ضمن «هوا الحرية» (lbci) مساء الاثنين الماضي، خرج ما بات يسمى اليوم بـ «الناشط»، عبد الله عقيل، من وراء الشاشة الافتراضية، إلى استديو تلفزيوني، ليواجه بعد الشريط الذي صوّره عن «العنوسة»، ثلاث نساء (منى يعقوب، باتريسيا مشنتف، وإليانا نعمة)، حول مضمون ما قاله، على خلفية انتشار دراسة تدّعي بأن لبنان احتلّ المرتبة الأولى في «العنوسة».

مواجهة (25 دقيقة)، كانت كافية، لتبيان مدى هشاشة وضحالة ظواهر السوشال ميديا. خلال النقاش، بدت الفجوة واضحة بين نساء، يتمتعن بثقافة ورؤية عصرية لأوضاعهن، وبين رجل، كل ذنبه ربما، أنه كان يتحدث مع مجموعة نسوة، بطريقة فكاهية، وباللكنة الجنوبية، ولاقى الفيديو الذي صوّره رواجاً عالياً، فأدخل صاحبه متاهات الشهرة. في بعض ثنايا هذه المواجهة، خرجت كلمة «مسؤولية اجتماعية»، من يعقوب، لتنذر عبرها، عقيل، بأن ما يقوم به، ويبثه من أفكار، على هذه المنصات، يحتاج إلى الانتباه والتحلّي بالمسؤولية، خاصة أنه يصل إلى آلاف المتابعين. الأخير بدا حتى جاهلاً بقواعد السوشال ميديا، حين اعتبر بأنه تمت سرقة الفيديو الذي يخاطب به المرأة اللبنانية، لينتشر بعد ذلك كالنار في الهشيم على المنصات الافتراضية. طبعاً، لم يعِ الشاب الجنوبي، أن مجرد تسجيله فيديو حيّاً (live)، على صفحاته الاجتماعية، سينتشر تلقائياً أمام مئات الناشطين.

أركاديو ــ بنما

ما ظهر من هشاشة فكرية وثقافية، في محاججة عقيل للصبايا، حتى في دفاعه عن مضامين الفيديو الشهير، يعود بنا، إلى نقاش يتجدّد كل مرة، عن الظواهر على السوشال ميديا، واتكاء الميديا التقليدية عليها، بل النفخ بها (شاهدنا عقيل ضيفاً على برنامج «لهون وبس» في كانون الثاني/ يناير الماضي)، كرمى لعدد المتابعين الذين راكمتهم هذه الظواهر. لا شك في أنّ عقيل يعامَل اليوم كـ«نجم» من نجوم مواقع التواصل الاجتماعي. وعليه، يتمتع بمكانة قدمتها له الأرقام التي حققتها فيديواته الساخرة والفكاهية الاجتماعية، من دون أن يلتفت إلى قاعدة أساسية، ألا وهي ما يقال على المنصات. بمعنى أنّ حملات تشنّ على عقيل، الذي يعيش في ذهنية اجتماعية مرّ عليها الزمن، ويعيد إنتاجها اليوم، على طريقته الساخرة، من دون أن يدري، أن هذا الأمر، بات محارباً من قِبل كثيرين، كسروا أحكاماً اجتماعية بالية، وكرّسوا مفاهيم بديلة.
ومن عبد الله عقيل، إلى الظاهرة/ الأم ـ إن صح التعبير ــ أمل حمادة. إن نقرنا اسمها على «ويكيبيديا»، نخرج بانطباع أن المرأة فعلاً كانت ذات شأن، تمارس دور «الناقدة»، و«الناشطة»، على المنصات الاجتماعية. حمادة التي غابت عنا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تركت أثراً، في حياتها وبعد مماتها. صدفة تلفزيونية (2014) أتت بها من الشارع إلى أحضان الشاشات المحلية، وفيديوات السوشال ميديا. بعفويتها وصراحتها الجارحة في بعض الأحيان، خاصة حيال نجوم لهم وزنهم على الساحة اللبنانية، استطاعت حمادة قطف عدد هائل من المتابعين والمعجبين، وبات اسمها بفعل هذه المنصات، وتفاعل الناس معها، له ثقله وتأثيره، بغض النظر عن فحوى ما تدلي به، وهو يقع غالباً، في خانة الأحاديث الشعبية، والأحكام المتداولة من دون أن تتكئ على إطار علمي أو حتى منطقي. نأتي أخيراً، على ذكر، اجتياح أغنية «آه يا حنان» المنصات الافتراضية، لنكون أمام شاب سعودي يدعى حمدي، أطلق على نفسه لقب «أسير الأحزان»، عبر مجموعة فيديوات شخصية، كان يدأب على تصويرها مراراً، ليتحدث عن حبيبته حنان، وحبه لها، ووجعه بسبب خيانتها وكذبها عليه. هكذا، في غضون أيام قليلة، كنا بالفعل أمام ملايين المشاهدات، وأمام تركيب أغنية (remix) قام بها غابي غزال، على كلام الشاب السعودي، لتجتاح الأغنية، بدورها، السوشال ميديا، والملاهي الليليلة، وعقول الناشطين. «آه يا حنان»، انطلقت من تجربة شخصية، لأحد الناشطين، الذي لم يكن أحد ليسمع به لولا هذه الوسائط، فإذا به يتحوّل إلى نجم، وتحولت الأغنية الهابطة إلى «تراند». شبكة «بي.بي.سي. عربي» نشرت الاثنين الماضي، قصة هذا الشاب ضمن برنامج «تراندينغ»، وبدأت بعدها سلسلة تعليقات سلبية حول «هبوط» الشبكة البريطانية، إلى هذا المستوى. طبعاً، يُثار نقاش هنا حول تجاهل أو إبراز هذه الظواهر، لكن ما قدمه أحمد فاخوري حقيقة، كان بمنتهى السلاسة، إذ تعاطى مع الحدث بطريقة حرفية، لا تنزلق نحو «الميوعة»، ولا ترتفع باتجاه الجدية العالية. وهنا، يبرز التحدي الأكبر لتناول ظواهر لا يمكن تجاهلها في برنامج مخصص للحديث عن «حراك» السوشال ميديا، مع التنويه طبعاً، بمساحة نقدية حول ما ينشر ويُتفاعل معه هناك.