قد يلمس المستمع العادي إليه شبهاً بين هذا النشيد وبين الإنشاد الحربي أو العسكري في الغرب. ويحيل هذا مجدداً إلى العناصر التي يتألف منها هذا النشيد، قبل الحديث عن محاولات رفعه إلى مصاف الرمزي والمقدس، بحيث يصير الوقوف في حضرته واجباً. وقبل البحث في وظائف النشيد الوطني عموماً، في العالم وليس فقط في لبنان، وأولها الخضوع، يجب البحث ربما، وحفاظاً على السجال الرئيسي، عن علاقة هذا النشيد بالمكان. وفي أي حال، صارت قصة «استعارة» اللحن من الريف المغربي معروفة، والذين تناقلوا هذه القصة ليسوا يساريين، ولا كوزموبوليتيين، بل موسيقيين مفرطين في لبنانويتهم. بالنسبة لكثيرين، ليس ثمة ما هو أفضل من أن يكون في واقعنا الوطني شيء من إرث جمهورية عبد الكريم الخطابي، التي قاومت الاستعمار. لكن علينا أن نعترف بذلك، وأن نتوقف عن صناعة الأساطير، وأن نعيد صياغة السؤال الأصعب: من نحن؟ الإجابات كثيرة ومعقدة وأحياناً مستحيلة. في هذه الأثناء، يمكننا استعادة مشهد روبرتو بنيني وهو يدخل المدرسة، وقد لف العلم الإيطالي على نفسه كمنشفة، معلناً أنه مبعوث الدولة. كانت الدولة فاشية، وربما الفاشية هي أوضح صورة للدولة في تاريخها كمؤسسة تعيد إنتاج السلطة. لاحقاً، وفي أحد أعماله المسرحية، يستعيد بنيني النشيد الذي كتبه غوفيردو ماميلي وميكيلي نوفارو قبل الوحدة ضاحكاً وباكياً في الوقت نفسه. ولم تقم القيامة في إيطاليا، المعروفة ـ رغم نهاية الفاشية ـ بالعلاقة العاطفية بين سكانها عموماً وبين نشيدهم الوطني. إلا أن الإيطاليين لديهم أسئلتم أيضاً، عن الشمال والجنوب وعن الوسط.
ليس عيباً أن يكون لدينا أسئلتنا عن النشيد الوطني وعن فخر الدين وغيرهما من القضايا. أن تسأل عن التاريخ، وأن تعترض عبر النشيد وعبر غيره، لا يعني أنك لست لبنانياً. ما يجعلك لبنانياً هو كونك لبنانياً وحسب. المزايدة والنقصان في هذا الإطار من أنواع التهريج. والانتفاضة من أجل العنصر الرمزي، تخفي غالباً مأساة الحقيقة. وفي لبنان لدينا حقائق ندافع عنها، ولدينا الكثير من المآسي. لدينا اللاعدالة والتفاوت الطبقي والتمييز الجندري وعشرات القضايا المتصلة بالمكان، التي يتوجب الدفاع عنها، قبل الدفاع عن الرمزيات الملتبسة أساساً. وحتى ذلك الوقت، تصبحون على وطن.