يُقدم الروائي سنان أنطون (1967 ـــ مواليد بغداد)، التحولات الاجتماعية وتداعيات انهيار سلطة وقيام بديلة على أنها «تغريبة عراقية» متسلسلة تستحدث نفسها وتتكيّف.

الأعمال الروائية الأربعة التي قدّمها أنطون ـــ وهو شاعرٌ أيضاً ــ («إعجام»/ دار الآداب 2003 ــــ «وحدها شجرة الرمان»/ العربية للدراسات والنشر 2010 ـــ «يا مريم»/ منشورات الجمل 2012 رُشّحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية لعام 2013 ـــ «فهرس»/ منشورات الجمل 2016)، تُشكل شهادة لذيذة ومؤلمة لتنويعة «القمع/ الحرب/ الميتات المفجعة/ اليأس» وقوّتها العتيدة بتهشيم المجتمع وتحطيم الفرد.
يفتل أنطون خيطاً دقيقاً بمنتهى القوة بمغزل العين النقية التي تلقط المآسي وتنسجها مجدداً كصورة دقيقة التفاصيل. يستثمر الطاقة الحسّية للحدث. اللغة عنده تركيبة وازنة لها وظائفها التي يتركب بها الحدث، يُبنى أو يتلاشى، وأهم وظائفها أن تعبّر إنسانياً عن الهم الاجتماعي (رواية «يا مريم»)، أو تحشد كل جمالياتها البارعة في التوصيف والتوصيل والدلالة المبهرة واستضافة التاريخ الغامض لجماعة طائفية لها مبانيها الميثولوجية (رواية «وحدها شجرة الرّمان»)، أو القوة النفيسة للروح الهائمة وهي تقفز من دائرةِ إلى دائرة، كزمنٍ حلزوني لا ينتهي؛ كل نقطة فيه بداية تستحدث نفسها وتبتلع التي تليها، ثقب هائل لا يشيخ (رواية «فهرس»)، أو (إعجام) حفريات العثور على الذات وإعادة اكتشافها.
بدءاً من «إعجام» وحتّى «فهرس»، يُمتّن أنطون شهادته عن المأساة العراقية، كشاهد حريص لا ينسى التفاصيل المُرهقة التي تعذّب الضحايا حتى بعد أن يموتوا وتظلّ عيونهم مندلعة ترّوي قساوة التجربة.
وبمطلق التوصيف، فإن انطون يُقدم «تغريبة عراقية» بسياقها الزمني أو بتنقلاتها المكانية أو بكشوفاتها للمكونات الاجتماعية عبر تقديم العوالم الخاصّة الغامضة ببراعة العارف المُنصّف.
دوماً يقدم أنطون معادلة إنسان الهامش/ هامش الإنسان. لم يقدم بطلاً عتيداً صلباً أو مختلقاً على مقياس رغبة كل كاتبٍ أن يباشر حياة موازية يتمناها عبر بطله. كل شخوصه ببراعة اللغة التي تستثمر طاقتها الحسّية، تُقدم ذاتها المُجرّدة بصوتها العالي أو بمخاوفها الدفينة. وحتى الفعالية الآدمية اللامعة (الجنس)، يضعها أنطون في سياقها البشري وضرورتها الحياتية.
لعل المشهد العظيم الذي يرسمه في «وحدها شجرة الرّمان» أيام الاقتتال الطائفي في العراق، يُفسّر على نحو رائع كيف للروح البشرية التي تتحرر من مأزقها الطائفي وتنفصل عن عراكها المسموم وتنصهر في آدميتها النقية كواحد من التعبيرات المدهشة عن السمو بين «جواد» و«ريم» بطلي الرواية اللذين تهرسهما المدينة المتعادية مذهبياً بالدم والرؤوس المقطّعة.
هكذا رسم أنطون بعبارات رشيقة، قاصفة وسريعة، صورة «ريم» وفقاً لعين «جواد»: «أول مرة رأيتها فيها كانت ترتدي السواد/ ص 54/ (...) كانت تنام عارية على دكة مرمر في مكان مكشوف بلا جدران أو سقف/ ص 1/ (...) تفرست في وجهها وهمست باسمها: ريم، فابتسمت من دون أن تفتح عينيها في البداية، ثم فتحتهما وابتسم السّواد في بؤبؤيهما أيضاً/ ص 8/ (..) في أول أسبوع من سنتي الدراسية الرابعة، رأيتها تجلس لوحدها على مصطبة قرب بناية قسم المسرح، كانت ترتدي ملابس سوداء.../ ص 66/ (...) اقتربت منها وقبلتها بثقة أكبر هذه المرة. طوقتني بذراعيها. بدأت أفك أزرار قميصها الأبيض فبدت حمالة صدرها البيضاء تُخبئ نهديها الممتلئين/ ص 78».
الدلالة اللونية التي وظفها أنطون لتقديم «ريم» عبر دائرة السواد الكثيفة تماثلها دائرة السواد الموازية التي خيّمت على حياة «جواد» الرسام البارع الذي يعمل غاسلاً للأموات، وما بينهما تُقيم المنطقة الرمادية.
كلا الدائرتين المتداخلتين، هما المصير العراقي الذي تُطحن عظامه في زمن أسود. لحظة خاطفة بدا كل ذاك السواد يتهشم كأنه فتات كونكريتي هائل: «أحسست بالرمل تحت قدمي وبريح باردة بعض الشيء/ص 7».
أشرقت القوة الآدمية حين أزاحت سواد «الانتماء» وجنحت إلى «بياض» الآدمية النقية «أَفكُ أزرار قميصها الأبيض فبدت حمالة صدرها البيضاء».
هذه الدلالة المخبوءة بعناية «البياض»، هي القوة الاجتماعية التي أراد انطون أن يفتحها كأمل مشرق وسط الاقتتال الطائفي العنيف في بغداد أعوام الدم (2006 – 2007).
غاب الآخر وهو «ريم»، فغاب السلم الأهلي والتوازن الدقيق لمجتمع يتداعى خلف أسوار شرسة: «هي في الخندق المعادي – ريم – وبغداد (...) الآن صارت سجوناً متلاصقة تحرسها الميليشيات/ ص 80»، ويمضى حتى يستحيل «البياض» مطابقاً لـ «السواد»: «البياض يغطي كل شيء. البياض الصامت /ص 81».

اللغة عنده تركيبة وازنة لها وظائفها التي يتركب بها الحدث، يُبنى أو يتلاشى


يفتتح سنان أنطون روايته «فهرس» بتعليق يُنسب لـ «المرزباني» الذي ترجم سيرة ابن النديم البغدادي (ت 1047م) تعليقاً على كتابه «الفهرست» أنّه «...وترك فيه بياضات كثيرة».
و«فهرست» ابن النديم البغدادي هو الأرشيف الموثوق لكل «ما صدر في اللغات والكتب المقدسة وعلوم القرآن، اللغة والنحو، الأخبار والأنساب، الشعر، علم الكلام، الحديث والفقه، الفلسفات، الأسماء والخرافات، الاعتقادات، الكيمياء أو الصنعة، في زمانه».
يتداخل شيء من الشخصي في رواية «فهرس» مع شخصية «نمير» المُرهق بالتاريخ واللحظة التي تصنع الحاضر المقزز، ويتداخل مع شخصية الخليفة، راوٍ عليم متخفٍ كأنه ضمير يطلع فجأة، ليسرد مقاربة تمد الجذور عميقاً من تغريبة الآن مع تغريبة الماضي. «... لا أعرف ما الذي دهاني ووافقت وذهبت إلى بغداد بعد كل تلك السنين؟ / ص 27».
بلحظة ما، يتطلع القارئ بسيرة شخصية غير معلنة، وأخرى موازية. وثمة سيرة اعتراضية تقفز من التاريخ غير الرسمي إلى المعقد الأمامي لحافلة «الذاكرة الانتقائية»، كأن زمناً هلامياً يطفو ويتنقل، يلبس الحاضر كأنه جُبة خليفة قَدِمَ من الأثر راكضاً إلى المستقبل: «لا أحد يعرف أين يَسكُن الخليفة (...) هذا شارع الرشيد، شارعي، يا خوات الگحبة، مو شارع اليّ خلّفوكم».
«فهرس» تفترش التاريخ كأنها بانوراما مُجهدة يتقصى أبعادها كائن «ثلاثي الزمن» له حياته ويتقمص حيوات الآخرين وينزل إلى التاريخ عبر طبقاته، مستكشفاً قيعان العوالم بيومياتها التي تتكرر بنسخٍ أكثر تشوهاً.

* المقال مجتزأ عن دراسة ثقافية – اجتماعية مطوّلة تركّز على مجمل أعمال سنان أنطون الروائية