عُرفت «نورهان» (1922) في الفترة الممتدة من أربعينيات القرن الماضي وصولاً إلى بداية الستينيات كمطربة وممثلة. شهرتها امتدت من بيروت إلى العراق مروراً بسوريا وفلسطين ومصر. فجأة من دون سابق إنذار، قرّرت الفنانة التي يعدّ اسمها الفني مزيجاً بين نور الهدى وأسمهان، ترك هذا العالم والابتعاد عن الأضواء. قرار صارم، عاشت من بعده «خيرية» (اسمها الحقيقي ــ مولودة لأب سوري شركسي وأم شركسية من الأناضول في تركيا) حياة عادية إلى أبعد الحدود، حتى إنّ بعض أقرب الناس إليها كانوا يجهلون تاريخها الحافل. الأمر ينسحب على حفيدتها المخرجة اللبنانية مي قاسم (1975) التي اكتشفت الأمر مصادفة حين اصطحبتها جدّتها ذات مرّة وهي في سن الـ 21 لزيارة الفنان السوري الكبير دريد لحّام في الشام. الاستقبال الحافل والأحاديث المطوّلة وغزارة الذكريات، فتحت عينَيْ مي على عالم خفي لطالما فتنها وأرادت احترافه، ودفعها إلى النبش في ذاكرة جدّتها لوالدها. أسئلة لا تنتهي تدور في رأس الصبية المتخصصة في سيميائية الفن وكتابة السيناريو، ستحاول خلال السنوات اللاحقة العثور على إجابات لها. الوقت كان لمصلحتها، إذ إنّ «نورهان» رغبت في كسر الصمت مرّة بعد مرّة، وفق ما تقول مي قاسم في اتصال مع «الأخبار». هكذا، بدأت العمل على وثائقي في عام 2008، فيما استغرق الأمر حوالي خمس سنوات تخللتها زيارات كثيرة إلى دمشق حيث تسكن الجدّة ــ النجمة.



رحلة شخصية وإبداعية، قادتها مي في هذا المشروع لا تهدف فقط إلى كشف المستور، وإنّما ترمي أيضاً إلى تفسير وفهم «كيف نقلت إليّ الشغف بالفن من حيث لا تدري… فأنا اتجهت لدراسة الإخراج وأحببت الفن منذ الصغر من دون أن أعرف مَن هي «نورهان»...». أثمر تعاون الثنائي شريطاً تسجيلياً بعنوان «نورهان، حلم طفلة» (2016 ــ 72 د)، يُعرض الليلة في «دار النمر للفن والثقافة» (كليمنصو) ضمن «مساء الأفلام». يلي العرض نقاش مع صاحبة العمل المتمحور حول الشغف والحب وتزاح فيه الستارة أيضاً عن مجموعة كبيرة من القصص عبر مقابلات، ومقاطع صوتية ومصوّرة، ورسوم متحرّكة، فضلاً عن أغنيات لا تزال موجودة في أرشيف الإذاعة اللبنانية حيث تعرّفت «نورهان» قبل عقود على حليم الرومي الذي أُعجب بصوتها، وهي: «بلد الجمال»، و«مالك ومالي»، و«من أوّل ما لقيته»، و«مين قلّك حب» (تأليف عبد الجليل وهبة وألحان فيلمون وهبي ــ تسجيل من حفلة على باخرة السودان في 1954)، و«يا مرخّصين دمعكم» (ألحان محمد محسن). علماً بأنّه من الصعب التأكّد من كل المعلومات المرتبطة بجزء كبير من هذه الأعمال وغيرها.
بالإضافة إلى النوستالجيا لهذا الزمن وقصص محمد عبد الوهاب ومحمد عبد المطلب وغيرهما، مشاهد من أفلام بالأبيض والأسود: «شهر العسل» (1945 ــ إخراج أحمد بدرخان/ 112 د ــ بطولة فريد الأطرش ومديحة يسري...)، و«أمريكاني من طنطا» (1954 ــ إخراج أحمد كامل مرسي ــ 105 د)، و«ليلى في العراق» (1947 ــ إخراج أحمد كامل مرسي ــ 95 د).
عمل متمحور حول الشغف والحب، يظهر قصصاً عبر مقابلات ومقاطع صوتية ومصوّرة ورسوم متحرّكة


يلقي «نورهان، حلم طفلة» الضوء كذلك على وجهة نظر «خيرية» حول حياتها ورأيها في قضايا عدّة، كما سنعرف تفاصيل خاصة جداً (زواجها الأوّل وابنها وزواجها الثاني من المخرج والممثل اللبناني محمد سلمان (1922 ــ 1997)…).
لا يشبه هذا الشريط أيّاً من أعمال مي قاسم السابقة («لقطة معاكسة: يوميات حراك» أو «الأمواج الحرة» مثلاً)، كونه يعدّ تجربة غاية في الخصوصية «تعلّمت خلالها الكثير من جدّتي وعنها»، وأيقنت أنّ الصور المعلّقة على جدران ذلك المنزل لا تعود إلى امرأة تهوى جلسات التصوير الفوتوغرافية، بل لنجمة حقيقية أرادت لبريقها أن يخفت!

* «نورهان، حلم طفلة»: اليوم ــ الساعة السادسة والنصف مساءً ــ «دار النمر للفن والثقافة» (قاعة المسرح ــ شارع أميركا ــ كليمنصو/ بيروت ــ الطبقة الثانية). الدخول مجاني. للاستعلام: 01/367013


Nourhane a Child's Dream Trailer FINALx 3m04s h264 from May Kassem on Vimeo.





مشاركات دولية
في 22 شباط (فبراير) الماضي، عُرض «نورهان، حلم طفلة» في سينما «إشبيلية» في صيدا (جنوب لبنان). قبل ذلك، جال منذ إطلاقه قبل حوالي ثلاث سنوات على مهرجانات عربية وأوروبية عدّة، من بينها: «مهرجان فينيسيان السينمائي الدولي» في مدينة ليون الفرنسية، و«المهرجان الدولي للفن النسوي في تونس» (Chouftouhonna ــ حاز الجائزة الأولى)، فضلاً عن «مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة»، ومهرجان True Doc للأفلام الوثائقية في أوكرانيا، و«مهرجان سيدني السينمائي الدولي»، ومهرجان Art House السينمائي في هونغ كونغ، و CineFest في لوس أنجليس.