ختم «ليبان جاز» العام الماضي بأمسية لاسمٍ من لائحة فناني الجاز المعاصرين في الولايات المتحدة الأميركية، عازف الكونترباص كايل إيستوود (نجل الممثل الشهير كلينت إيستوود) واستهل نشاطه لهذا العام بدعوة فرقة The Hot 8 Brass Band التي تحيي حفلتها بعد غد الأحد في قاعة «ميوزكهول» (مبنى ستاركو / بيروت). قبل ذلك، عُرِف «ليبان جاز» بميله إلى الجاز الأوروبي بشكل عام والفرنسي (أو الفرنكوفوني) بشكل خاص، مهمّشاً لسنوات الجاز الأصيل، الآتي من مصدره، أي أميركا. لكنه في الأشهر الأخيرة سلك تدريجاً مساراً مغايراً، بدأه بالخروج النسبي عن القاعدة التي أرساها لنفسه وبنظر جمهوره. إذ وسّع مروحته قليلاً لتشمل التجارب الإنكليزية، فنظّم أمسيةً للمغنية «ألا.ني»، ثم أخرى لهيو كولتمان، قبل أن يطير إلى الولايات المتحدة ويختار إيستوود، في خطوةٍ مرجوّةٍ أتبعها بواحدة أكثر توغلاً نحو جذور الجاز (أو موسيقى الأفارقة الأميركيين عموماً) مع تنظيمه الأمسية المرتقبة التي تأتينا من معقل هذه الموسيقى تاريخياً: نيو أورلينز. فـThe Hot 8 Brass Band أعضاؤها ليسوا من نيو أورلينز فحسب، بل يقدّمون تراثها الموسيقي الأصيل بأسلوب تقليدي في جانب منه، ومعاصر في الجانب الآخر. بالتالي، يمكن القول إن هذه الأمسية هي من المحطات القليلة التي تجعل «ليبان جاز» أميناً لاسمه وهدفه الأساسي، وهذا ما يجب البناء عليه في المستقبل، لناحية المغامرة في دعوة أسماء كبيرة، ما زالت صامدة بصعوبة في تقديم الجاز بشكله المتقن.

إذاً، أولى الأمسيات على روزنامة «ليبان جاز» لهذه السنة تحييها فرقة The Hot 8 Brass Band التي تتمتع بشهرة مقبولة خارج بيئتها. إنها مجموعة كلاسيكية التركيبة في هذا النوع من الفرق المعروفة لناحية الشكل عالمياً. فهي قريبة من فرق الموسيقى العسكرية ومن مجموعات منتشرة في أوروبا وغيرها، تنشأ عموماً في القرى أو المدن، وتتألف من آلات نفخ وآلات قرعية، وتشارك في الجنازات والأعياد وغيرها من المناسبات الاجتماعية (والدينية منها أحياناً). في لبنان والمنطقة، هي أقرب لما يعرف تحت تسمية «النوبة»، والقاسم المشترك في ما بينها هي أنها «سيّارة» ومسرحها الشارع. ولهذا السبب تحديداً تغيب عنها كل الآلات التي لا يمكن حملها أثناء العزف. الفروقات في التركيبة بين هذه الفرق بكل أشكالها تختلف بين ثقافة وأخرى، وريبرتوارها يتغذى بشكل أساسي من الموسيقى الشعبية والفولكلورية والتراثية. عرفت نيو أورلينز العديد من هذه الفرق منذ أكثر قرن، ولغاية اليوم حافظ أبناؤها على هذا الإرث الفني، والفرقة التي تزورنا هي من بين أهمها حالياً، إلى جانب غيرها من المجموعات أبرزها Dirty Dozen Brass Band وRebirth Brass Band وStooges Brass Band.

مقابل نشاطها بين تسجيلات وحفلات، للفرقة تاريخ مؤلم في مسيرتها، إذ فقدت بعض أعضائها بسبب المرض أو قتلاً على يد الشرطة


تأسست The Hot 8 Brass Band عام 1995 على يد عازف السوزافون (آلة نفخ نحاسية شبيهة بالتوبا وتؤمّن الصوت الأكثر انخفاضاً في هذا النوع من الفرق، ويأتي اسمها من اسم المؤلف الأميركي والضابط في البحرية وكاتب أشهر المارشات والأناشيد العسكرية جون فيليب سوزا الذي طلب صناعتها)، بيني بيت، وبعض أصدقائه، ومن دمج بين فرقتَين من التركيبة نفسها (الآلات الأساسية: ترومبون، ترومبيت، ساكسوفون، «بايس درام»، و«سنير درام»). بدأت مسيرتها في شوارع نيو أورلينز من خلال استعادة الريبرتوار الغني الذي تركه مؤسسو البلوز والغوسبل ولاحقاً الجاز والفانك والسول والـ«آر أند بي»، وصولاً إلى الراب. كذلك، كانت الفرقة تشارك في الجنازات التقليدية التي تبدأ بالنحيب والأنغام الحزينة وتنتهي بصخب احتفالي راقص يبقى فيه الحزن حاضراً. جو الشارع هذا نسمعه حتى في التسجيلات الرسمية للفرقة، وكذلك في كليباتها التي لا تبدو إلّا تصويراً مضبوطاً للأداء الحي في الأزقة والأحياء الشعبية. مقابل نشاطها الفني بين تسجيلات وحفلات حول العالم، للفرقة تاريخ مؤلم في مسيرتها، إذ فقدت أربعة من أعضائها بسبب المرض أو قتلاً بالرصاص (أحدهم قتلته الشرطة)، لكنها صمدت دائماً، وأصدرت أول ألبوماتها عام 2007 كما شاركت في تسجيلات أسماء شهيرة، مثل Blind Boys of Alabama ولورين هيل، وحلّت أحياناً ضيفةً على حفلات فنانين أرادوا الاستعانة بـ«صوتها» المميّز والأصيل.
حضور حفلة لهذا النوع من الفرق التي تؤدي هذا النوع من الموسيقى هو تجربة فريدة، إذ تنسال الموسيقى بصدق وعفوية من أعضائها الذين رضعوا هذه الأنغام مع حليب أمهاتهم، بخلاف الأميركيين البيض أو الأوروبيين الذي أتقنوا الجاز ومتفرعاته من خلال دراسته أكاديمياً. لكن تبقى النقطة السلبية الوحيدة أن الاستماع إلى هذا الريبرتوار وبهذه التركيبة الموسيقية يبدأ دائماً بالذهول أمام صوت النحاسيات مجموعةً، ويتحوّل إلى حماس راقص، غير أنه قد يصبح مملاً تدريجاً. فغياب آلات كالبيانو والباص والغيتار والدرامز (بكامل عدّته) عن مجموعة كهذه يُحدِث نقصاً كبيراً في الخامة الصوتية العامة ويمنع وجود مساحات استراحة لآلات النفخ، «تتنفّس» خلالها المقطوعات وكذلك المستمع (والعازفون أيضاً إن أردتم!)، وهذا هو الفارق الجوهري بينها وبين الـ«بيغ باند»، التي لم يدعُ يوماً «لبيان جاز» نسخةً محترمة منها.

* أمسية The Hot 8 Brass Band: التاسعة من مساء الأحد المقبل ــ قاعة «ميوزكهول» (ستاركو / بيروت). للاستعلام: 01/999666