مساء اليوم، يفتتح مرسيل خليفة أولى حفلات «مهرجانات بعلبك الدولية» ضمن أمسية تحمل عنوان «تصبحون على وطن». من البدايات النضالية المباشرة إلى الأرضية التي يقف عليها اليوم، مشوار طويل ومتشعّب ومتعدد الأطياف والوجوه قطعه الفنان والموسيقي اللبناني. يعلّق خليفة لـ «الأخبار»: «كثيرون يحدّونني بهوية واحدة، لكنّني رجلٌ متعدد الوجوه، وبعلبك تحتويها جميعاً»، معتبراً أنّ عنوان أمسيته «مزدوج ذو وجهين. هو عنوان متشائم ومتفائل في آنٍ معاً. إنّه النّهاية والقيامة. أنا أؤمن بالمستحيل. ولم يبق لنا سوى المستحيل لنؤمن به».

في معبد باخوس، سيطلّ مرسيل خليفة محاطاً بمئة وخمسين فناناً وعازفاً من ضمنهم «الأوركسترا الفيلهارمونيّة اللبنانية» بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي. معهم ينطلق اللقاء ليتحوّل على يد الموسيقيين إلى احتفال إغريقي في «ليلة صيف» ويصبح «الحلم» في هذه «المدينة» واقعاً. يقول خليفة: «أبدأ بقصيدتي الغنائية لبعلبك التي لا تعدّ تكريماً ولا تصفية حسابات. لستُ أهلاً لتقديم تكريمٍ ما لأنه ينقص الكثير من العناصر. لقد مات أناسٌ كثيرون. هذه الحروب عبثيّة وسخيفة. في الحرب، يخسر الجميع، حتى المنتصرون أنفسهم. اليوم، أنا متصالحٌ مع نفسي ومع الآخر، نحن الاثنان ضحايا. أنا اليوم أعيش في مكانٍ أبنيه في الشكّ. أفضل الشكّ على اليقين».
إبداع مرسيل خليفة ولد من القلق والألم، لكنّه يبقى دوماً وفيّاً لماضيه. في الثالث عشر من نيسان (أبريل) 1975، مع طلقات الرصاص الأولى التي أعلنت بداية الحرب الأهلية اللبنانية، كان خليفة يحتفل مع زملائه بإطلاق عمله الأول لفرقة «كركلا» في قصر الأونيسكو. رصاصة طائشة عكرت الاحتفال. أصيبت الراقصة أميرة في عامودها الفقري، فأصيبت بالشلل. «رقصة العروس» التي سيقدمها مرسيل الليلة في بعلبك، كانت رقصتها الأخيرة. وإلى جانب «رقصة العروس»، يعيد البرنامج إنتاج كل تجارب مرسيل خليفة الموسيقيّة، من عظمة أوركسترا إلى رنة عود منفرد، من الموسيقى الكلاسيكيّة (الموشّحات)، إلى الشعبي (الأهزوجة)... وأخيراً، تُختتم الأمسيّة بإعادة عرض الافتتاحيّة (قصيدة بعلبك)، لكن بنسخة مطوّرة. اختتام الحفلة مع «قصيدة بعلبك» يجسد أخيراً اللقاء الذي طالما انتظره مرسيل منذ سنواتٍ. لكنّ حرب تموز في 2006 أجلّت يومها هذا اللقاء، واضطر «مهرجان بعلبك» لإقامة الحفلة في بيروت بدلاً من بعلبك. عند معبد باخوس، ستكون التجربة استثنائية وفريدة. «سحر بعلبك يحوّل كلّ ما هو مألوف إلى شيء غريب. هناك، حتّى النسيم ليس هو نفسه في أيّ مكانٍ آخر، ولا حتّى القمر هو نفسه» يعلّق خليفة. فهذه القصيدة تحمل «دهشة المرة الأولى» تماماً كما صوته الذي لم يشخ وظلّ عصياً على الزمن محتفظاً بروح الطفولة ومشاعرها، ربما من أجل تخليد ذكرى الأم. غيابها المبكر جرحٌ لم يلتئم، يحاول مرسيل تضميده في مكانٍ ما من جسده. هذا الجسد الذي يحمل الأوطان حيث فضاء الأم مؤلّه تارةً كما في أغنية «خبز أمي»، أو «مدنّس» كما في «يا مريم».

* «تصبحون على وطن»: الليلة ـ مهرجانات بعلبك الدولية ـ للاستعلام: 01/373150