تحت شعار «من كل مدرسة كورال» التي تنظمها لجنة تخليد وتعميم تراث الفنان الموسيقي الراحل زكي ناصيف كمسابقة ونشاطات موسيقية وغنائية دورية أخرى، قررت اللجنة المسؤولة عن المسابقة (تأسست سنة 2009 برئاسة المايسترو الجنرال جورج حرو قائد موسيقى الجيش سابقاً، ثم تلاه بالرئاسة نبيل ناصيف وبقية الأعضاء) بالإجماع هذه السنة فوز الكورال المدرسي لـ «مؤسسات الإمام موسى الصدر» الذي شارك كعادته دائماً في هذه المسابقة، وكان دائماً يفوز بالجائزة الأولى سنتي 2013 و2017 أو الثانية خلال السنوات الأخرى تباعاً خلال هذه السنوات العشر. قرر أفراد اللجنة بالإجماع تكريم هذا الكورال ومنحه هذه السنة درعاً وجوائز تقديرية للتأكيد بصورة عملية وأكاديمية على أنّه أحد أهمّ الكورالات في الشرق. كذلك قررت اللجنة أنّه لا يمكن بعد الآن احتسابه أبداً مثل كورال هواة لأنه أثبت عملياً أنّه غدا بمستوى عال يمكن أن يتوازى عملياً بالكورال اللبناني والعربي الأكثر احترافاً وديناميكية واجتهاداً بين الموجودين على الساحة. وقد شارك الكورال هذه السنة حسب العرف في ثلاثة أعمال متنوعة كالتالي:

1- «وطني حبيبي» لزكي ناصيف: المقدمة الموسيقية تم غناؤها بشكل آهات مركبة بوليفونياً بإضافة صوت ثان على البعد الثالث في نهاية لحن المقدمة. وفي المذهب الغنائي الأول في جملة «يا وطني الغني»، تم عمل 4 أصوات متجانسة هارمونياً على الأصل كي يعطي زخماً سماعياً لكلمة «غني». وفي باقي المذهب، تم عمل أصوات counter voice متبادلة ومتجانسة بوليفونياً فوق اللحن الرئيسي وأحياناً أسفله على المنطقة المنخفضة من السلم الموسيقي وبحيث لا يطغى أو يتعارض مع اللحن الرئيسي. المبدأ نفسه أيضاً تم اعتماده للكوبليهات المتبقية وأيضاً للفاصل الموسيقي مع إضافة لوازم موسيقية (جمع لازمة) بأصوات الفتيات في بعض الأماكن المناسبة في الأغنية. 2- أغنية «مضويي مضويي» للأخوين الرحباني: تم عمل أدوار متبادلة في الجمل الغنائية ما بين أصوات الألتو والسوبرانو. في مجموعة من الجمل الغنائية حيث تمت إضافة أصوات متجانسة counter voice بوليفونياً على البُعد الخامس من اللحن الرئيسي. وفي بعضها على البعد الثالث منه، وتمت إضافة لوازم موسيقية من أصوات الفتيات في بعض المحطات الغنائية. وفي نهاية الأغنية، تمت إضافة لحن مبتكر ينخفض بدرجاته متعاكساً بتجانس مع اللحن الرئيسي الصاعد بدرجاته على نفس السلم الموسيقي. وفي هذه الأغنية، تم عمل ضربات بالأرجل متناسبة إيقاعياً وفلكلورياً مع الطابع العام للأغنية. وتضمنت الأغنية رش الورود من قبل الفتيات التي تتناسب مع الجمل الغنائية. وفي نهايتها، تم عمل حركات تعبّر عن المشي أو الركض كأنها بالتصوير البطيء التقطيع. وتكمن الصعوبة فيه أن الفتيات يؤدّين الأغنية بسرعتها الأساسية ولكن سرعة تحريك الجسد تكون متعاكسة بالتمبو البطيء.
٣- لونغا شاهناز أدهم أفندي: هي قطعة موسيقية تم تأليفها في الأساس لآلة العود والآلات الشرقية بشكل عام، وهي قالب موسيقي من نوع لونغا. تمّت تأديتها من قِبل الكورال بشكل صولفائي بأصواتهن، أي إنّ الكورال يغنيه بالنوتة الموسيقية كمن يقرأ النوتة فوراً، وهنا تكمن الصعوبة بحيث تتم تأدية قالب موسيقي في قالب غنائي. وتزداد الصعوبة في أن الفتيات يؤدّين حركات إيقاعية بالجسد متناسبة مع الطابع العام للجمل الموسيقية، وهذه الحركات تتم تأديتها خلال كل اللونغا بشكل كامل من دون نقصان ولا اختزال حتى لنوتة واحدة. وفي نهاية اللونغا، نرى الجرأة والاجتهاد في مفاجأة مبتكرة حيث تم تأليف صوت counter voice لتؤديه الفتيات، لكنه مختلف تماماً عن اللحن الرئيسي. وهو أيضاً متجانس لحنياً وإيقاعياً مع الطابع العام للجمل اللحنية بحيث يتسارع تمبو اللحن الموسيقي ليصل إلى ذروة سرعته في نهاية اللونغا ومعه تتسارع أيضاً الحركات الإيقاعية للفتيات لتصل إلى قمة الإبداع في سعة التعبير الموسيقي وانفتاحه على حركة الميلودي والهارموني بوليفونياً والذي يصل إلى المشاهد بطريقة إبداعية رائعة.
مَن هؤلاء المجهولات اللواتي يؤلّفن عناصر هذا الكورال المدرسي لـ «مؤسسات الإمام موسى الصدر» الذي يدعو للفخر وهو ينثر الدهشة والفرح من دون أن يلقى أيّ احتضان أو دعم لبناني رسمي أو شعبي أو عربي أو عالمي؟ وكيف وصل إلى هذا المستوى العالي الرفيع؟ ومن هم المعلمون أو الجنود المجهولون الذين أسّسوه ورعوه بالعناية الأكاديمية والتربوية والعاطفية والمعنوية؟
هذا الكورال المدرسي أُنشئ تحت شعار «الموسيقى للجميع» مركزه في الجنوب حيث تشدو فتياته (أكثرهن يتيمات) للوطن والحب والله. فتيات الفرقة التي تأسست منذ 13 عاماً، تخطّين صور ومنطقتها لتحتضنهن مسارح وكنائس وأديرة رغماً عن الحواجز المفتعلة بين المناطق والطوائف. وبكل الحماس والأمل، تواظب فتياته على إضفاء لمسات الفرح وبثّ نبضات المحبة في كل المناسبات والفصول. بالنسبة إلى المؤسسين، فهما الفنانة ديانا مصطفى وأخوها الفنان والموسيقي والموزع راجي مصطفى وهما من بنى الكورال المدرسي في مؤسسات الإمام الصدر من لا شيء فقط، بإيمان منهما بأن الموسيقى «أبعد من وسيلة ترفيه، بل يعتبران أنّ ما يقومان به هو مهمة إنسانية ووطنية وتربوية لمحاولة مراكمة البناء لتحسين الذوق العام». وهما لذلك يعتبران أنّ المطلوب هو إخراج الكورال من صالات النخبة وجعل نشاطه متاحاً للجميع، خصوصاً في الجنوب.
عام 2004، بدأت مرحلة التأسيس الفعلي للكورال بعدما اكتشفا أصواتاً جميلة بين الطالبات «يُفترض أن توضع في إطار عملي جميل». ثم شكّلا معاً نواة الكورال المدرسي من 20 فتاة في البداية. وكانت مشاركتهن محصورة في الاحتفالات والمناسبات الوطنية والدينية في محيط منطقة صور وضواحيها. ويضم اليوم ما يقارب 70 فتاة تراوح أعمارهن بين 7 سنوات و18 سنة. بالنسبة إلى هؤلاء، لا يمثّل نشاطهن هواية فحسب، بل بات جزءاً لا يتجزأ من حياتهن في المؤسسة. إذ إن كثيرات منهن من القسم الرعائي في المؤسسة، وهنّ يعشن أوضاعاً اجتماعية صعبة باليتم أو غيره. لذلك يشعرن بأنهن ينتشلن الفرح من قلب الحزن والألم لِيُعِدنه بالمحبة والانفتاح على الحياة وفرح الاحتفال بها من أجل التحدي بالعطاء والإبداع الموسيقي الصادر من القلب، لتحقيق الذات التي تعرف كيف تحتفل بإنسانيتها بلا خوف أو كسل أو قنوط!
ساعات طويلة تقضيها الفتيات أسبوعياً للتدرب على الأداء المكثّف من قِبل المدربين ديانا وراجي مصطفى. ورغم أن هذه عملية متعبة، قد تستغرق عامين قبل أن تعتلي إحداهن المسرح، إلا أنهن يصررن على المثابرة والنجاح. ومن اللافت والمثير أن ترى مجموعة من الفتيات المحجبات من جنوب لبنان يشاركن في مسابقات دورية لمدة عشر سنوات على صعيد لبنان وهي مسابقة زكي ناصيف في الجامعة الأميركية في بيروت وينتزعن الإعجاب والاحترام كما لم يفعله كورال آخر على مستوى المدارس اللبنانية كلها! تجوب الفتيات أنحاء لبنان ويتنقلن بين الكنائس والأديرة والجامعات والمدارس، مؤكّدات أن الموسيقى لغة حبّ ووسيلة علم وغذاء للروح.

درع وجوائز تقدير للتأكيد على أنّه أحد أهمّ الكورالات في الشرق


آخر أبرز استعراضاتهن، مشاركتهن في 18 كانون الثاني (يناير) الماضي في حفلة للأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج الذي دعا الكورال إلى إحياء الحفلة بعدما أعجب بثبات الصوت ورقي الأداء وشغف الفتيات المشاركات، وذُهل بالمستوى العالي. الكورال المدرسي جزء لا يتجزأ من رسالة «مؤسسات الإمام الصدر» الهادفة إلى الوصول إلى مجتمع متطور ومؤمن بالعدالة الاجتماعية القائم على التعايش المشترك ونشر المحبة بين مختلف أطياف المجتمع اللبناني. وهذا الشيء يترجم الارتقاء بالكورال المدرسي والتأثير الإيجابي على حياة الفتيات الاجتماعية وتحسين الذائقة السمعية والموسيقى عندهن.
أما عن ديانا وأخيها راجي مصطفى، فسنتكلم موجزاً عن كفاءتهما العلمية. فديانا مصطفى حاصلة على دبلوم من الكونسرفتوار اللبناني في اختصاص على آلة العود. درست الغناء الشرقي ست سنوات، إلى جانب إمضائها سنوات على آلتي الغيتار والكمان. أصدرت مقطوعة موسيقية من تأليفها قامت بعزفها الأوركسترا الشرق عربية اللبنانية. وهي تتشارك في تأليف مقطوعات موسيقية عدة مع أخيها. وديانا هي نفسها قائدة الكورال المدرسي لـ «مؤسسات الإمام الصدر»، وتتشارك في تدريبه مع راجي مصطفى، وهي أيضاً معلّمة مادة التربية الموسيقية في «مؤسسات الإمام الصدر» والمنسّقة الموسيقية العامة لأقسام المدارس (الحضانة، الأساسي، المهني المعجل، وقسم التربية المختصة لذوي الاحتياجات الخاصة) وللعديد من الأنشطة الموسيقية المختلفة التي يتشاركونها. أما أخوها راجي مصطفى، فحاصل على دبلوم من الكونسرفتوار اللبناني في اختصاص الصولفيج الشرقي. درس لسنوات مادة التأليف الموسيقي والبيانو وآلة الناي. أصدر دراسات عدة في الهارموني والكونتربوا والتوزيع الأوركسترالي وتكنولوجيا الموسيقى وهندسة الصوت. كما هو حاصل على إجازة في المعلوماتية الإدارية. أصدر مؤلفات موسيقية عدة عزفتها الأوركسترا الشرق عربية اللبنانية في حفلاتها، وهو أستاذ مادة الموسيقى في أقسام عدة في مؤسسات الإمام الصدر (التربية المختصة لذوي الاحتياجات الخاصة، المهني المعجل)، ومدرب الكورال المدرسي لمؤسسات الإمام الصدر بالمشاركة مع أخته ديانا مصطفى، ومدرب للعديد من الأنشطة الموسيقية المختلفة. وهو الموزّع الموسيقي وكاتب الـ musical score الخاص لأعمال هذا الكورال وعازف الأورغ والبيانو الخاص بهم. يمتلك راجي استديو يعمل فيه منذ حوالى 20 عاماً. وله أيضاً برمجيات لقواعد البيانات في مؤسسات تجارية وطبية عدة. ديانا وراجي مصطفى يسعيان دائماً لتطوير وإنماء العمل الموسيقي بشكل عام والكورال المدرسي بشكل خاص، وينظران إلى مهنتهما كأساتذة موسيقى بما يتخطّى المهنة إلى الرسالة بشغف وطموح دائم يدفعهما للتمسك بإنسانيتها في الاهتمام بتطوير قدرات فتيات المؤسسات لما في ذلك من أبعاد اجتماعية وأخلاقية وعلمية ومعنوية وجمالية لا تخفى على اللبيب.

https://www.facebook.com/100022016315723/videos/46977106710010