إذا كنت لا تعرف حارات دمشق جيداً، عليك ألا تتهور بالذهاب نحو المالكي. أكثر الأحياء الدمشقية الراقية الذي تسيّجه رقابة أمنية رفيعة! هنا السائقون يلتزمون بفن القيادة وأخلاقياته. تلك أكثر الأشياء التي يمكن أن نستحضرها ونحن نشقّ طريقنا على مهل نحو موقع تصوير فيلم «يحدث في غيابك» (كتابة سامر اسماعيل، وإخراج سيف الدين السبيعي، وإنتاج «المؤسسة العامة للسينما» ــ بطولة يزن الخليل وربى زعرور). ضيق اللوكيشن وازدحامه بفريق تصوير كبير، سيجعلنا نتفق مع الكاتب على موافاتنا إلى مقهى «العجمي» لنتبادل أطراف الحديث على كأس شاي خمير! ثم نتحيّن الفرصة لتجاذب الحوارات على هدوء مع بقية صنّاع العمل.

يقول سامر اسماعيل في حديثه مع «الأخبار»: «كتبت هذا السيناريو عام 2013 واستغرق الأمر قرابة 14 شهراً متواصلة. لا أعرف إن كنت قادراً على استعادة السهرات المضنية مع رجل وامرأة لم أطلق عليهما أسماء. لقد كانت الأحداث في البلاد تدخل عامها الثالث. كتبت هذا الفيلم عن حمص التي كانت قد تقدمت في الجرح أكثر من دمشق التي كانت تدخل للمرة الأولى ما يشبه حظر تجوال بسبب الظروف الأمنية والقذائف التي تمطرها... من هنا كانت المهمة صعبة وقاسية في مقاربة ما يحدث، ليس في حمص وحسب بل في سوريا ككل. لكن اليوم وبعد ملايين الجرائم التي حدثت وتحدث وستحدث، أجد نفسي منصاعاً مجدداً إلى استذكار ما الذي يحدث في غياب (كَ). الكاف هنا تعود للخالق الذي نسي سوريا وتركها كل هذه السنوات تتخبط في دمائها».
من ناحية أخرى، يفصح الكاتب عن أنّ ورقه يطرح مواجهة قاسية، إذ «حرصت على أن تبدو واقعية وتفتح الأبواب على أسئلة بلا مواربة، تقدّم مادة درامية وسينمائية داخل البيت الذي يتبادل فيه كل من المرأة والرجل أدوار الجلاد والضحية. القاتل والقتيل. الظالم والمظلوم. لكن من دون أن تكون هذه الثنائيات محض حامل اعتيادي للعبة معروفة، بل بالتعويل على عالم داخلي شديد الثراء، ومتتاليات من أحداث تجرفنا معها، لتأخذ المشاهد إلى حمص التي كانت من المفترض أن تُعلن قبل أشهر قليلة من نشوب الحرب عاصمة عالمية للضحك، لتراها تصير عاصمة المآسي الكبرى». ويضيف اسماعيل: «لا سيناريو بلا قصة، وما أقوله ليس نتفاً من قصص أو تهويمات، هو كما حاولت أن أحققه على صعيد الكتابات العديدة للقصة. السيناريو والحوار مادة بعيدة عن ثرثرة التلفزة... إنها سينما عن إنسان سوري انهالت عليه كل سواطير الكوكب تمزيقاً وتقطيعاً وتشويهاً». وعن جوهر الفيلم، يقول كاتب «ما ورد» إنّه يحكي عن «مواجهة صادمة بين رجل وامرأة لا يلبثان أن يصبحا كل نساء ورجال سوريا الذين يسكنون بيتاً واحداً في حمص الضاحكة الباكية من شدة هول النكتة الشعبية «يوجد لدينا ثلج بارد للبيع»! أو «طلقة أصابت حمصي في إبطه فمات من الضحك». هكذا، أجد نفسي بين ظلال وأشباح تلك الشخصيتين اللتين ستتناوبان على رفع حرارة المشهد وتدفقه، بعيداً عن مكيجة لا قيمة لها للهول السوري المتفاقم».
أما المخرج سيف الدين السبيعي فقد طوّع العناصر الصعبة في هذا الشريط لجعلها تحديات دفعته للتصدي لمهمة إخراج الفيلم حسبما يقول في حديثه معنا. «فكرة المكان الواحد أغرتني وشجعتني على قبول المشروع، لأنّه يعتمد بشكل رئيسي على التمثيل والإخراج، والأدوات المتاحة لجذب الجمهور تتعلق بالمنطق الإخراجي والمقدرات التمثيلية لأبطاله. هذا بالإضافة لطريقة المعالجة الدرامية في الشريط، والتصاعد الحكائي، إلى جانب البعد الرمزي العميق الموجود في الحدث»، يضيف. ثم يؤكد أنّ «كلّ تلك الأشياء جعلني أتحمّس لإنجاز هذا الشريط كنوع من التحدي، خصوصاً أنّ كثيراً من المخرجين لا يفضلون مثل هذه النوعية من الأفلام». وعن اختيار الممثلين والفترة الطويلة التي استغرقها اعتماد الخيارات النهائية، فيتحدّث السبيعي عن «صعوبة في انتقاء الأبطال. هناك عدد من الممثلات رفضن دور البطولة النسائي. خضعت اللواتي وافقن لتجارب أداء، قبل أن يقع الخيار على اللبنانية ربى زعرور لأنّها ممثلة مجتهدة ومرنة، وشكلها وعمرها مناسبان جداً للشخصية، إضافة إلى حماسها... أما عمّا يروّج عن جرأة أحد المشاهد، فهو غير دقيق لأن حكايتنا لا تتطلب سوى تفاصيل بسيطة تتعلق بالحب». ويستطرد سيف قائلاً: «لا يحكي الشريط عن رجل اختطف امرأة كنوع من الثأر لاختطاف زوجته، وإنّما برمزية مدهشة يختصر حال الشعب السوري قاطبةً».

الكاف في العنوان تعود للخالق الذي «نسي البلاد وتركها تتخبط في دمائها»


من جانبها، تبدو الممثلة اللبنانية ربى زعرور مدركة جيداً للميدان الذي قدمت إليه، وتدرك حجم المقاطعة الفنية والثقافية لـ «المؤسسة العامة للسينما»، كما تعي أنّ الأجر الذي يدفعه القطاع العام ليس أكثر من فتات... ومع ذلك، وافقت على الدور رغبة منها بإنجاز دور صعب يحمل كلّ مقوّمات الإغراء بالنسبة للممثل. تعرّف زعرور عن نفسها بالقول: «درست الإخراج في لبنان، وعملت في قناة mtv ثم سافرت إلى أميركا لخمس سنوات، حيث عمّقت دراستي في التمثيل وعملت في المسرح والسينما لوقت طويل. تجربتي السينمائية الأولى في فيلم Cash Flow 2 (سامي كوجان) ومن ثم فيلم «اسمعي» (فيليب عرقتنجي)، إضافة إلى مجموعة مسلسلات لمحطات مهمة، آخرها «وعيت» (مازن فياض) الذي لم يُعرض بعد». توضح ربى أنّ «أكثر ما جذبني في الشخصية هو التغييرات المتلاحقة على وضعها وإيقاعها منذ بداية الشريط حتى نهايته. صحيح أنّ المكان واحد، إلا أنّ التباينات كبيرة، والزخم واضح في المشاعر والأفكار والتناقضات»، لافتة إلى أنّها نالت هذا الدور المركّب «عن جدارة... الشخصية صعبة بطريقة لافتة، وتحتاج إلى قدر كبير من الصدق. لا توجد جرأة مفرطة. تتحوّل علاقة البطلين جذرياً. المشهد الذي يُحكى عنه مطلوب وينفّذ بشكل محدّد... فعلياً لا يمكنني الموافقة على مساحات جريئة بشكل متهوّر، فالأمر في بلادنا يحتاج إلى ضبط عالٍ». وبالنسبة إلى شروط الإنتاج والمقاطعة التي تتعرض لها السينما السورية، فتشدّد زعرور على أنّها تعيش «من أجل السينما، والتمثيل، والأدوار الحقيقية. منذ أن قدّمت فيلمي الأخير، لم يُعرض عليّ دور جذبني مثلما حصل عندما قرأت هذا النص. سيبذل فريق الفيلم كل ما في وسعه ليكون العمل حاضراً في كلّ مكان»، مضيفة: «وافقت على أداء الدور نظراً إلى أهميته وواقعيته، ولأن أي ممثل بحاجة للعب شخصيات مماثلة، بغض النظر عن المشاهدة، لا سيّما أننا نعمل مع مخرج نثق بقدراته وآلية تفكيره ورؤيته».
على الرغم من استبدال الممثل الرئيسي مراراً بسبب ظروف صحية، رسا الأمر أخيراً على النجم الشاب يزن الخليل. نسأله عن الفرق في الأداء ما بين التلفزيون والسينما التي لا تقبل ردود فعل مبالغ فيها، فيجيب: «هذه تجربتي الروائية الطويلة الأولى. لكن آخر ما أفكّر فيه الفرق في نوعية الفن وطريقة العرض. المهم بالنسبة لي هو الإقناع والصدق في الأداء. وفي زمن منصّات العرض البديلة، تلاشى الاختلاف بين السينما والتلفزيون، لدرجة أنّه عندما تشاهد مسلسلاً أميركياً جديداً لا تجد فرقاً عن السينما». في «يحدث في غيابك»، يرى يزن أنّه «نحن أمام شخصيتين في مكان واحد تقريباً. العلاقة بينهما إشكالية إلى حد كبير. دوري هو صحافي يعمل في إحدى الجرائد الحكومية في 2012 في حمص، عندما كانت على فوهة بركان الحرب. يعشق زوجته، وأب لطفل حديث الولادة. تُختطف الزوجة والرضيع، فنتتبّع تحوّل هذا الرجل المثقف الواعي والناضج إلى مجرم! يختطف امرأة لا يعرفها ليتمكّن من استعادة زوجته في عملية تبادل. يجد نفسه سجاناً غريباً عن نفسه يعيش مع المرأة التي يختطفها... ومع مرور الوقت يبدأ الثنائي بالتعرّف إلى بعضهما البعض، ما يأخذهما إلى شكل وسوية مختلفة من العلاقة بعد سلسلة تطورات تصل بهما إلى مكان عميق طافح بالإنسانية».
غالباً تدعم السوية الأدائية للممثل تفاصيل بصرية أخرى تخلق حالة جذب كافية وتخفّف الضغط عن الممثل والجهد المطلوب منه، لكن في هذا الشريط يبدو الرهان فقط على مقدرات الممثل الذي تضيق أمامه الأفق كونه يلعب في مسرح حدث واحد طيلة فترة القصة. كيف تعاملت مع هذا الموضوع وهل هو تحدٍّ كبير بالنسبة لممثل مثلك؟ نسأل يزن، فيسارع إلى القول: «هذا أخطر ما في الأمر. وهي مغامرة كبيرة فعلاً، لأنّ الحكاية تملك كل عناصر التشويق والجذب كقصة للقراءة، لكن كيف يمكن أن تعيد صياغتها بروح قادرة على التقاط هذا التشويق؟ هنا تكمن الصعوبة. عموماً، فكّرت بالتركيز على مهمتي كممثل في إيصال الحكاية وتحقيق الإقناع بغض النظر عما يخلقه من جذب. لذا صرت أتعامل مع كل جملة في الحوار على أنها مهمة يجب أن أؤديها بمنتهى الأمانة والصدق. إضافة لتنوّع أماكن التصوير والجانب البصري، يمكن أن يكون العنف أو الجنس أو الكوميديا عوامل جذب درامية، لكنّها ليست موجودة في عملنا ضمن هذا المنطق. لذا، ألاحق ظروف المشهد ومعطياته مع محاولة إغنائه بتفاصيل حياتية وواقعية. أتعاطى مع الأمر على أنه مهمة مستحيلة تستحق بذل جهد خرافي».
من جانب آخر، تتقفى الرقابة الاجتماعية أثر الجرأة في الأفلام السينمائية وتحاكم الممثلين. هنا، يرى الخليل أنّ «مجتمعنا يعاني من ازدواجية معايير. لا يمكنني أن أرى الفن من هذه الناحية. فبمجرّد أنّني اخترت مهنة التمثيل، فهذا يعني أنّني رحت في اتجاه مختلف عن السائد. لذا، نحن (الممثلون) كسرنا سلفاً حواجز صنعها المجتمع. يجب أن يكون كل شيء مبرراً ضمن سياق درامي صحيح ينأى بنفسه عن الافتعال، وهذا ينطبق على كل أشكال المشاهد».