ما تهمّني معرفته حول أنسي الحاج مسائل تتصل بأدبه، وكذلك بعض حياته العميقة، وهو الشاعر الشاعر، وهو إلى ذلك النجم الأدبي طوال عقود وإحدى أيقونات الحداثة اللبنانية: ما تأثير وفاة أمه وهو بعد طفل عليه، وبالتالي على أدبه؟ أو زواج والده بعد رحيل الوالدة، وكيف عاملته الخالة وانعكاس ذلك على نظرته إلى المرأة والحب والعائلة والأبوّة؟ كيف كانت علاقته مع آل تويني، أصحاب «النهار»، ومنهم ناديا، ومع يوسف الخال وجماعة مجلة «شعر»؟ وكيف أثّر كل ذلك على مسيرته وتحولاته الأدبية والصحافية؟

ما يعنيني دراسات في مدى تأثير «لن» الفعليّ على الشعراء وفي الحركة الشعرية العربية الحديثة. أو أسباب تحوّل الشاعر عن غضبه (في مجموعتيه الأوليين) ونقمته على الوجود والاخلاق وكل مؤسسة، وعلى الحب والعائلة (رغم أن «لن» نفْسه، «كتاب اللعنات» كما يوصف، مهدى «إلى زوجتي»!) نحو إيمان بالمسيح وعجائب القديسة ريتا وطهرانية ذات منحى صوفيّ من خلال المرأة، وهل قصة عشقه فيروز، أو ربما نساء لا نعرفهن، وراء هذا التحوّل من شيطان الإلحاد واللعنات إلى ملاك الشعر وسليمان شعر الحب (لكن من دون إيروسيات «نشيد الأناشيد» ولذاذاتها). لماذا لا يجرؤ كاتب على كلمة واحدة حول هذه العلاقة وطبيعتها مع المطربة، وقد ألهمت الشاعر أكثر كتبه سهولة وشعبية، «الرسولة بشَعرها الطويل حتى الينابيع»؟ وإلامَ يمنعنا الخوف والعيب والرقيب الداخلي أو الخارجي من كشف حياة الأدباء لإضاءاتٍ مختلفة على نصوصهم، علماً بأن بعض النقد الأدبي والثقافي (نظرية رولان بارت حول «موت المؤلِف» والبحوث الألسنية والسيميائية) لا يرى في عيش صاحب النص وسيرته فائدة لسبر معانيه.
ثم إن أنسي كتب في «خواتم»، قبل أعوام قليلة من غيابه، أن الشعر يكمن أيضاً، وخاصة خارج القصيدة أو خارج ما يمكن اعتباره شعراً، في مقالات بعض الكتّاب مثل سمير عطالله وغسان شربل، كما قال. واعتبر «خواتم»، وهي تأملات وتفكُّر في الوجود والانسان والحب والفنون، ذروة صنيعه الأدبي. فهل لأن القصيدة «أقفلت» لدى الشاعر المقلّ، المنقطع مرةً 15 عاماً عن الكتابة (بدءاً من عام 1976، بعد مقاله «كان لي وطن»)، أم لأنه يتمرد على منجزه الشعري وأشكال القصيدة وبنيتها، أم أنه في تأملاته النثرية بلغ عمقاً ووساعة في غَرْف موضوعات لم يطرقها شعره، إضافة إلى مدى من «الوضوح» والتأثير في القراء غير مسبوق في قصائده؟ هل بذلك كان يرفض النخبوية وانغلاق النص الشعري أقله كما كتبه في ما اعتبره البعض تحفته الأمضى، «لن»، وتابِعتُها «الرأس المقطوع»؟ أين كان أنسي سياسياً، أكان فقط يسار جريدة اليمين، «النهار»، عبر ملحقها، وبالتالي كان له يساره المختلف عن أحزاب اليسار، وبهذا المعنى كان بين اليمين واليسار بالمعنى السياسي والموقف من النظام اللبناني؟ لماذا توقف عن الكتابة طوال حرب لبنان؟ وهل هذا جرّاء موقفه الملتبس منها؟ وكيف «صرّف» غضبه وأين؟ هل كان موافقاً على السياسة التحريرية لصحيفة «الأخبار» التي كان «مستشاراً للتحرير» فيها؟
كلّها أسئلة، وهناك سواها، تحتاج إلى دارسين ودارسات ينقلون الكتابة عن أنسي من مجرد المديح الى النقد الثقافي والأدبي الذي يغْني الحركة الأدبية بالكشف والتحليل كما بالفهم الجاد للرجل ومواقفه السياسية والاجتماعية (ألم يتراجع مثلاً عن دعوته الى الحرية الجنسية؟) ومنجزه ومكانته في عصره والادب العربي عامة.
أخيراً هل بين أصدقائه ومريديه من قد «يخون» شيخه وكاهنه بنقل شيء من آرائه التي لم يفصح عنها علانيةً وقد لا يزعجه أن تُعرف بعد رحيله؟ هل بين حبيباته الشاعرات وسواهن من تتجرأ فتروي عن حياتها معه أو تنشر ولو رسالة صوتية أو قصيدة تلقتها من شاعر الحب عبر واتساب (كما فعلت غادة السمان برسائله إليها)؟ أيعقل ألا نعرف عن «شاعر الهتك» والسوريالية واقعةً غريبةً واحدةً أو فضيحةً ولو بسيطة أو سراً يكسر الصورة الرسمية التي حرص على الظهور بها اجتماعياً ويبدو أنها ستستمر الى أجل ليس بالقريب؟
أليس غريباً أن يكون أحد أوائل السورياليين العرب أكثر الشعراء ملائكية وتكريساً «كأنه جبران آخر أو فيروز أخرى للبنان» كما كتب محمد ابي سمرا؟ ترى هل سنحظى يوماً بسيرة ولو أوّلية لأنسي الحاج كما فعلت نادين أبو زكي مع نزيه خاطر في كتابها عنه «رئيس جمهورية من الأعداء»؟ أم أن سطوة أنسي، ومن مرّ في حياته، على الحياة الثقافية أقوى من أن تسمح بتنقيب كهذا يحترم حق الأدب والأجيال بكتابة تؤرخ وتشهد فتؤسّس لتراكم معرفي لا مدينة ولا ثقافة من دونه؟

* شاعر