كان يمكنُ أن تكونَ المدينة ما زالت هناك. باب ادريس، سوق الطويلة، نافورة العنتبلي، سوق القماش، سوق الإفرنج، شارع سعد زغلول. كانت تبدأ رحلتي لزيارة أنسي من باب إدريس.

أزور أولاً سوق الإفرنج ونبعته القديمة وأملأ عينيّ بالخضار والفاكهة وأتفرج على الناس السعداء الذين يشترون ويغسلون الفاكهة من النبعة الصغيرة في أوّل سوق الإفرنج. ثم أدخل سوق الطويلة وأمشي ببطء وأنظر إلى الفيترينات الجميلة الصغيرة. على يميني محلّات الأقمشة والثياب والبياضات، ثم ألتفت إلى أقصى اليمين فأرى النافورة ما زالت في مكانها والناس يأكلون الحلويات حولها.
أصل إلى درج عتيق ضيق آخر سوق الطويلة، أصعد... هناك كانت «جريدة النهار» وكان أنسي. ألقي التحية على الجميع شوقي أبو شقرا، الياس الديري، فرنسوا عقل ولويس الحاج. أنسي ينكبّ على التصحيح وعلى المقالات التي بين يديه، يومئ لي وبنظرة أفهم أن علي أن أنتظره.
كنا أصدقاء طوال عمرنا بمعنى صداقة عمر، هو يحبني وأنا أحبه. هكذا كانت علاقتنا منذ البداية، منذ أن عرفته خلال «خميس شعر» الملتقى الشعري في بيت أدونيس في ديك المحدي، بعد أن لجأ إلى لبنان. هناك سمعت أنسي يلقي الشعر لأول مرة، وأدونيس وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة ويوسف الخال إلخ... هناك تعرفت إليهم جميعاً دفعة واحدة ومن هناك انطلقت صداقتي مع أنسي.
ثم سافرت إلى لندن كي أتخصّص في التمثيل والإخراج، وكان يكتب لي وعني وعن ما كنت أقوم به في لندن، ولم يقطع أخباري عن القراء.
وعندما وقع الانقلاب عام 1961، كانت أول سنة أدخل فيها الأكاديمية الملكية وبقينا على تواصل. كان يكتب لي وأجيبه وفي الوقت نفسه كان ينشر لوالدي أسد الأشقر مقالاته الأسبوعية من السجن بقلم سبع بولس حميدان، وكانت «جريدة النهار» تتابع أخبار الوالد وهو ينشر له باستمرار. عند عودتي من لندن كان أنسي هنا في بيروت وشاهد مسرحياتنا وكتب عنها، واقتبس لنا «الآنسة جولي» لسترينبرغ وكان دائماً في الصفوف الأمامية ليشجعنا.
وأهم شيء كان في أنسي الحاج، عدا عن شعره وأناقته، هي أسراره وما يخفي وقصصه المتعددة وكلامه الخافت على الهاتف لساعات مع فلانة وفلانة وفلانة، لكنه كان يفاجئنا دائماً بشعره وبقصائده وبوجوده السحري الشفّاف.
وبعد انتظار في مكتب «النهار»، كنا ننزل عند «العجمي» ونشرب القهوة أو نأكل ونضحك. من مزايا أنسي تلك الضحكة المكتومة التي تنفلت منه بقهقهة رنانة.
أين أنت أيها الصديق؟ أين المدينة التي نحبها؟ أين ناسها؟ أين شعراؤها وأزقتها وأسرارها؟
كلها ذهبت مع الحرب والطائفية والكراهية والاقتتال... وبقيت هكذا حتى الآن لكن من دون أنسي ومن دون المدينة.

* ممثلة وفنّانة مسرحيّة