تحتل أعمال الإيرلندي صموئيل بيكيت موقعاً فريداً فوق خارطة الأدب العالمي. مسرح بيكيت ـ كما رواياته ـ أشبه بمونولوج داخلي ضخم، ينتصر فيه العالم الداخلي للإنسان على العالم الخارجي. ومن داخل الأصوات المتعددة لهذا المونولوج، تنبثق شخصيات تثير وتدهش وتضع أقدامها بثبات وثقة على المسرح. قلة هم الكتاب مثل بيكيت الذين حكموا بضرورة هجر لغتهم الأم من أجل ابتكار كتابة جديدة (كتب بيكيت قسماً كبيراً من أعماله بالفرنسية). قد يُظلم مسرح بيكيت حين يُنعت بـ «مسرح الفكرة المجردة»، لأن عمله المسرحي يشهد على البؤس والوحدة الملازمَين للشرط الإنساني، والصعوبة الجذرية للكينونة أو الفعل. عبثية بيكيت لا تنافي أنه يبحث في كتابته عن المواجهة ومقاومة البؤس والانسلاخ وتسرب الزمن. كما أن الدعابة تكاد تكون الأصل الثابت في عالم بيكيت المجرّد والممتلئ بالهامشيين من المتسكعين والرحّل والمنفيين والمهرّجين والعجزة والمرضى المربوطين إلى الحياة بخيط رقيق، خيط هذرهم وعبثهم. الكتابة لدى بيكيت أقرب إلى لغة الشعر، فخلف الطرفة أو البُعد النفسي تُسمعنا صوتاً متفرداً: تشكل اللغة العامل الرئيس في الدراماتورجيا... عامل مهدد دائماً بفقدان المعنى والإمّحاء في العدم، لكنها لغة دائمة الانبعاث (حتى في العري المطلق لأعماله الأخيرة) لتعلن عن الرغبة في العيش.


ديك الجن: هناك طبقتان في نصوص بيكيت: طبقة ميتافيزيقيّة وطبقة رثائيّة

يعتبر بيكيت الثالث في ثالوث «غرباء» صنعوا المسرح الطليعي في باريس القرن الماضي، هو ويوجين يونيسكو وجورج شحادة. ولئن ألهمت تلاعبات ألفرد جاري اللفظية يونيسكو، وأرخت غنائية لوركا بظلالها على أعمال شحادة، فإن البصمة الواضحة التي طبعت الحوار الداخلي في أعمال بيكيت هي من إرهاصات لقائه بمواطنه الكبير جيمس جويس في عشرينيات القرن الماضي وتعرّفه إلى العوالم الداخلية التي يبتدعها جويس في رائعته «عوليس». ولد جويس عام ١٩٠٦ في ضاحية فوكسروك الميسورة في دبلن، وهو الابن الثاني لعائلة بروتستانتية محافظة. منذ العاشرة من عمره، سيقصد الفتى صموئيل «ترينيتي كولدج» ـ أقدم جامعة في إيرلندا ــ للدراسة. هناك، سيتعرف إلى أعمال الفرنسيين رونسار وراسين وكورنيّ وليون بول فارج. وفي دروس الإيطالية، سيتعرف إلى أعمال بيترارك وآريوست ودانتي. بعد لقائه بجويس وبمشورة من هذا الأخير، نشر بيكيت عام ١٩٢٩ عملاً نقدياً أولياً يتناول فيه أعمال دانتي وبرونو وفيكو وجويس. وفي السنة ذاتها، سينشر عمله القصصي الأول Assumption في دورية أميركية تديرها الناقدة الأميركية أوجين جولاس. عام ١٩٣٢، ينتقل بيكيت إلى باريس، حيث ينجز ترجمة لـ «المركب السكران» لرامبو إلى الإيرلندية، ولترى أولى رواياته «مورفي» النور عام ١٩٣٨ بعد ٣٦ رسالة رفض من قِبل الدور الباريسية. سينتظر بيكيت فترة طويلة ليعرف شهرة مسرحية تجوب الآفاق: عام ١٩٥٣، رائعته «في انتظار غودو» ستشقّ طريقها للمسرح عبر المخرج روجيه بلين وتعرف رواجاً منقطع النظير، كما سيشهد عرضها معارك باللكمات بين المشاهدين، لتعتبر نقطة تحوّل من المسرح التقليدي إلى المسرح الحديث... تبدأ معها مسيرة بيكيت ككاتب درامي، وتكرّ سبحة الأعمال الدرامية، إضافة إلى نصوص نثرية وقصصية عدة. لم يخفِ بيكيت أيضاً اهتمامه بالعلاقة بين الكلمة والصورة، فكتب للتلفزيون مقطوعات عديدة مثل «ثلاثية الأشباح» (١٩٧٧)، و«لكن الغيوم» (١٩٧٧)... أثناء إقامته في باريس إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية، انضم بيكيت إلى خليّة سرية للمقاومة الفرنسية تسمّى «غلوريا» ليتولى ترجمة المعلومات من الإنكليزية لهذه الخلية ولتكافئه الحكومة الفرنسية بصليب الحرب بعد هزيمة ألمانيا النازية.
عمله المسرحي يشهد على البؤس والوحدة الملازمَين للشرط الإنساني

سنوات ما بعد الحرب، ستشهد غزارة لدى بيكيت في نشر القصص والقصائد في دوريات باريسية مرموقة مثل «دفاتر الفن»، و«فونتين»، «ترانزيسيون» و«الأزمنة الحديثة»... دوريات جمعت كتّاباً وفنانين مثل اندريه بروتون، وبول إيلوار، وجورج دوتويت، وجان بول سارتر ممن سيشترك معهم بيكيت في نقاشات في صميم الثقافة والأدب والفن، ويتكرّس بيكيت كاتباً في المسرح والسينما والتلفزيون والراديو وتُعرض مسرحياته في جهات العالم الأربع. حقبة الستينيات ستنطبع بفوز بيكيت بالعديد من الجوائز الأدبية أهمّها «نوبل» عام ١٩٦٩. بعد سنوات، وكلّما اقتربنا من تاريخ وفاته عام ١٩٨٩، اتجهت كتابة بيكيت نحو الأسلوب المينيمالي والتجريبي. تلوّنت بتيمات تضفي عليها طابعاً من الظرف والتشاؤم وتكثر فيها «حفريات» بيكيت الأثيرة حول الوقت والانتظار والوحدة واليأس والأمل، حيث ينتشل بيكيت الواقع الإنساني من مشاكله الثانوية ويقدمه لعبةً حيةً مضغوطة كمارد في قمقم. قد يكون مسرح بيكيت صعباً، وهذا ما يقوله بيكيت نفسه حول عمله الأهم «في انتظار غودو»: «إننا أمام عمل يقدم تعبيراً صريحاً مباشراً، فإن أنتم عجزتم عن فهمه وإدراكه، فالعيب فيكم وليس فيه. وما ذلك إلا لأنكم تعوّدتم أن تروا شكل العمل الفني منفصلاً عن مضمونه. تعوّدتم أن تتلقوا المضمون من غير أن تكابدوا تجربة الشكل». نقطة انطلاق بيكيت تأتي من تحت، من الواقع، فتبلغ به بفعل عمق النظرة وشمولها وبساطتها المؤذية حدّ التجريد واللامنطق بحيث يبدو التجريد أشدّ الفنون الواقعية وأكثرها تعصّباً للحقيقة الإنسانية في كل زمان ومكان. المسرحي الراحل عصام محفوظ الذي قدم ترجمة «في انتظار غودو» للمرة الأولى إلى العالم العربي على خشبة «مسرح بيروت» عام ١٩٦٧ (إخراج شكيب خوري ـ بطولة روجيه عساف ونبيه أبو الحسن وشكيب خوري ورينيه شمالي) قال عن بيكيت: «يقول يونيسكو إنّ المسرح قبله لم يكن غير بوليسي، ويقول بيكيت إنّ المسرح قبله كان سيكولوجياً في أحسن ما كانه. لكن السيكولوجي والبوليسي والواقعي لم يكن كافياً للتعبير عن حقيقة العصر، وكان المسرح على وشك أن يعود إلى الوراء لعدم قدرته على المشاركة حتى جاء بيكيت ورفاقه، فأعادوه على قدميه بعدما كان واقفاً على رأسه، عكس ما يُخيّل لكثيرين».