«مأزق النظام السياسي وأزمة قوى التغيير في لبنان» (دار الفارابي) عنوان كتاب القيادي في الحزب الشيوعي اللبناني علي غريب الذي يختصر بإيجاز بليغ حالتنا اليوم، حيث نشهد تنامي مأزق النظام، خاصّة مع المناقشات الماراتونية الاستعراضية للموازنة مؤخراً، كما نشهد تعمّق أزمة قوى التغيير التي تبدو عاجزة عن صياغة برنامج توحّد قواها ونضالاتها حوله.

بداية، لا بدّ من التنويه بأنّ علي غريب سعى إلى تقديم نظرة جديدة للواقع اللبناني من منظور يساري منفتح. أسلوبه بعيد عن اللغة الخشبية والمسلّمات الأيديولوجية الببغائية وسعى جاهداً ليكون مُجدّداً وواقعياً ونقدياً بامتياز، فاعتمد الصراحة من دون مسايرة أو مساومة حتى مع رفاق الدرب والقادة التاريخيين. وقد كان في كتابه حوارياً دون أن يتهرّب من إبداء وجهة نظره ولو كانت موجعة ودون أن يراوح في الحوار للحوار لأن هدفه الجدل لاستخراج الخلاصات ورسم طريق الإنقاذ.
بحث الكتاب في مسائل عديدة سأتوقف عند البعض منها:
1- يطرح مسألة نظرية مهمة وأساسية وهي راهنية الماركسية، فاستعرض بعض الآراء المتناقضة بين الشيوعيين، والتي تراوحت بين نهاية الفكر الماركسي ونقد التجربة الاشتراكية والنظرة الخاطئة للماركسية إلى حدّ التشكيك بها، إلى درجة أن البعض طالب بعدم الحاجة إلى أيديولوجيا لاستمرار الحزب الذي وُصف «بالحزب الميت». لكن المؤتمر السادس أكد على «تجديد الفكر والسياسة والتنظيم على قاعدة الالتزام بالمفهوم العلمي من العالم والمجتمع والنهج الفكري للاشتراكية العلمية».
وفي هذا المجال، لا يسعني إلا أن أؤكد أن الأزمة ليست بفكر ماركس الذي يُعاد الاعتبار له الآن عالمياً، بل بفكر الماركسيين العرب عامة واللبنانيين بشكل خاص، لأن ماركس كتب في ظروف معينة وعلى الماركسيين إبداع منهجهم الخاص في فهم خصوصية واقعهم المتحرك، خاصة أننا نعيش في مرحلة سقطت فيها نظرية النموذج الأوحد، ونتجه إلى اعتماد تعددية المناهج ضمن رؤية موحدة. وفي هذا المجال، لي دراسة مفصلة نشرت في «مؤسسة الفكر العربي» ضمن مجلتها «أُفق» بعنوان «نحو نموذج ثقافي جديد في عالم متحول» طرحت فيه مسألة تعددية المناهج....
لذلك على الشيوعيين التمسّك بفكرة ماركسية رئيسية تختصر نظرية المعرفة والتطور المادي للتاريخ وهي: «علينا فهم الواقع من أجل تغييره». لذلك مطلوب منا جميعاً دراسة واقعنا لتغييره، لا تطويع الواقع حتى يتكيّف مع نظرياتنا المسبقة.
وهذا ما حاول علي غريب أن يقوم به في كتابه. كما أتمنى عليه أن يتوسع بدراسة التجرية الصينية والكورية والكوبية وحتى اليونانية وغيرها من التجارب الاشتراكية، فضلاً عن التحوّلات العلمية والمعرفية في مجالات المناهج الحديثة.
2 - انطلق الحزب الشيوعي منذ تأسيسه من مسلّمة نظرية حدّدت هدفه وهو «تحويل المجتمع تحويلاً ثورياً إلى الاشتراكية، وبناء المجتمع الاشتراكي مسترشداً بنظرية الماركسية. فالاشتراكية وحدها تكفل القضاء على التخلف الاجتماعي».


علي غريب سعى إلى تقديم نظرة جديدة للواقع اللبناني من منظور يساري منفتح

ورغم نضالاته الوطنية إلى جانب قضيته الاجتماعية بامتياز، كان الحزب الشيوعي ينظر إلى الطائفية بأنها «ظاهرة» موجودة في مؤسسات الدولة السياسية، وبالتالي أحالها إلى البناء الفوقي، إلى أن جاءت مقررات المؤتمر السادس في عام 1992 فاعتمد رؤية أكثر واقعية للطائفية وموقعها داخل النظام السياسي، فاعتبرها عندئذ ظاهرة سوسيولوجية وتاريخية شديدة الحضور في الوعي السائد، فاعتمد إلغاء الطائفية من النظام السياسي، وهو الشرط الأول لتثبيت الديمقراطية في البلاد. وهكذا يخلص علي غريب بقوله: «كان الحزب يعتقد أنه يناضل في وحدة مجتمعية ناجزة وكاملة»، ليخلص إلى أن «لا وجود لدولة في لبنان، فنحن لا نزال في مجتمع أهلي ما قبل المجتمع المدني». لذلك حكمت تحليلاته «ضرورة إعادة تأسيس الدولة اللبنانية» أولاً من أجل تحقيق وحدة الدولة والمجتمع كمدخل للإصلاح.
3 - تمحورت كتاباته حول «التداخل الطبقي بالطائفي متلازمان ويشكلان معاً قوى تماسك التحالف الطبقي الحاكم وأساس نظام المحاصصة في لبنان». وهكذا حسب رأيه: الطائفية تحولت إلى كيان سياسي ـــ اجتماعي تطورت وتعززت عبر مؤسسات طائفية خاصة: أوقاف، محاكم، مدارس، أحزاب، مؤسسات اجتماعية متنوعة لها نفوذ شعبي مذهبي واسع، فضلاً عن النفوذ المالي والإعلامي والتربوي والميلشيوي والاجتماعي.
مع موافقتي على هذا التحليل لكن لي بعض الملاحظات:
• التحالف الطبقي الحاكم الذي تكلم عنه لا يخلو من قوى طائفية ورجال دين، وهو القائل في مكان آخر إن «لبنان محكوم من فدرالية الطوائف ومجلس إدارة من زعماء الطوائف وأمرائها».
وفي مكان آخر يقول: «تشكلت طبقة حاكمة مكونة من اندماج زعماء الميلشيات الطائفية وأصحاب الثروات الهائلة مع البورجوازية التقليدية... والفصل بينهما مصطنع وأصبح الرأسمال المالي وأمراء الطوائف وجهين لسلطة واحدة يتداخل فيها الطبقي بالطائفي».
حصل هذا التداخل لأنّ الطائفية ــــ وهي مبنية على بنية تحتية مادية مصلحية وبناء نفسي له عصبيته ومعتقده ــــ أدت إلى تداخل الانقسام العمودي والأفقي. كما أن المذاهب ليست كتلاً تاريخية متماسكة عبر التاريخ، بل في داخلها انقسامات وتناقضات طبقية، فضلاً عن خلافات بين الريف والمدينة وتيارات سياسية متنازعة إلى حد التقاتل. ولا بد من أخذ هذه الصراعات والتباينات في الاعتبار بعدما سقطت مقولة الطبقة الطائفية التي راجت في الحرب الأهلية وتبنّاها الشيوعيون وتبيّن في الممارسة أنه لا يمكن اختصار الطوائف بطبقة حاكمة أو محكومة، بل يوجد فئات طبقية سياسية لها دورها ومصالحها وفعاليتها داخل طوائفها وفي المجتمع.
توصيف النظام بأنه طائفي طبقي يتطلب دراسات معمقة أكثر عن الواقع لمعرفة الأسباب العميقة لطبيعة النظام السياسي وقواه المركبة للخروج من الثنائيات التي رسمت دوائر مغلقة عصية على الفرز الطبقي وإبراز التناقضات المتداخلة نتيجة تكوّن نظام هجين مركب من عدة أنماط للإنتاج (زراعي، رأسمالي، معرفي) فهو اقتصاد مصرفي ريعي مع هدر وفساد سياسي وهو متفاعل مع بنية فوقية خليط من الخرافات والعلم الناقص والوعي الزائف وانتماءات جزئية متناقضة. وهذه الحالة لا تسمح بفرز طبقي واضح ولا بتحديد الفئات ذات المصلحة بالتغيير لأنه سهل تضليلها وتجييرها للطوائف وللسلطات الهشة.
4- لم يستند علي غريب إلى التحليل الطبقي الصرف التبسيطي لأزمة السلطة، لأنّ البورجوازية متحالفة مع الإقطاع وأمراء الطوائف وقفت بعناد ضد أي تغيير في بنية النظام، ما كرّس واقعاً قام على الثنائيات وإشكاليات استمرت من الجمهورية الأولى منها: ثنائيات الطوائف والمذاهب، ثنائيات الداخل والخارج، ثنائية حول الهوية اللبنانية وإشكاليتها في النظام السياسي الطائفي، لذلك لم تحسم بعد. فدعا إلى وطنية جديدة لكن من دون تحديد معالمها، مما يتطلب منه طرح بديل عن الهوية المربكة وصياغة مفهوم جديد لهوية المستقبل والنظام الجديد وعلاقاته مع الجوار خاصة الوجود السوري والفلسطيني لأنهما جزء من المكون الكياني اللبناني ولا يمكن عزلهما، فهما جزء من هذا الواقع. ينقل كلام لمحسن ابراهيم: «ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل طاقة وعدالة وإنصافاً»، وهذا القول فيه اعتراف بأهمية الحضور الفلسطيني في لبنان، لكن المشكلة ليست كما يقول بأن لبنان يتحمل أعباء فلسطينية، بل المشكلة أن بعض أطراف الحركة الوطنية ـ ومحسن ابراهيم كان من قادتها البارزين ـ كان تابعاً لمنظمة التحرير بسبب امتلاكها النفوذ والمال.
5- من جهة أخرى يقول علي غريب: «بلدنا في مهب الريح في انتظار نتائج الحرب في سوريا»، مما يؤكد ترابط المسألة اللبنانية بالمسألة السورية، وبالمسألة الفلسطينية كما ذكرنا آنفاً.
الطائفية تحولت إلى كيان سياسي ـــ اجتماعي تطورت وتعززت عبر مؤسسات طائفية


6- بعدما طرح سؤالاً (هل التغيير ممكن؟)، تبيّن له أن الظروف والموازين لا تسمح بأكثر من إصلاح متدرج. لذلك يدعو علي غريب حزبه إلى اعتماد «رؤية جديدة يتجنّب من خلالها سياسة حرق المراحل التي اتبعها ويضع أولويات متدرجة للإصلاحات السياسية، آخذاً في الاعتبار الواقع الإقليمي المحيط بلبنان. واعتبر أن سياسة التدرج والمرحلية في عملية التغيير هي أهم مسألة طرحها ماركس ولينين وهي أهمية التحليل الملموس للواقع الملموس بهدف تغييره.
وهو بهذا الطرح يردّ على طروحات طفولية متسرعة طوباوية واجهناها معاً في «جبهة الإنقاذ الوطني» حيث بشرنا البعض بسقوط النظام، ودعوا إلى وراثته الآن بمجرّد تشكيل «هيئة دستورية انتقالية».
كتاب علي غريب يعبّر عن طموح بعض الشيوعيين الذين يتمسّكون بقرارهم المستقل رغم الضغوط والإغراءات، ويسعون إلى التجديد في النهج والبرامج رغم التحديات العلمية والفكرية التي تفرضها التحولات المعاصرة. هو محاولة تجسّد عصيانهم على الانشقاق رغم الأزمات الداخلية التي يواجهونها. هل ما زالت الأحزاب هي الإطار الوحيد للعمل السياسي والتغيير في زمن نشهد فيه نمو وانتشار الحركات الدينية واللوبيات الاقتصادية والتيارات اليمينية والعنصرية الشعبوية، والتي يطلق عليها البعض «موت الحزب».
كتاب علي غريب محاولة جدية وجريئة للإجابة على الأسئلة المطروحة على الشيوعيين والقوميين والتقدميين واليساريين عامة من أجل بناء حركة وطنية ملتزمة بالمقاومة والتغيير معاً. وهو مدخل من أجل إجراء نقد ذاتي شجاع في الحزب الشيوعي، علّه يطال بالعدوى أحزاباً أخرى من أجل التأسيس لتجربة جديدة، تفتح الباب واسعاً أمام قوى التغيير، وخاصة الشباب إلى طرح برامج أكثر جذرية وراهنية وعلمية تُحاكي العصر وتحوّلاته. كما تتجاوز فئوية الأحزاب وأنانية القيادات وكسل التفكير النقدي وجمود خطابها التقليدي منعاً لاستمرار أصولية يسارية لم تعد تواكب زمن ما بعد الحداثة.

* كاتب وناشر لبناني