كيف يتحوّل الرعب المُتخيّل إلى رعب حقيقي؟ هل يشتدّ الرهاب النفسي إلى درجة تستقلّ مخاوفنا عنا وتصبح لها حياة خاصة بها، فتتكلم فعلياً وحتى تهدّد بقتلنا إذ لم ننصع لها؟ هذا ما يفكر فيه الموسيقي توم سلزنيك المصاب برهاب المسرح، حين يجلس أمام البيانو ليعزف أمام الجمهور ويقرأ بين النوتات سطراً مكتوباً بالخط الأحمر: «اعزف نوتة واحدة خاطئة وسأقتلك». توم مثل المشاهد يتساءل بقلق ما إذا كان يتخيّل كل ذلك أم أن رهابه النفسي بلغ حدّ الجنون. يقلّب توم برعب بين الأوراق وينفّذ ما تأمره به، فينسحب فجأة من خشبة المسرح ليذهب إلى حجرته حيث يجد سماعة يضعها على أذنه، فيكتشف أن مخاوفه قد طورّت صوتاً خاصاً بها تخاطبه به وتأمره بالعودة إلى المسرح للعزف. «البيانو العظيم» للإسباني أوجنيو ميرا ليس فيلماً عن موسيقي مجنون وإن كان يوحي لنا بذلك في بدايته. إذ سرعان ما نكتشف أنّ قاتلاً فعلياً يتربص بتوم سلزنيك الذي يلعب دوره إليجا وود، لكن الحبكة الروائية التي بني على أساسها الفيلم هي التي تخرج تماماً عن المألوف وتضعنا أمام فيلم تشويق فريد من نوعه بالأبعاد النفسية التي ترمز إليها الحوادث والشخصيات.


رغم أنّ مَن يطارد توم هو شخص حقيقي كما يصوره الفيلم، إلا أنّه يبدو كأنما هو خوفه، تقمص صورة هذا الرجل، ما يذكر إلى حدّ ما بهيتشكوك في حواراته ورمزية الرعب الذي يجسده الفيلم أكثر منها في لغته السينمائية. الفيلم لا يخلو من الطرافة عبر هذا الموقف الذي يبدو سوريالياً، حيث يتحدث توم مع الشخص الذي يهدده عبر السماعة ويغادر المسرح ويعود إليه وهو ينفذ أوامره بينما الجمهور يفسّر ذلك بغرابة أطوار الموسيقي ويستمر بالتصفيق حتى النهاية. السبب الذي يدفع جون كوزاك الذي يلعب دور كليم لمطاردة الموسيقي وتهديده عبر السماعة بقتله أو قتل زوجته، ليس هو المهم فعلاً. الممتع أكثر هو مراقبة التفاعل بين هذين الممثلين والحوارات المحتدمة التي تدور بينهما التي تجسد بذكاء لا يخلو من السخرية معركة المرء مع ذاته، خصوصاً أنّنا لا نرى كوزاك إلا في نهاية الفيلم. طوال الوقت، لا نرى من كوزاك سوى صوته الذي يطارد توم الذي يسمعه وحده. المذهل أنه في ظل تهديد كليم له والرعب الحقيقي الذي يواجهه، ينسى توم رهابه النفسي ويعزف ببراعة لا مثيل لها، ويذهب ليواجه كليم بشجاعة مبهرة بالنسبة إلى هذه الشخصية الخائفة المتردّدة التي تطالعنا في أول الفيلم. كأنما كليم ليس هنا إلا لمساعدته على تخطي خوفه. لا يبدو اختيار خشبة المسرح كساحة لهذه المعركة اعتباطياً. منذ صعود توم إلى الخشبة، ينفصل عن العالم الخارجي، وتتحول الخشبة إلى مسرح لكل تجسدات اللا وعي، كما الدخول إلى صالة السينما الذي يشبه تجربة الحلم بحسب التحليل النفسي .




Grand Piano: صالة «أمبير بروميير» ـ للاستعلام: 1269