من هو علي الشوك؟ سؤال ربما يطرحه معظم الذين تصادفهم كتب علي الشوك معروضة على واجهات المكتبات، أو في بسطية من بسطيات شارع المتنبي، فالذين بهرتهم أطروحته الفانتازية، ثم فاجأتهم دادائيته، رسموا صورة لشخصية مؤلّف هذه الكتب العجيبة: «رجل عابس الوجه، مزموم الفم، محملق العينين، غير مرتب الشعر»، فيما آخرون يقطعون أن علي الشوك ـــ لكثرة معاشرته الموسيقى ـــ لا يتكلم إلا «بالقطارة»، ولا يتفوه إلا بالإشارات، والجمل تخرج من فمه مثل السلم الموسيقي نغمة نغمة، أو حرفاً حرفاً، وهو مرة قريب الشبه بهشام المقدادي بطل «السراب الأحمر»، رغم أنّ الشوك يخبرنا في يومياته أن أبطال رواياته هم مجرد أطياف تدور حول شخصيته الحقيقية، ومرة أخرى يحاول أن يتشبّه بجوليان سوريل بطل رواية ستندال الشهيرة «الأحمر والأسود» التي سحرت علي الشوك منذ أن حصل على نسخة منها في بداية الخمسينيات ضمن سلسلة «الألف كتاب» المصرية. وستسحره الجملة الأولى من الرواية: «قد تعتبر بلدة فيريير الصغيرة من بين أكثر القرى جمالاً في منطقة فرانش كونييه». هذه الجملة ستظل تذكّره وهو في المنفى بأجمل مناطق بغداد «كرادة مريم» التي ابتدأت فيها رحلة حياته منذ عام 1929، ومرت بمحطات كان فيها مصرّاً على أن يستبدل دراسة الهندسة المعمارية، بالرياضيات التي عشقها وغيّرت مصيره بالكامل ليتّجه إلى مهنة واحدة هي الكتابة: «في يوم من أيام 1947، اتخذتُ قراراً في أن أصبح كاتباً! أما الرياضيات التي كنتُ أدرسها، فستكون نزهتي في حياتي».


روحه موزّعة على كتبه
كل القراء والنقاد يقطعون بأن علي الشوك وضع جزءاً من روحه في أكثر من عمل، سواء كتاب في الفيزياء، أو الموسيقى، أو رواية. والواقع أن علي الشوك مظلومٌ في كل هذه الصور، فهو ينطوي في حقيقته على شخصية عراقية كاملة المواصفات. إنه ابن ذلك الزقاق الضيق الذي ينبع من محلة «الشوكية» ويتلوى متلاشياً حيث «جامع الشاوي» لينتهي بحكايات الصيادين على ضفاف دجلة، وحوارات الأدب والفكر في المقهى السويسري مع فؤاد التكرلي ونجيب المانع الذي سيغويه ستندال أيضاً، فيقرر أن يترجم إلى العربية الكتاب الذي كتبه فيكتور بروميير عن ستندال. وكان الشوك قد اشترى في بداية الستينيات نسخة من كتاب بروميير من مكتبة «الأورزدي باك»، وسيدور حوار بين المانع والشوك عن ستندال والموسيقى، فهما مثل ستندال الذي كان يشعر بالندم والحقد على أبيه «لأنّه حرمه من تعلّم الموسيقى».
في مراهقته، سيغرق مع أبطال وبطلات تولستوي وموباسان وتشارلز ديكنز وفلوبير، وسيحاول أن يقلد العشاق منهم، فيجرب حظه بكتابة رسائل ملتهبة بالغرام إلى جارة لهم، وسيقول بعد ذلك بسنوات طويلة، في حوار أجرته معه فيء ناصر: «لا يمكنني البقاء محايداً أمام الجمال سواء كان امرأة أو كتاباً أو شجرة أو قطعة موسيقية. كنت شغوفاً دوماً بعشق النساء الجميلات. لكن الجمال ليس جمالاً بلا نقصان، كما أن تأثير الجمال عليّ يشبه المسّ الكهربائي الذي يتركني مصعوقاً بلا حراك. المرأة هي شغل حياتي الشاغل ولولاها لكانت حياتي عبثاً. كنت أبحث عن الحب وعثرت عليه مرتين. كما أنى كنت أربط بين كتابتي الروائية والعثور على الحب الحقيقي لأني لم أكن أريد اختلاق الأشياء والمشاعر. كنت أريد كتابة رواية عن تجربة حب حية وعن امرأة مذهلة، لكني كنت أريد الوقوع في حب امراة كهذه أولاً. بطلات رواياتي «تمارا»، «شهرزاد» و«داليا» هنَّ مزيج من المخيلة والنساء اللواتي تعرفت إليهن في حياتي».

بورتريه علي الشوك بريشة التشكيلي العراقي فيصل لعيبي

في عام 1970، سيصدر كتابه الأول «الأطروحة الفنطازيّة». كان الأمر أشبه بحدث ثقافي غريب «كنتُ أُريد أن أكتب اللامكتوب». بعد هذا الكتاب، سيشق علي الشوك مشواراً طويلاً بالإصرار والمثابرة، والأهم بالمعرفة حتى حقّق ما اعتقد أنها أحلامه وما تيقنّا نحن محبيه بأنها أحلام الكبار عبر كتب جمعت بين يقظة العقل وحرارة القلب. هكذا كنت أشعر كل مرة وأنا اقرأ أحد كتب علي الشوك. كتب خطتها ريشة فنان لا يغمض له جفن، فهو يقظ أبداً، يتسقط الكلمات ليصنع منها صوراً تتناثر منها المعاني في كل صوب. كُتب تنتعش بروح الفنان ويقظة عقل المفكر، وهذا سر من أسرار الكتابة عند علي الشوك، فهو ظل طوال حياته متأثراً بما كتبه مارسيل بروست ذات يوم: «تعلمت من خلال النشاط العقلي كيف أهتم بعالم متخيّل وأتعهده بالرعاية، وكيف أثابر على تنمية عمل من صنع خيالي».
ولهذا كانت روايات علي الشوك التي كتبها في أوقات متفرقة من حياته («الأوبرا والكلب»، «فرس البراري»، «السراب الأحمر»، «أحلام يوم الأحد»، «تمارا»، «فتاة من طراز خاص») صوراً أخرى من صور أحلام اليقظة التي كان يستغرق فيها أثناء القراءة: «كانت نسائي بطلات كتب. من هنا شغفي بالقراءة. دوّختني نساء تورغينيف، لا سيما بطلة الحب الأول. ودوختني الراقصة الأندلسية في قصة أندريه تيرييه، مع أنني كنت أخاف من الراقصات. ومزقتني ليزا بطلة «رسالة من امرأة مجهولة» لستيفان زفايغ. وحيرتني زينايدا بطلة قصة «رجل مجهول» لأنطون تشيخوف، بسبب تردّدها في اتخاذ موقف حاسم من الرجل الذي نذر نفسه لها. ولم أكن قد قرأت بعد رواية «الأحمر والأسود» التي ستصبح روايتي المفضلة على الإطلاق بعد أن تأسرني شخصية بطلتها ماتيلد بسحرها الهائل».

كتب غريبة المضمون
إن أحلام يقظة علي الشوك القارئ، تشبه روايات علي الشوك الكاتب الناضج في شيء واحد مهم، ألا وهو أن تلك الأحلام كانت عبارة عن كتب غريبة المضمون («الأطروحة الفنطازية»، «الدادائية بين الأمس واليوم»)، ودراسات تحمل التشويق والغموض («كيمياء الكلمات»، «جولة في أقاليم اللغة والأسطورة»، «تأملات في الفيزياء الحديثة»، «الثورة العلمية وما بعدها») وكتابات حاول أن يمتع نفسه بها: «إنني أكتب في الموسيقى لأمتع نفسي» («الموسيقى الإلكترونية»، «الموسيقى والميتافيزيقيا»، «أسرار الموسيقى»، «الموسيقى بين الشرق والغرب»)، وستصبح الموسيقى أيضاً مثل الرواية جزءاً من أحلام اليقظة التي سنتعرف إليها من خلال المعزوفات التي يستمع إليها: «تلك الأحلام التي كنت أستمع فيها إلى الموسيقى، إلى موسيقى من طراز خاص لم أعهده تماماً، في دنيا اليقظة، ثمة مكتبة موسيقية مكتبتي في آن، وهي مكتبة تجارية لبيع الأسطوانات الكلاسيكية في شارع الرشيد في الوقت ذاته، تلك هي مكتبة أحلامي التي كنت أستمع فيها إلى الموسيقى من أسطوانات كنت أتصفحها بسعادة فائقة وأختار من بينها واحدة. هي دائماً لموسيقي أعرفه جيداً في الحلم، ولا أذكره أو أعرفه في دنيا اليقظة».
ينطوي في حقيقته على شخصية عراقية كاملة المواصفات


في السنوات الأخيرة من حياته، سيكتب علي الشوك في سيرته «الكتابة والحياة» (2017 ـ دار المدى) بأنّه لو ترك الخيار له في الحياة، لاختار أن يكون موسيقياً. وقبلها سيخبرنا في مقال نشر في مجلة «المثقف» عام 1962 بأنّ «حساسيتي كانت متناغمة مع الموسيقى أكثر من أيّ نمط فني آخر». ولعل هذا هو السبب في الأسى الذي يبدو كأنه ينبع من قلب شخصيات رواياته. ويكمل الشوك: «وبالقدر الذي يُتاح لنا الاختيار، فالرياضيات كانت وما زالت هي الاختيار الثاني بالنسبة لي».
يتصل تكوين علي الشوك بقراءاته منذ صباه الباكر، التي مكنته من الاطلاع على كل ما هو جديد في عالم الأدب والعلوم. تلك البيئة التي ميزته عن أقرانه من معاصريه الذين امتهنوا حرفة الأدب. فقد كان لها من الأثر في فكره ووجدانه ما لم يكن للآخرين: «قراءة عامة باختيار دقيق. كنت أبحث عن ذاتي في الكتب، وكانت القراءة حلماً تعويضياً، مباهج القراءة تجعل من القارئ شخصاً مختلفاً. فالقراءة عامل تغيير». تلك المباهج التي سيصفها في مقال بعنوان «القراءة» بـأنها مثل مغارة علي بابا، لا تفتح أبوابها إلا بكلمة سر، وكلمة السر هنا، قدرة القارئ على إدراك ما يقرأ.

90 عاماً من الانشغال بالجمال
ظل علي الشوك طوال رحلته في عالم القراءة والكتابة والموسيقى والنظريات العلمية، يمثل طرازاً من الكتاب وهبوا حياتهم للقراءة وتأمل الحياة، مؤمناً بأن لا شيء في الحياة أعلى قيمة من الكلمة النابضة بالحياة: «إنّ معظم رواياتي قد لا تحمل تطابقاً تاماً مع الواقع، لكن معظم ما أكتبه يقوم على التعرف على الواقع أولاً، وعلى فهمه ثانياً، ثم كتابة نص تخييلي جمالي، يحمل أنساق الواقع لكنه لا يماثله».
سحر الكتابة هو الوصف الذي يمكن أن نطلقه على تجربة علي الشوك الذي يكشف لنا مدى قدرته على إيصال أصعب الأفكار وأعقدها بأسلوب مشوق قادر على إيجاد رابطة بينه وبين القارئ، لتقبل هذه دون عناء، مقدّماً لنا نموذجاً الكاتب المتميز، الذي يستند إلى أدواته في الدهشة والبساطة. وطيلة حياته التي قاربت التسعين عاماً، كان علي الشوك مشغولاً بالسؤال الجمالي، يلاحق مجتهداً مصادر الحياة في المجتمع، ويسعى لحمايتها من خلال الفنون والآداب. وكما كان كافكا يقول يبدأ الأدب حين يحول الـ «أنا» إلى الـ«هو»، حولت الروايات والفيزياء ومعهما الموسيقى علي الشوك المهووس بأحلام اليقظة، إلى علي الشوك الذي يُقدره القراء ويسعون لمتابعة نتاجه الثقافي.
في كانون الثاني (يناير) 2019، وفي غروب لا يشبه غروب بغداد، وفي لحظة تتداعى فيها الأمكنة والأزمنة، أنهى علي الشوك الفصل الأخير من رواية حياته وهو يلقي النظرة الأخيرة على عالم شرس كله قسوة وأوجاع. يفتش عن مهلة في الحياة تجعله يعيد حكايات الأصحاب وترف الأمسيات. يقول الروائي نيكوس كازانتزاكيس لزوجته في أيامه الأخيرة وعيناه مليئتان بالدموع: «أحسّ كأنني سأفعل ما تحدّث عنه برغسون: الذهاب إلى ناصية الشارع ومدّ يدي للتسول من العابرين: زكاة يا إخوان، ربعَ ساعة من كل منكم.. ما يكفي فقط لإنهاء عملي وبعدها فليأتِ شيرون، ناقل أرواح الموتى».

* كاتب عراقي ـ من أعماله: «غوايات القراءة»، «في صحبة الكتب» و«سؤال الحب»...



الأرستقراطي اليساري
تختلف الخلاصات النقدية للعمل المتشعب الذي جاءت عليه حقول الكتابة عند علي الشوك، وتتعدد بتعدد الأساليب التي ابتدعها صاحب رواية «موعد مع الموت» (2012 ــــ دار المدى). في المراجعات لتلك الرواية التي عنيت بالمصير الفجائعي الذي لاقاه الكاتب والمسؤول في وزارة الثقافة العراقية كامل شياع حين اغتيل في بغداد 2008 ويحيل عنوانها إلى آخر راسخ في ذاكرة القراء العرب خلال القرن الفائت، هو رواية البريطانية أغاثا كريستي، نجد تناولاً أقرب إلى السجال الفكري مع الشوك. وهذا ما تفعله الناقدة العراقية فاطمة المحسن.
ترى المحسن أن الراوي في «موعد مع الموت» ــــ عبر صوت البطلة شهرزاد ــــ سعى إلى مقاربة الجانب الغامض في شخصية البطل (يتماهى مع الكاتب القتيل رياض العبيدي). تحت عنوان «علي الشوك وموت كامل شياع» الذي نشر في موقع «الناقد العراقي» (16/2/2019)، كتبت المحسن: «كان رياض يبدو لي متناقضاً في تحضّره الثقافي العالي. وحتى في تفكيره السياسي. ومتخلفاً في رضاه بالوحل العراقي»، بل هو تمثيل لفكر ما بعد الحداثة «إنها الإفراط في قناعات ما بعد الحداثة. هذا الفكر ما بعد الحداثي الذي يحاول أن يضع المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على قدم المساواة، إنما يخلّد التخلف. إنها فلسفة ديموقراطية في ظاهرها، ولكنها غير تقدمية في جوهرها».
وما فعله الشوك في الرواية جاء متوافقاً مع «أرستقراطية يسارية» تنطوي على عنف خفي في الموقف من الناس البسطاء، «فهم يساريون بحكم قراءاتهم، أو أنّ حداثتهم جعلتهم يختارون اليسار فكراً، لكنهم مترفعون ودانديون على المكان العراقي الذي ينتمي إليه الناس من خارج طبقتهم» تكتب المحسن.
لكن ما فعله الشوك ليس من باب «اليسارية المترفعة على الناس»، بل هو توصيف للحقيقة العراقية الباهظة التكاليف حيث لا مجال لـ«مثقف حالم». فالكاتب هيثم حسين رأى في مقال نشره عام 2013 (موقع «الجزيرة) أنّ المصير الذي انتهى إليه الكاتب القتيل (العبيدي في الرواية/ شياع في الحقيقة) جاء حيث «يستعصي الحلم ويستحيل التغيير الذي كان منشوداً، ليجد العبيدي نفسه على موعد مع الموت» بعدما وقع في «فخّ المثاليّة»، وتحطّمت آماله وأحلامه «ليقرّ بصعوبة التغيير في الظروف القاهرة التي تجتاح البلد، ويسرّ لأصدقائه بأنّه سيعود إلى أوروبا بعد مدّة، لكنّ يد الجريمة لا تمهله».
وقد يكون استغراق الرواية في أجواء المثقّفين والنخبة، وانشغالها بسجالات الفكر والفلسفة والعلوم والآداب والفنون، توصيفاً يقترب من الحقيقة لمأزق الشوك (الأرستقراطي اليساري)، بل مأزق النخبة في المنافي حيث «تعيش التشظّي بين وطن منشود وملاذ آمن»
غير أنّ ما كتبه الشاعر فوزي كريم في صحيفة «الجريدة» عن الرواية التي تجمع صديقين شخصيين له هما الكاتب والبطل الضحية الحقيقية، يكاد يمضي أكثر نحو توصيف حال الراحل شياع: «انتسابه اليساري أخلاقي، وليس سياسياً. خرج من طبقة بغدادية متواضعة الحال. أسهم الفكر والأدب والفن في إعادته الحميمة إليها، لا في فصله عنها. ولا فاصل بين إصراره على العودة إلى العراق رغم مخاطر الاغتيال، ورغبته العميقة في الإسهام ببنائه وبين حبه لأكلة «التشريب العراقي»، وللعباءة العراقية السوداء. إنها رغبة جامحة لإعادة توازنه الذي أسهم المنفى والكتاب في زعزعته. إنه يريد أن يكون فيلسوفاً بمذاق التشريب، وحداثياً برائحة «فوطة أمه».