يأتينا أنسي الحاج دائماً من جهة البرق الذي يلمع في كلماته. ومن خلال هذا البرق، لا نزال نلمحه في السماء العربية التي تزداد حُلكة، لأنّ من كان مثله لا يوضع على رفوف الذاكرة. من كان مثله، لفرط حيويّته، لا يغيب.

«كلمات كلمات كلمات». صرخة هاملت هي صرخته بالذات. كانت الكلمات أرضه وغصن أحلامه، وقد نقل عبرها قسوة الوجود وفرحه. جَمَّلَ عزلته والغربة، ولوَّنَ جروح طفولة لم تندمل، كما أزاح ظلال الواقع كمن يزيح عن وجهه الأغصان المتشابكة في غابة كثيفة مظلمة.
الكتابة، هنا، ليست فقط للكشف والتأريخ والشهادة، وليست للحلم بالأشياء البسيطة وبالتغيير. إنها أيضاً محاولة لاختراق الجدار المغلق ونافذة وهميّة للهرب. الهرب، لكن إلى أين؟
منذ البداية، عاش أنسي الحاج الخوف الأصلي المتجذّر في داخله. ديوانه الأوّل «لن» يبدأ بكلمة «أخاف». الخوف الذي ينبع من الفقد المبكّر ومن الهاوية التي في نفسه. وكان صوته يعلو ويرعد بمقدار ما يزداد خوفه، كأنما ليشعر بأنه لا يسير وحيداً في «ليل العالم». أنّ صوتاً حنوناً آخر سيطلع فجأةً من وراء صمت الصحراء الهائل وسيفتح أمامه الدروب. لذلك كان يبحث عن خلاص في الحبّ، أو بالأحرى في ما يتوهّمه وما يسقطه من نفسه عليه. أليس هو القائل: «بين جميع أنواع فشلي أختاركِ»؟ كأنّ سفينة الخلاص تنأى، فيما هي تقترب. كيف لا وكان يعتبر أنّ الحبّ يؤلم حتّى الموت إذا ما تبودل ويؤلم حتّى الموت إذا لم يُتبادل؟ هذا هو أنسي الحاج، المقيم عند حدود الثنائيات والتناقضات، داخل الأسئلة الصعبة لا في الإجابات الرخوة الجاهزة. يغضب ويشفّ، يثور ويخمد، يكفر ويصلّي، يلعن ويبارك، يشتعل ويعصف حيناً، وحيناً آخر، ينزل مطراً خفيفاً أو ضوءاً عذباً في ليلة صيف. وكتابته التي تحفر عميقاً في الذات بحثاً عن النواة الأولى هي كتابة الحبّ والتمرّد والحرّية.
حين التقيته في «النهار العربي والدولي» في باريس، أوّل وصولي إليها، لم يكن بعيداً، فكراً وعاطفة، عن لبنان الذي كان يشتعل بنيران حربه الأهلية ويتحوّل أرضاً خصبة للذئاب. وكانت تلك الحرب تنغّص عليه فرحته في وجوده في المدينة التي يعشق. كان يعيش حالة غضب وقرف، وخيبة أمل كبيرة بالواقع اللبناني. خيبة أمل بالبلد ونظامه السياسي، وبالناس والحياة، وخصوصاً الناس الذين سقطوا في براثن الفخّ الطائفي. كان منفاه الداخلي أشدّ وقعاً من الابتعاد قسراً عن المكان الذي حلمَ به على «هوى حبّه». وكنّا، حين ينتهي من عمله في ساعة متأخّرة من الليل، نذهب، أحياناً، إلى مطعم «لاكالافادوس» القريب من مقرّ المجلّة، ونحتسي كأساً من النبيذ الأحمر، بينما نستمع إلى الصوت المعتّق الأجشّ لمغنّي الجاز الأسود الذي يساعدنا على وداع نهار آخر.

* شاعر