في تجربتها الروائية الأولى «بنت الخياطة» (دار هاشيت أنطوان ـــ 2018)، تخفت لدى جمانة حداد أخيراً حدّة الصراخ «النضالي» الذي اتّسمت به أعمالها النثرية الأخيرة. لكون العمل الجديد روايةً، ولحسن الحظ، توارت قليلاً «أنا» الشاعرة والرئيسة السابقة للصفحة الثقافية في «صحيفة النهار»؛ «أنا» صارخة، طغت على كتاباتها السابقة التي أرادتها شبيهة ببيانات رقم واحد، انطلاقاً من تجربتها وأفكارها بدايةً حول المرأة والرجل، ثم الإنسان. ونقول «قليلاً» فقط لأنها في «بنت الخياطة» تروي سيَر أربع نساء، الأولى بينهنّ جدتها لأمها، وإحداهنّ، حفيدة هذه الجدّة، هي شخصية متماهية إلى حدّ بعيد مع شخصية الكاتبة.

جميلة ماركاريان (أو سيرون صرافيان بحسب اسم الشخصية الخيالية) عاشت عذابات التغريبة الأرمنية إبان أحداث المجزرة عام 1915 ثم قادتها حياةٌ تراجيدية ذات صباح إلى الانتحار في منزلها في منطقة برج حمود في بيروت عام 1978. إلى جانب سيرون، نقرأ قصص ميسان، شيرين وجميلة الصغيرة، أربع نساء من عائلة واحدة عشنَ على مدى قرنٍ من الزمن حروباً ومآسي شهدها «الشرق الأوسط الملعون» كما تسميه حداد في الفصل المعنون «استطراد غير ضروري» في آخر الكتاب. في هذا الفصل، تتساءل عن نهاية حلقة العنف الدائرة في المنطقة منذ ذلك الوقت، وتعلن عدم إيمانها بفهومَي الحياد والموضوعية في مقاربة تلك الصراعات، بما أن «الواقع هو وجهة نظر».
تبدو «هموم» رواية حداد امتداداً لتلك الواردة في كتاب «الجنس الثالث» (دار هاشيت أنطوان ـــــ 2015)، حيث تصبو الكاتبة إلى «إنسان جديد» يكون بعيداً عن العنف والتعصب والطائفية والتمييز الجنسي. تسرد الكاتبة في روايتها فصلاً من هذا العنف الذي تنبذه، كما تبدو راغبةً في تحميل رواية نساء أسرتها أبعاداً سياسية، بما أن الأحداث التاريخية التي أثقلت أرواح هؤلاء، سياسية بالدرجة الأولى. إلا أن حداد مع ذلك، تلامس السياسة من الخارج من دون الدخول فيها فعلاً. لعلّ اقتباسها جملة الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط بين اقتباسات أخرى في مستهلّ الرواية: «حسناً أيها العصر/ لقد هزمتني/ ولكنني لا أجد في كل هذا الشرق/مكاناً مرتفعاً/ أنصب عليه راية استسلامي»، يوجز الزاوية التي تعالج الكاتبة عبرها الصراعات والأزمات التي غلّفت حيوات شخصياتها.
ذروة السياسة في الرواية، إن جاز التعبير، نقرأها في الفصل الثاني المخصّص لشيرين، حفيدة سيرون. وواضحٌ للقارئ أن شيرين ما هي، بالحدّ الأدنى، إلا قرينة حداد لناحية صفات التحرّر والتمرّد والقوة المتوفرة في هذه الشخصية، والتي أمضت حداد نحو عقدٍ ونصف العقد من الزمن تذكّرنا بها في كل مناسبة. في هذا الفصل، تُشارك شيرين في تظاهرة 14 آذار وتنحاز إلى خروج الجيش السوري من لبنان في حينه، بالإضافة إلى معايشتها الحرب السورية في حلب حيث تقطن مع زوجها وإعلانها المتكرّر كره النظام السوري. برغم ذلك، تكتفي حداد التي ترشحت إلى الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان، بطرح أسئلة كبيرة من فوق حول «قدر هذه المنطقة»، والصراعات الدموية التي لا تنتهي من منطلق شعار «بيكفّي بقى» العزيز على قلب جمعيات المجتمع المدني التي تنشط حداد مع فعالياته.
بدايةً من المجزرة الأرمنية، ثم النكبة التي حضرت في حياة سيرون بعد انتقالها من حلب مع والديها بالتبنّي إلى القدس حيث تزوجت، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية ثم أحداث الأزمة السورية... رحلات شتات ولجوء امتدت على أربعة أجيال من العائلة، بدأت في عنتاب جنوبي تركيا وانتهت في المنطقة نفسها في مخيم للاجئين السوريين. رحلة دائرية رسمت سيرة طويلة من الآلام والموت المتوارث من امرأة إلى أخرى. تبقى قصة الجدّة التي بدأت بقتل أمها على يد ضابطٍ عثماني والتي انتهت بانتحارها، الأكثر حساسيةً وإيلاماً بين القصص الأربع، ربما لكون جزء كبير منها حقيقياً، ولكون حداد تطرقت لها مراراً قبل ذلك.
الرواية التي كتبتها حداد بالإنكليزية ثم نقلتها نور الأسعد إلى العربية، لم تنجُ كثيراً من فخ الكليشيهات. السوري المسيحي في الرواية من عائلة اليازجي، المثقف اللبناني يسكن في الحمرا، البريطانية الوحيدة التي نعرفها في حلب تقيم علاقات مثلية. حتى أن مشهد الاعتداء الجنسي على ميسان الطفلة، بنت سيرون، هو عبارة عن مقايضة رجل عجوز لمصّاصة بقضيبه! أمورٌ تحصل؟ طبعاً، لكنّ سهولتها وبديهيتها تظلّ مزعجة ومفتقرة لمستوى خياليّ ثانٍ. بالإضافة إلى بعض المصادفات التي تتسم بالافتعال، كأن نكتشف أن الشاب التركي الذي يعمل مساعداً اجتماعياً في مخيم اللاجئين السوريين في عنتاب والذي سيدمّر حياة جميلة الصغرى، ابنة شيرين، ما هو إلا حفيد الضابط العثماني الذي قتل جدتها الأرمنية.
لكنّ الأكثر إلفاتاً في شخصيات الرواية الأربع أنهنّ كلهن «استثنائيات». في بداية كل فصل هناك أشبه ببطاقة تعريف تقدّم لنا الكاتبة عبرها بطلتها الجديدة. اختارت حداد ملكات ورق اللعب رموزاً لشخصياتها، ربما لكونها أنهت الرواية باستعارة من لعبة البوكر لتصف الحيوات المتقلّبة لبطلاتها والخاضعة بجلّها للصدفة. سيرون هي «تلك التي لا تنفك تعود»، شيرين «تلك التي عيناها توقظان الرعد من كبوته»، ميسان «تلك التي خاضت بذراعيها مليون معركة»، جميلة «تلك التي قهرت النهاية وبداياتها». بالطبع إن كل واحدة من بين هؤلاء النساء لها نضالها ومعاركها الخاصة، وهن بهذا المعنى استثنائيات. لكنّ في سرد حداد يشعر القارئ طيلة الوقت أنه لا مكان للعادي لديها.
في الجملة الأخيرة من كتابها «هكذا قتلت شهرزاد: اعترافات امرأة عربية غاضبة» (دار الساقي ـ 2011)، أعلنت حداد اكتمال «جريمتها» تلك مذيلةً إياها بالجملة الآتية: «أخيراً وليس آخراً، لقد قتلت شهرزاد بيد ليليت: بذرتي وجذوري وأرضي وحقيقتي». الجريمة المقصودة في النصّ الطويل الذي جاء ردّاً على سؤال لصحافية أجنبية عن «جرأة حداد بين النساء العربيات»، رمزت في حينه إلى القطيعة مع مفهوم المرأة العربية الخاضعة التي تحتال على الرجل لتحفظ حياتها. أعلنت حداد عبر ما أرادته «مانيفستو» نسوياً أنها كشاعرة وكاتبة عربية، مستقلة وحرّة، تمحو صورة الجارية وترفع راية الانتصار على المجتمع العربي الأبوي. ومعروفٌ أن حداد معجبةٌ جداً بأسطورة ليليت، ولها ديوان يحمل اسم «عودة ليليت» (دار النهار ـ 2006). فليليت التي ورد ذكرها بدايةً في ميثولوجيا بلاد ما بين النهرين وفي التلمود، هي المرأة الأولى التي خلقها الله مثل آدم من تراب، قبل أن ترفض طاعة الرجل وتهرب إلى أقاصي الأرض... عندئذٍ خلق الله حواء من ضلع الرجل. لطالما صرّحت حداد أو أوحت بالتماهي مع شخصية ليليت الأسطورية، لتعلن نفسها المثال المتمرّد على نموذج «حواء» تلك. في عملها الجديد أيضاً، ذُكرت ليليت على لسان إحدى الشخصيات، في معرض التعبير عن الإعجاب بها، كما ظلّ طيف الأسطورة حاضراً، وإن بعيداً عن سير البطلات. كما اختارت حداد في الفصول الأربعة من الرواية، أن تدخل إلى جانب السرد، مذكرات للشخصيات، يتحدثن فيها بضمير المتكلّم، بأسلوب شبيه بأسلوب كتابة العهد القديم: «أنا سيرون صرافيان، وكيلة الذل في الصحراء السورية (...)»، «أنا شيرين الأرمنية، حفيدة سيرون، عشيقة جبل أرارات، أختار ما أشاء من إرثي المألوم لتكتمل جيناتي الفاغرة أفواهها على العدم(...)».

تبرز هنا إشكالية قديمة في الفكر النسوي هي أسطرة المرأة


تبرز هنا إشكالية قديمة في الفكر النسوي وهي أسطرة المرأة والتأثير السلبي لذلك على المرأة وقضاياها. ليليت قتلت شهرزاد في مخيلة حداد. امرأة ضعيفة ماتت على أيدي امرأة قوية. حداد قتلت ربما محتوى تلك الشخصية، إلا أنها لم تقتل مفهوم المرأة الأسطورية نفسه. قوية أو ضعيفة، ممجّدة أو مُهانة، قليلاً ما تُسهم أسطرة المرأة في أي نضالٍ نسوي. في عقل حداد، شهرزاد «قفص»، بحسب اسم عملها الآخر أيضاً، أما ليليت برأيها، فهي نقيض ذلك القفص، ليليت هي البراح المطلق.
قبل 70 عاماً بالتمام، خصّصت الفيلسوفة الفرنسية سيمون دوبوفوار فصلاً من الجزء الأول من كتابها «الجنس الآخر» (1949)، للأساطير التي كرّست التمييز بحق المرأة. أوردت في هذا الفصل أمثلة عديدة من تاريخ الأدب ونظرة الأدباء الرجال إلى المرأة، من أكثرهم ميزوجينية إلى أكثرهم «نسويةً». في المجال الأخير، أعطت الكاتبة مثال المرأة في قصائد أندريه بروتون. لدى الشاعر الفرنسي «المرأة تنزع الرجل من نوم المثولية (Immanence)، إنها بياتريس التي تقود دانتي في الحياة الثانية، الحقيقة، الجمال، الشعر، إنها كل شيء». بالنسبة لبوفوار، كان ستاندال الأديب الوحيد الذي قدّم المرأة كإنسان إلى الأدب، لا ككائن ضعيف ومكروه ودرجة ثانية، ولا كأسطورة ومثال فوق الطبيعة. ففي الحالتين، يجري إسقاط المرأة في التشييء وإخضاعها لنظرة غير إنسانية وتقييد قدرها في «الأنوثة الأبدية»، حتى ولو كان الهدف التمجيد والتبجيل. هذا ما عملت بوفوار على نقضه وتبيان ضرره، وهذا ما يقع فيه كثيرون، رجالاً ونساء، ظنّاً منهم أنهم بذلك يرفعون من شأن المرأة، عبر جعلها أسطورة وكائناً مُمجّداً.
على العموم، يمكن تصنيف التجربة الروائية الأولى لحداد التي أكملت بها حلمها بأن تنجز أنواعاً أدبية متعددة، بين الشعر والمسرح والنص المفتوح والرواية، كأقل إنتاجات الكاتبة صخباً وأكثرها ابتعاداً عن الغرق في الذات. ولعلّ ذلك سيكون واعداً في حال متابعة الشاعرة والكاتبة بأعمالٍ شبيهة، والتخفيف من الانهماك بـ«القضايا الكبرى».