خسرت الموسيقى البرازيلية أحد أبرز أصواتها، جواو جيلبرتو (1931 ــ 2019)، الذي غادرنا قبل يومين. رائد موسيقى البوسا نوفا ومجددها في الخمسينيات رحل عن 88 عاماً في ريو دي جانيرو، كما نقل ابنه على فيسبوك، مخلِّفاً وراءه نحو 10 ألبومات، بالإضافة إلى تسجيلات لحفلات أقامها طوال حياته بين بلده وأوروبا وأميركا وآسيا. من ولاية باهيا البرازيلية حيث قضى طفولته وأقام أولى تجاربه الموسيقية مع فرق خلال سنواته في المدرسة، انتقل جواو إلى ريو دي جانيرو في الخمسينيات ليطلق تباعاً مجموعة من الأغنيات والمقطوعات الموسيقية، أبرزها Bim Bom، وChega De Saudade التي حملت عنوان ألبومه الأوّل عام 1961. في العام نفسه، أيضاً، أصدر ألبومين آخرين هما «حب، ابتسامة ووردة» و«جواو جيلبرتو»، اللذين تضمّنا مشاركات للملحّن وعازف البيانو البرازيلي أنطونيو كارلوس جوبيم (عربياً، استمعنا إلى جوبيم من خلال أغنيتين معربتين للموسيقي زياد الرحباني الذي أعاد توزيعهما في ألبوم «مونودوز»، وغنتهما سلمى مصفي هما Só Danço Samba («مش بس تلفنلي») وGingele («ما عم بعرف ليه»)). مع جوبيم، عملا معاً عام 1959 على موسيقى فيلم «أورفيوس الأسود» للمخرج الفرنسي مارسيل كامو. لا شك في أن شهرة الفيلم حينها، وفوزه بجائزتي «أوسكار» أفضل فيلم أجنبي، والسعفة الذهبية في «مهرجان كان السينمائي»، أسهما في شهرة موسيقى البوسا نوفا التي كانت لا تزال جديدة حينها. وفيها، ابتكر جيلبرتو أسلوباً موسيقياً يمزج إيقاعات السامبا التقليدية مع تأثيرات من موسيقى الجاز الحديثة، نقلها إلينا بأسلوبه المتفرّد والمتطوّر في العزف على الغيتار، مستبدلاً ضربات الغيتار بإيقاعات السامبا. خلف صوته الهادئ والقريب، ثمة معاناة طويلة مع الاكتئاب أمضاها جيلبرتو في المصحات النفسية، فيما عاش لفترة طويلة في فقر شديد بعدما تخلى عن الغناء في الملاهي الليلية بسبب حديث الزبائن والحضور، ولصعوبة التزامه التمرينات مع الفرق التي عمل معها.

بعد ألبوماته الثلاثة في ريو، وصلت أصداء البوسا نوفا إلى أميركا، وتحديداً إلى عازف الساكسوفون ستان غيتز في ألبومه Jazz Samba مع عازف الغيتار تشارلي بيرد عام 1962. وهو العام الذي انتقل فيه جيلبرتو إلى نيويورك ليقيم حفلته الأولى في «كارنيغي هول» في نيويورك. هناك، عاش لفترة مع زوجته المغنية أسترود جيلبرتو، ليبدأ تعاونه مع ستان غيتز. تعاون أدى إلى أهم التجارب الموسيقية وأجملها في الستينيات، وهو ألبوم Getz/Gilberto، الذي شارك فيه أيضاً أنطونيو جوبيم، وشاركت فيه أسترود غناء، فأدّت أغنيتين، أبرزهما رائعة The Girl from Ipanema. الألبوم الذي صدر عام 1964، من كلاسيكيات البوسا نوفا والجاز. خطف حينها جائزة «غرامي» لأفضل ألبوم لعام 1965، كأوّل ألبوم جاز ينال هذه الجائزة، متفوّقاً على كل الأنماط الموسيقية الأخرى، فيما حازت أغنية The Girl from Ipanema التي غنتها أسترود بالإنكليزية وجواو بالبرتغالية، جائزة غرامي لأفضل أغنية أيضاً. في المكسيك، دشّن جيلبرتو محطة موسيقية أخرى لدى انتقاله إليها في السبعينيات، نتج منها ألبوم «جواو جيلبرتو في المكسيك» مع زوجته الثانية المغنية ميوشا. واصل جيلبرتو تعاونه من أجيال مختلفة من الفنانين والموسيقيين البرازيليين حين عاد إلى بلاده في الثمانينيات مجدداً، حيث عمل مع فيلوسو وجيل وماريا بيثانيا وآخرين. أمضى الموسيقي والمغني سنواته الأخيرة في إحياء الحفلات والجولات الموسيقية في أميركا وأوروبا، كان آخرها حفلة عام 2008، ليتوقّف بعدها بسبب تقدّمه في السن. أما اليابان، فكانت له علاقة مميزة معها، حيث أصدر تسجيلاً حيّاً في حفلته هناك بعنوان «في طوكيو» عام 2004، لينضمّ إلى تسجيلات كثيرة صدرت خلال ستة عقود من تجربته الموسيقية.