أجرى الحوار في باريس: عثمان تزغارت

بدعوة من المعهد الفرنسي في لبنان، تحط الفنانة الفرنسية فاني أردان الرحال في بيروت، لتقدم إنجازاً مسرحياً (إخراج بيرتران ماركوس) مقتبساً من رائعة مارغريت دوراس «هيروشيما يا حبي» التي كُتبت أصلاً كسيناريو لفيلم ألان رينيه الذي يحمل العنوان المراوغ ذاته (1959). لكنها سرعان ما انتشرت واشتهرت كعمل أدبي قائم بذاته، بعد صدورها عن «دار غاليمار» المرموقة، بعد أشهر قليلة بعد طرح الفيلم في الصالات. هذا الإنجاز المسرحي الذي يقدّمه الثنائي أردان/ ماركوس الليلة في «مسرح البستان» (بيت مري)، يستعيد «صيحة الضمير» التي أطلقها الثنائي دوراس – رينيه، خلال «مهرجان كان السينمائي» عام 1959، ضد هيمنة أميركا وجرائمها بحق الإنسانية. جرائم تقول فاني أردان إنها ما زالت مستمرة، مستعيدة الفظائع والأكاذيب والتلاعبات ذاتها التي أدت إلى جريمة هيروشيما. هنا لقاء أجريناه في باريس مع الفنانة الفرنسية المشاكسة قبل توجهها إلى بيروت

بداية، أودّ سؤالك عن الدافع لاقتباس هذا النص الذي كتبته مارغريت دوراس لفيلم ألان رينيه، بعد مرور ستين سنة، على خشبة المسرح؟
سبق لي أن اشتغلتُ مع المخرج بيرتران ماركوس على اقتباس مسرحي لنص آخر لمارغريت دوراس بعنوان «صيف 80». من خلال تلك التجربة، اكتشفنا شغفنا المشترك بأدب دوراس. لذا، حين عرضت عليّ المشاركة في اقتباس «هيروشيما يا حبي» بالاشتراك مع جيرار دو بارديو، وافقت على الفور، رغم أنني كنت أدرك أن الأمر مع جيرار لن يكون سهل التحقيق. في النهاية، اضطررنا لتسجيل صوت جيرار، لتعذر تفرغه للعمل المسرحي بشكل يومي. والملفت في هذه التجربة أنني طوال التمرينات، ثم خلال العروض لاحقاً، لم أكن أفكر على الإطلاق في فيلم ألان رينيه، بعدما تعاملتُ مع نص مارغريت دوراس كعمل أدبي منفصل بذاته، مع أنه بالطبع كان عبارة عن سيناريو تمت كتابته خصيصاً لفيلم رينيه.

أردان عشية عرضها في «البستان»: الهيمنة تعني أيضاً تنويم الوعي الإنساني من خلال نشر القيم الاستهلاكية


في الملخص الترويجي لهذا الاقتباس المسرحي، يتحدث المخرج بيرتران ماركوس عن رغبته في استعادة قصة «هيروشيما يا حبي» بشكل مبسط، من دون المؤثرات الخارجية للسينما، في حين أن البنية الإخراجية المتشظية التي اعتمدها ألان رينيه، من خلال تلاعبه المتقن بثنائيات متضادة عدة (سحر التخييل وفظاعة التوثيق، توهج الحب وبشاعة الحرب، الصمت المطول والسرد الخطاب القائم على الشاعرية والغنائية) لعبت دوراً أساسياً في الارتقاء بنص مارغريت دوراس إلى مصاف الروائع الأدبية. فهل من الممكن، فعلاً، الفصل بين نص دوراس وبين لمسة رينيه الفنية التي رافقته وصنعت فرادته وشهرته؟
نعم، أعتقد ذلك، وهنا مكمن القوة في أدب دوراس وشخصيتها. هي لم تتصرف كسيناريست أو كمجرد كاتبة حوارات وفقاً لرؤية المخرج وتوجيهاته، بل اشتغلت على هذا العمل ككاتبة روائية لها أسلوبيتها وبصمتها المميزتين. بالتالي، فرضت على رينيه عوالمها الفنية ورؤيتها للعالم. ومن جهته، تعامل رينيه بذكاء وصفاء رؤية مبهرين. لم يعمل على كبح جماح دوراس، بل بالعكس شجعها على التمادي، وحرّضها على إطلاق العنان لقريحتها الإبداعية، قائلاً: «لا تفكري بمنطق أنك تكتبين سيناريو فيلم سينمائي. عليك أن تنسي تماماً ما سيتم تصويره، وكيف سأفعل ذلك. اكتبي عملاً أدبياً على طريقتك، وأنا سأتكفل بالباقي».

لعل هذا ما يفسر قيام دوراس بإصدار نصها كعمل أدبي منفصل بذاته، بعد أشهر على طرح الفيلم في الصالات. وهو ما كرس الانطباع لاحقاً بأن رينيه اقتبس «هيروشيما يا حبي» عن عمل روائي لدوراس، في حين أن الأمر يتعلق بسيناريو كتبته دوراس بناء على فكرة أصلية لرينيه
بالفعل، لم يكن التعاون بينهما خاضعاً للاعتبارات أو المعايير التقليدية الدارجة. نحن أمام لقاء بين عبقريتين. والجميل في اللقاء أن كل واحد منهما احترم موهبة الآخر، وترك له كامل الحرية في التصرف والتعديل والإبداع. لم يُلزِم رينيه دوراس بأي توجيهات أو ضوابط تحد حريتها الإبداعية. لكنه، لاحقاً، منح نفسه الحرية ذاتها، فلم يتعامل مع السيناريو الذي كتبته دوراس بشكل تقليدي، بل قام بالاقتباس منه، كما يقوم مخرج سينمائي باقتباس فيلم من عمل أدبي قائم بذاته، فأسقط أشياء كثيرة وعدّل أخرى. ونحن في عملنا اشتغلنا على النص الأصلي لدوراس، واستعدنا الكثير مما أسقطه رينيه في الفيلم. بذلك أردنا أن نثمّن هذا النص بوصفه عملاً أدبياً قائماً بذاته، ويمكن مقاربته من وجهات نظر متعددة. رينيه قدّم هذا النص وفق منظوره الخاص، واقتبس منه فيلماً يعد من روائع السينما. لكن ذلك لا يمنع مبدعين آخرين من تقديم مقاربات أو تنويعات أخرى انطلاقاً من النص ذاته، من خلال اقتباسات مسرحية أو حتى سينمائية جديدة…

اليوم، بعد مرور ستين سنة، على نص دوراس وفيلم رينيه، هل تعتقدين أن التيمات التي منحت لهذا العمل شهرته وعالميته ما زالت راهنة، بخاصة في ما يتعلق بصراع المتضادات والثنائية التي كان العمل مسكوناً بها: التوثيق والتخييل، الشرق والغرب، الحب والموت، الذاكرة والنسيان، الكلمة والصمت...؟
في ظل الحياة المعولمة التي نعيشها اليوم، يُحاولون إيهامنا بأننا أصبحنا عائلة إنسانية واحدة أو موحدة لم تعد تفصل بينها حدود أو مصالح أو حتى آفاق مختلفة. وهذه أكذوبة كبيرة. يجب أن نتساءل من المستفيد من العولمة؟ كلما تم تجميع البشر في كتل أو تجمعات أكبر، كلما سهلت مهمة التحكم بهم والتلاعب بمصائرهم. أعتقد أن تلك الثنائيات المتضادة التي عبّر عنها نص دوراس ليست راهنة فحسب، بل أزلية. لم يكن منطلق نصها فظاعة الجريمة التي ارتُبكت في هيروشيما فحسب، بل إنها أشارت إلى الطابع المجاني لهذه الجريمة التي لم يكن هناك ما يبررها عسكرياً. فقد كانت الحرب شارفت على الانتهاء، وحُسمت نتائجها. كان الهدف الوحيد هو البرهنة على التفوق العسكري والعملي الأميركي، من أجل بسط هيمنته على العالم لاحقاً. بالتالي لم تكن هيروشيما جريمة بحق سكان المدينة أو بحق اليابانيين فحسب، بل جريمة بحق البشرية جمعاء.
في عرضنا، اشتغلنا على النص الأصلي لمارغريت دوراس، واستعدنا الكثير مما أسقطه ألان رينيه في الفيلم


فرادة نص دوراس أنه رصد أيضاً استمرار المفعول الفظيع لجريمة هيروشيما، من خلال التشوهات التي لحقت بأجساد الضحايا ثم بأبنائهم بعدهم، للتدليل على أن الجريمة مستمرة، وأن الفظاعة مرشحة لأن تتكرر من خلال المزيد من الحروب والمجازر والتصفيات. في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت الرؤى المتفائلة هي الغالبة. اعتقد الجميع بأن البشرية تعلمت الدرس، وأنها ستتخذ الاحتياطات اللازمة لعدم تكرار الفظائع والجرائم التي ارتُكبت بحق الإنسانية. ميزة عمل دوراس – رينيه أنه اختار التغريد خارج السرب والسباحة ضد التيار، محذراً من أن ذاكرة الضمير الإنساني قصيرة، وأن الطبع البشري لا يتغير. بالتالي، فإن الجرائم والفظائع مرشحة لأن تستمر وتتجدد، طالما ظلت دوافعها ولعبة المصالح التي تحركها قائمة.
كل هذا يجعل نص دوراس راهناً بامتياز، وخاصة في دول ومناطق شتى من العالم يكرّر فيها التاريخ الأميركي نفسه، معيداً إنتاج الجرائم والفظائع والتلاعبات والأكاذيب ذاتها التي أدت إلى هيروشيما، مما يشكل استمرارية للجرائم الأميركية بحق الإنسانية التي أسست لها قنبلة هيروشيما. ولا يجب أن ننسى مقولة العشيق الياباني في «هيروشيما يا حبي»: «الصدمة لا تكمن في أنهم نجحوا (في تنفيذ هجوم نووي)، بل في كونهم تجرأوا وأقدموا على ذلك».

حين عُرض الفيلم في «مهرجان كان» عام 1959، اعتُبر صرخة ضمير مدوية ضد هيمنة الولايات المتحدة وجرائمها عبر العالم. ماذا عن مشروعكم اليوم؟ هل ستكون صيحة الضمير هذه حاضرة فيه، وبالأخص في العروض التي ستقدمونها في الشرق الأوسط، حيث ما زالت جرائم الحرب الأميركية مستمرة في المنطقة، وإن كانت لا تُقارن بالجرم الأفظع الذي أصاب هيروشيما؟
نعم، أريد ذلك وأتبناه. فأنا أنادي بوعي يتجاوز الاعتبارات السياسية، وعي إنساني يرافع دفاعاً عن كل المقهورين من قبل القوى المهيمنة، ويتصدى للمعتدين دفاعاً عن مسلوبي الحقوق. علينا أن نعمل باستمرار على وضع هذه القيم المبدئية في صميم الروح البشرية. علينا أن نتساءل كيف نشأت الهيمنة الأميركية الحالية وبأي وسائل؟ ألا يكمن العامل الأساسي الذي كرس هذه الهيمنة في كون أميركا هي البلد الذي تجرأ على استعمال القنبلة النووية؟ من هذا المنطلق، يجب أن نتصدى للهيمنة الأميركية ونحاربها. لكن من دون الوقوع في التسطيح السياسي، فمعاداة الهيمنة الأميركية لا تعني أن نؤيد هيمنة قوة أو قوى أخرى. يجب التصدي للهيمنة بكل أشكالها، لا لأسباب إيديولوجية أو حسابات سياسية أو مصلحية، بل دفاعاً عن القيم الإنسانية.
لتحقيق ذلك، يجب أن نعمل على إيقاظ الضمائر. فالأخطر في عالمنا الراهن ليس فقط مشاريع الهيمنة التي تسعى لتسليع العالم والتلاعب بمصائر الناس، بل أيضاً ما نشهده من تنويم للوعي الإنساني من خلال نشر القيم الاستهلاكية التي تؤدي إلى ترهل الفكر، وحلول الاستكانة والخضوع محل العقل النقدي.

* فاني أردان في «هيروشيما يا حبي»: اليوم ـــ 20:30 ــــ مسرح البستان (بيت مري) ـ للحجز: 01/999666