في إطار سعيهما للحفاظ على التراث الشفهي الذي يشكل أحد أهداف المكتبات العامة (تضمّنها بيان اليونسكو العالمي للمكتبات العامة سنة 1994)، تعمل جمعية «السبيل»، بدعم وتمويل من «مؤسسة التعاون» (فرع لبنان) على برنامج خاص بالحكايات الشعبية منذ سنوات عدة. يشتمل البرنامج على ورش لبناء قدرات مجموعة من الحكواتيين، وإقامة مهرجان «حكاياتنا» السنوي بمشاركة عربية ودولية، وعروض في الأماكن العامة طيلة العام، إلى جانب طاولات مستديرة تناقش كل ما له علاقة بالموضوع. هذا العام، أقيم التدريب بين 24 و28 حزيران (يونيو)، تولّاه شيخ الحكواتيين اللبنانيين جهاد درويش. تركز العمل على اختيار الحكايات وإعادة صياغتها وطريقة أدائها، فيما تولى الفنان خالد العبدالله التدريب على استخدام الصوت بشكل ملائم لإيصال الحكاية إلى المستمع بأفضل طريقة ممكنة. المحطة الثانية لهذا البرنامج ستكون في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل مع الدورة الثانية من مهرجان «حكاياتنا» الذي ينتقل في المخيمات والمناطق والمراكز الثقافية في لبنان، مع عروض مفتوحة للجمهور. تزامناً مع ذلك، يقدّم المتدربون عروض حكايات في العديد من المكتبات والأماكن العامة كما في المراكز الثقافية.

يتحدّث جهاد درويش عن أهمية العمل على التراث الشفهي وعلى الحكايات بشكل خاص. يقول: «التراث عموماً هو جزء من هوية وتاريخ كل شعب ومجتمع. وهو يتعدى بأهميته التاريخ الرسمي الذي يسجل عادة الأحداث بشكل جاف ومن وجهة نظر الفئات الحاكمة فقط. فالتراث يشمل تجارب وحياة ووجهات نظر وثقافة ونضالات الفئات المنسية من التاريخ الرسمي. في مجتمع ما، يشكل التراث التربة الخصبة التي تسمح بتصوّر المستقبل وبنائه. ويمكن القول إنّ المجتمع الذي يدير ظهره لتراثه يضع مستقبله في خطر.
وللتراث الشفهي (ضمن التراث عموماً) أهمية خاصة تعود إلى طبيعته الشفهية، غير الجامدة. هو في حركة وتطور دائمين، يجعلان منه المكان الأمثل لصقل ومراكمة تجارب المجتمع. إن قوة التراث الشفهي بالنسبة إلى الأشكال الثابتة، كالكتاب والعمارة مثلاً، تكمن في هذه الحيوية وهذه القدرة على الاحتفاظ بتجارب جيل ما ونقلها إلى الجيل التالي ليغذيها وينقلها بدوره للجيل الذي يليه».
وتُعتبر الحكاية (ضمن التراث الشفهي) أقدم أدب اخترعته الإنسانية وسعت من خلاله إلى هدفين: الأول أن تُضيف بعض الجمالية والشاعرية إلى الحياة اليومية. والثاني أن تنقل، بشكل شيّق، تجاربها من جيل إلى جيل. ويسود الاعتقاد بأن الأمر ابتدأ على الأرجح بنقل تجارب الصيد وأسرار النبات والطبيعة، قبل أن يشمل القيم المشتركة والخرافات والميتولوجيا والحكايات والملاحم.
تكمن قوة الحكاية في أنها تراكِم وتكثِّف التجارب الجماعية للشعوب، وتحمل إلى جانب ذلك تجربة ونَفَس ومخيلة وطموحات كل من حكاها قبلنا. وهي أمور تمنحها زخماً وحيوية لا مثيل لهما، وتجعل منها عملاً أدبياً وفنياً معاصراً، على الرغم من قِدَم جذورها.
ولكون الحكاية أدباً شفهياً، فهي تحتاج إلى راوٍ أو راوية يعمل عليها ويغذيها بهمومه وطموحاته وشاعريته وإحساسه بمشاكل مجتمعه.
حضور الحكواتي ضروري جداً، إذ لا حكاية من غير حكواتي أو حكواتية. الحكاية التي نجدها في الكتب ليست الحكاية. فهي على أهميتها ليست سوى صورة للحكاية في لحظة معينة من حياتها.
يمكننا بدون تردّد أن نعرّف الحكاية بأنها لحظة اللقاء بين النص والحكواتي والمستمع. إنّ غياب أي من العناصر الثلاثة، يغيّب الحكاية ودورها ومكانتها.

تقام الدورة الثانية في أيلول وتتنقل بين المخيمات والمناطق اللبنانية


لذلك من المهم أن نقرأ الحكايات الموجودة في الكتب. من المهم أن نقوم بعمليات جمع لما هو في الذاكرة. لكن العمل لا يكتمل من دون تهيئة حكواتيات وحكواتيين يقومون بتحضير وتقديم حكاياتهم الشفهية أمام مستمعين/ مشاهدين.
إن لم نحضّر حكائين، فإنّ صرحاً هاماً من تراثنا وتاريخنا سيكون في خطر.
أهمية البرنامج الذي تقوده جمعية «السبيل» بدعم من مؤسسة «التعاون» أنّه يعمل على إعداد جيل من الحكائين. وهذا ما يتطلّب عملاً متواصلاً ومتابعة لسنوات، كما في أي عمل فني أو أدبي. إحدى نقاط الضعف في السنوات الماضية، كمنت في غياب الإمكانات المادية والعملية للقيام بتدريب جدي وعميق لمجموعة من الشابات والشبان المتحمسين للحكاية. كان الشعور أننا نُعطي نقطة ماء لنبتة كي نمنعها من الذبول، في انتظار ظروف مناسبة لنسقيها بشكل أفضل.
وتكمن أهمية المشروع أنه يطمح للإجابة عل خمس نقاط تكمّل بعضها البعض:
أولاً: تهيئة مجموعة أو أكثر من الحكائين ومتابعة تدريبهم على مدى سنوات عدة.
ثانياً: إتاحة المجال للحكائين كي يمارسوا عملهم أمام جمهور متنوّع خلال السنة، وإقامة مهرجان متنقل بين المخيمات الفلسطينية والمدن اللبنانية يكون النقطة البارزة لهذا النشاط.
ثالثاً: الحث والمساعدة على إيجاد الحكايات الكلاسيكية والمعاصرة لتحضيرها وتقديمها.
رابعاً: تعزيز دور الحكاية لما لها من دور أساسي في ذاكرة الشعب الجماعية، من تقاليد ولغة وحفظها وتنميتها.
خامساً: التوعية اللامباشرة، لنشر وتعليم وتعزيز التفكير النقدي وتنشيط الخيال كما التحليل.
الخطوات التي جرت حتى الآن وإن كانت غير كافية، لكنها تذهب في الاتجاه السليم كونها تتضمن الثلاثي الضروري لقيام الحكاية: النص، الحكواتي والمستمع. والأمل في أن تتطور وأن تنضم جهود أخرى للجهود الراهنة كي لا نخسر صرحاً هاماً من أدبنا وفننا وتراثنا وهذا ما لا يتم إلا بتضافر جهود جميع العاملين والمهتمين.
نعدكم هذا العام بمهرجان مميز يشمل مناطق منوعة تشمل البحر والجبل.

* نيفين شاهين مسؤولة برنامج الثقافة في «مؤسسة التعاون» (فرع لبنان) وناشطة في المجال الثقافي الاجتماعي منذ ما يقارب الـ17 عاماً في فلسطين ولبنان.
علي الصباغ المنسق التنفيذي لجمعية «السبيل»، يعمل في المجال الثقافي منذ ما يقارب عشرين عاماً.



أبرز نتائج البرنامج
يرمي برنامج جمعية «السبيل»، و«مؤسسة التعاون» (فرع لبنان) إلى مساعدة عدد من الحكواتيين للتوجه أكثر وأكثر نحو الاحتراف، ومساعدة عدد آخر ممن يعملون بشكل يومي مع الأطفال في المكتبات العامة والمراكز الثقافية لتطوير مهاراتهم لقراءة القصص وسرد الحكايات بأفضل طريقة ممكنة. طريقة من شأنها أن تجذب الأطفال وتشجعهم على القراءة والتمتع بالحكايات.
كما أنّه من خلال هذا البرنامج، تم ترسيخ مهرجان سنوي للحكايات أقيمت نسخته الأولى العام الماضي لثلاثة أيام في طرابلس، وصور وبيروت. ويتم التحضير حالياً للدورة الثانية التي ستقام في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل.
وقد فتح هذا البرنامج بمساعدة من المدرب جهاد درويش الفرصة لأحد الحكواتيين، الفلسطيني خالد نعنع للمشاركة في مهرجانات دولية للحكايات هذا الصيف توزعت بين فرنسا وسويسرا وإسبانيا. عن هذه المشاركة، يقول نعنع: «حزيران وتموز 2019 رسما خطوطاً إضافية في انطلاقتي كحكواتي نحو خبرات جديدة ولقاءات مثمرة. ففي جنيف وموتتيه ولوزان في سويسرا إلى أرل، نيم، باريس، أفينيون و«مهرجان بالابرج» في فرنسا، كانت الحكايات الشعبية الفلسطينية وحكاية اللجوء تنقل الجمهور إلى عالم آخر، حيث تمتزج حلاوة الحكاية بمرارة النكبة، وحيث تدندن اللغة العربية أحلى النغمات ليكرّس لفلسطين حضور مميز على مختلف الصعد.


جهاد درويش
جهاد درويش حكواتي لبناني محترف. تأثّر منذ طفولته بالزجل وبالحكايات التي كانت تسردها والدته ونساء ورجال القرية. منذ أكثر من ثلاثين سنة، يتنقّل جهاد الدرويش في أنحاء عديدة من العالم ليحكي حكاياته للكبار والصغار. حكايات مستوحاة من الشرق: العالم العربي، تركيا، إيران، الهند... أو من البلدان والثقافات التي أحبها وأثّرت به كبلدان البحر المتوسط وأفريقيا الغربية.
صدرت له العديد من الأسطوانات بالفرنسية، و30 كتاباً، عشرة منها باللغتين العربية والفرنسية. وترجم بعض كتبه إلى الإنكليزية والإسبانية والإيطالية والتركية والصينية والكورية. ويتولى جهاد درويش مهمات عدة في برنامج «السبيل» و«التعاون» أولها تدريب الحكواتيين، إلى جانب تنسيق عروض المهرجان السنوي الذي يتنقل في مختلف المناطق اللبنانية.