ذات مرّة، استعطف بعض صنّاع «باب الحارة» أحد المؤرخين الدمشقيين ليكتب مقالاً ينصف فيه السلسلة المعروفة، ويخالف انتقاداته السابقة التي اعتبر فيها أنّ المسلسل بمثابة تزوير محض لتاريخ أقدم عاصمة مأهولة! وبالفعل، نسف الرجل موقفه بمقال نشرته الصحافة السورية، مهللاً للعمل، ومعتبراً إياه حالة افتراضية بغض النظر عن التناقض الصارخ بين موقفَيْه!

طبعاً على صعيد فني، لم يؤخذ رأي المؤرّخ على محمل الجدّ، فالرجل يكاد لا يفقه شيئاً في البناء الدرامي، إذ إنّ المسلسل يستخدم مفردات ويظهر أعلاماً ويأتي على ذكر المستعمر الفرنسي وبعض الأحداث التاريخية، بطريقة لا تعفيه من أن يكون مجرّد خيال. فعلياً، عاثت «حارة الضبع» وشبيهاتها من الأحياء والشخصيات التي ظهرت في هذا النوع التلفزيوني خراباً في تاريخ الشام، ولعلّ بعض الأعمال الأخرى مثل «الحصرم الشامي» (كتابة فؤاد حميرة، وإخراج سيف الدين السبيعي) و«طالع الفضة» (كتابة عنود خالد وعباس النوري، وإخراج سيف السبيعي) و«حرائر» (كتابة عنود خالد، وإخراج باسل الخطيب) قد عدّلت المزاج نسبياً بجرعات من التوثيق الممزوجة بمنطق التسلية والترفيه.
كما كلّ سنة، سيكون العمل الشامي في 2019 طبَقاً حاضراً على مائدة رمضان عبر خمسة مسلسلات على أقل تعديل، امتثالاً لرغبة المحطات العربية ومطلب السوق. أما بالنسبة إلى جمهور التلفزيون، فإنّه يستسهل تلقّي مثل هذه المادة أو ربما يتعاطى مع الشاشة الصغيرة على أنّها فقط حالة ترفيهية لا يمكن تحميلها أي مضامين أو قيم فنية في مطرح ما.
البداية كانت مع الصراع الذي احتدم حول ملكية السلسلة التلفزيونية الأكثر شهرة (ورداءةً) في تاريخ الدراما السورية، أي «باب الحارة». سريعاً، أحكم المنتج السوري محمّد قبنّض الخناق على خصمه بسّام الملا (شركة «ميسلون»)، وهذه المرة بقرار محكمة صدر بتاريخ 2 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2018 قضى بتثبيت ملكية الجزء العاشر من المسلسل لـ«شركة قبنّض». لذا، عجز الملّا عن إنجاز جزء جديد، رغم تكليفه فؤاد شربجي بكتابة نصّ الجزء العاشر، وإسناد مهمة الإخراج لأخيه مؤمن الملا وتوزيع الأدوار الرئيسة على مجموعة ممثلين جدد؛ من بينهم: سلّوم حداد وصفاء سلطان، تزامناً مع إعادة نزار أبو حجر بعدما استبعد عبّاس النوري ومصطفى الخاني، مع احتفاظ صباح الجزائري وميلاد يوسف وشكران مرتجى ومحمد خير الجرّاح وغيرهم بأدوارهم. وأوعز «الحجّي» قبنض بتصوير «باب الحارة 10» (كتابة مروان قاووق، وإخراج محمد زهير رجب ــــ بطولة: نجاح سفكوني، قاسم ملحو، زهير عبد الكريم، مرح جبر، فاتح سلمان، ناظلي الروّاس، جوان خضر، وعادل علي ــــ lbci، وldc، و«السومرية»، و«الكويت»).
تعتمد الحكاية الافتراضية على فكرة تعرّض الحارة الأساسية للقصف، ونزوح أهلها نحو أحياء جديدة. تحط القصة بحسب صنّاعها في «حي الصالحية» وترصد شخصياتها الأساسية وتلك التي نزحت من «حارة الضبع»، في محاولة تخليص العمل من إشكالية غياب نجومه الأساسيين، ومكانه الأصلي، مع ترجيح غالبية المراقبين لأن تكون النتيجة مسلسلاً مختلفاً لا يحمل من السلسلة الشامية الشهيرة إلا اسمها!
على خط موازٍ، تجترّ الشركة نفسها أحداثاً مضافة لسلسلة «عطر الشام» في جزء رابع (تأليف أحمد حامد وإخراج محمد زهير رجب)، بينما تدخل «المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني» على خط الدراما الشامية من خلال «شوارع الشام العتيقة» (تأليف علاء عسّاف، وإخراج غزوان قهوجي ــــ بطولة: رشيد عسّاف، صباح الجزائري، مرح جبر، عاصم حوّاط وجانيار حسن)، ولا جديد يضاف على راكورات البيئة التي حفظناها عن ظهر قلب!

نشاهد سلافة معمار وهي تدير «خان الدكّة»، وهو أشبه بماخور تُنسج في كواليسه مؤامرات السلطة


أما كفّة الميزان في هذا النوع، فسترجح هذا العام لعملين، هما: «حرملك» (كتابة سليمان عبد العزيز، وإخراج تامر اسحق، وإنتاج «كلاكيت» ــــ lbci، «لنا»، وmbc)، و«سلاسل دهب» (تأليف سيف رضا حامد، وإخراج إياد نحاس ــــ بطولة: بسام كوسا، عبد الهادي الصبّاغ، كاريس بشّار، ديمة بيّاعة ومهى المصري… lbci، وldc، و«دبي»). كان اسم الأوّل «أيّام التوت» قبل أن يقرر نجّار تغييره، علماً بأنّ نصاً آخر لخلدون قتلان يحمل الاسم نفسه، وتملكه الشركة نفسها، وقد شارفت مراراً على بدء تصويره وعادت لتلغيه في اللحظة الأخيرة، ثم وصلت الأمور إلى المحاكم القضائية بينها وبين كاتبه! على أي حال، ارتأت الشركة تطوير نص عبد العزيز وما تملكه وقد دفعت ثمنه من قبل ليصبح 90 حلقة، ويقدّم على ثلاثة أجزاء بدءاً من هذا الموسم، فيما تؤدي بطولته مجموعة كبيرة من النجوم، هم: جمال سليمان، عبد الهادي الصبّاغ، باسم ياخور، صفاء سلطان، سامر المصري، سلافة معمار، وهبة نور، أحمد الأحمد، جيني إسبر وديمة حايك من سوريا، والمصري أحمد فهمي، والتونسية درّة زروق التونسية. ينطلق العمل من مرحلة تاريخية غنية وهي الفترة التي بدأت تتفكك فيها الإمبراطورية العثمانية، وراح الغرب يتدخل في تفاصيل الحياة السورية، وانتشرت حينها طقوس مثل «ليالي الأنس» ونشطت حالة الجاسوسية! هنا، تلاحق الحكاية «الكيخيا»، الشخص الذي يتولّى قضايا الجيش والأمن. يقتل صاحب المنصب فيخلفه شخص جديد (جمال سليمان) يضطر إلى التحقيق في الجريمة. ومن هنا، يبدأ بكشف جانب من حياة بعض الشخصيات المهمة، وبالتالي يقدّم ملمحاً من الكواليس الاجتماعية الدمشقية في تلك الفترة الحساسة، فيما نشاهد سلافة معمار وهي تدير «خان الدكّة»، وهو أشبه بماخور تدور في كواليسه ترتيبات ومؤامرات السلطة، عندما يسهر فيه عليّة القوم ويقعون في حب بائعات الهوى! المعطيات والمرحلة الزمنية سبق تقديمها في أعمال سورية عدّة، أهمّها «الحصرم الشامي» (فؤاد حميرة وسيف الشيخ نجيب) وقد منعت الشركة المنتجة أياً من ممثليها من التصريح أو نشر صورهم أثناء العمل. وحده «أبو صالح» (دور جمال سليمان في «التغريبة الفلسطينية» لوليد سيف وحاتم علي) تجاوز تعليمات الإنتاج وصرّح عن دوره للصحافة الإلكترونية. اللافت أن منافسة شرسة كانت تجري في الكواليس بين منتج «حرملك» وغولدن لاين» (ديالا ونايف الأحمر) التي تنتج عملاً من النوع نفسه هو «سلاسل دهب» (تأليف سيف رضا حامد، وإخراج إياد نحاس ــــ بطولة: بسام كوسا، عبد الهادي الصبّاغ، كاريس بشّار، ديمة بيّاعة ومهى المصري… lbci، وldc، و«دبي»). فقد اشترطت الشركتان على العاملين معهما ألا يكون أي منهم موجوداً في العمل المنافس. وحده عبد الهادي الصبّاغ كسر القاعدة ولعب في المسلسلين! القصة في «سلاسل دهب» تدور حول صائغ محتال اسمه «مهيوب» (بسّام كوسا) يحيك خيوطه حول مجموعة نساء يقعن في غرامه ويتزوج كلّ واحدة لغاية معينة، ومن بينهن: «دهب» (كاريس بشار) وزكية (ديمة بيّاعة)!