رحلة تعلّم كبيرة وبالغة الأهمية على الصعيد الشخصي، خاضتها ملاك خالد في «بيتنا ورا البحر»، على أمل أن تبلغ أهدافها الذاتية والعامة، الكبيرة والصغيرة. في سياق سلسلة «ميداني» المخصصة عادةً للتحقيقات الميدانية، يُعرض الفيلم الذي لا تتجاوز مدّته عشرين دقيقة على «الميادين». قبل عامين، كانت مراسلة القناة هناء محاميد تعدّ تقريراً إخبارياً عن مدينة حيفا، وعن وادي الصليب تحديداً، انطلاقاً من منزل المناضلة ليلى خالد. في سبيل العثور على العقار، استعانت هناء بزميلتها في المحطة ملاك خالد، ابنة العائلة اللبنانية التي عاشت في حيفا في سنوات عزّها، ليتبيّن أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُخضع المنطقة لورشة «ترميم وتأهيل» تغيّر ملامحها وتحاول محو التاريخ والذاكرة، وجرفهما. بعد نقاشات طويلة بين الصحافيتَيْن، كان القرار النهائي بإعداد فيلمَيْن منفصلَيْن، ليولد بذلك شريط «حيفا… الوادي السليب» الذي عُرض قبل أيّام ويحمل توقيع محاميد، على أن يتبعه الاثنين المقبل «بيتنا ورا البحر» لملاك.

مطلّ منزل آل خالد على درج إربد في وادي الصليب أثناء أعمال التخريب الإسرائيلية

في هذا العمل، تخوض خالد تجربة مختلفة في مسيرتها المتركزة على الأخبار والتغطيات الميدانية. إنّه مشروع شخصي بامتياز، تسلّط فيه الضوء على المدينة الساحلية الكوزموبوليتانية التي سلبها الصهاينة من أهلها وهجّروا غالبيتهم. لا تستطيع خالد إخفاء حماستها مع اقتراب موعد العرض، وهذا طبيعي، لكونها تتحدّث عن أرض عائلتها وتفاصيل من حيواتهم. تعجز عن تصنيف فيلمها ضمن خانة محدّدة: «هو ليس ميدانياً (باستثناء المقابلات) خالصاً ولا وثائقياً ولا حتى دوكودراما مئة في المئة...». تقول ملاك في اتصال مع «الأخبار»، مضيفة: «يفيض العمل بالمشاعر والعواطف واللحظات الإنسانية، وأريده وثيقة بصرية تحكي عن الخروج من فلسطين وتأكيد الرغبة والإصرار على العودة. أطمح إلى أن يشاهده الصهاينة ويدركوا أنّه على الرغم من مصادرة الأرض، لا يمكنهم النيل من الذاكرة، فالأهل يخبرون أولادهم بما جرى ويجري وينعشون ذاكرتهم باستمرار». هذه الرغبة لدى ملاك خالد، ترجمتها أيضاً في التصميم على استخدام اللهجة الفلسطينية المحكية التي تجيدها في التعليق المسجّل المرافق للفيلم؛ فلا بد برأيها من «إظهار أنّنا نتقن لهجة الأجداد رغم البعد الجغرافي».
يرصد العمل قصص خمس شخصيات أُجبرت على المغادرة، هي: المناضلة ليلى خالد وشقيقتها زكية (عمّتا ملاك)، وعبد اللطيف كنفاني الموجود في العاصمة اللبنانية أيضاً، بالإضافة إلى صلاح أبو بكر في سوريا، وزهرة الخالدي التي رحلت عام 1948، لكنّها اليوم من سكّان حيفا. كل ذلك ضمن جولة «قاسية وصعبة» في الذاكرة، على حدّ تعبير ملاك.
بدأ التصوير في أيّار (مايو) 2017، وانتهى الشهر الماضي، ويتميّز «بيتنا ورا البحر» بصور أرشيفية توثيقية كان يصعب جداً الحصول عليها، تثبت «أنّ بيوتاً مأهولة كانت موجودة في هذه البقعة، خلافاً لما قد يقوله العدو عن أنّها خالية وغير مسكونة». وهناك أيضاً «إيجاز مرئي لتاريخ المقاومة الفلسطينية، ومرور على واقع الأسرى، وتحية من ليلى خالد للفنان الفلسطيني الشعبي الراحل «أبو عرب»، صوت اللجوء الفلسطيني، عبر أداء مقطع من «هدّي يا بحر» بصوتها».
في فيلم ملاك خالد، أوكلت مهمة التصوير في الأراضي المحتلة إلى هناء محاميد، فيما كانت الأغنيات لـ «فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية»، فضلاً عن الحصول على حقوق أغنية «ربّما» (كلمات سميح القاسم، ألحان زياد بطرس) للبنانة جوليا بطرس.

* «ميداني ــ بيتنا ورا البحر»: الاثنين 25 شباط (فبراير) الحالي ــ الثامنة والنصف مساءً على قناة «الميادين»