المساحة التي يشغلها المسلسل على «نتفليكس»، لا تقلّ أو تزيد على زاوية ضئيلة يقتصّها المطعم من حي شينجوكو في طوكيو. لهذا الحي طقوس تبقيه صاحياً طوال الليل. محلاته متلاصقة، وشهرته جاءت من أفراد العصابات وقطّاع الطرق ومن إحدى أكثر محطّات القطار اكتظاظاً في العالم. سندخل زقاقاً من أزقته المتعرّجة في مسلسل «مطعم طوكيو: قصص منتصف الليل» الذي انضمّ واحد من أجزائه الأربعة إلى المنصّة العالميّة قبل سنتين، ضمن تعاون الشبكة مع تلفزيون «تي بي أس» الياباني. قد تكون الكتابة عنه الآن متأخرة، لكن ذلك مبرر بما أنه لا يملك مواصفات الأعمال التي تخضع لسباق نسب المشاهدة أو تشويق انتظار موعد إطلاق أجزائه الأخرى. ذلك ما يؤكّده تخلّف «نتفليكس» عن عرض مواسم أخرى من العمل الذي يأتي ضمن نمط مسلسلات الطعام اليابانيّة مثل «ساموراي غورميه» (2017). بكلّ الحالات، فإن الحلقات المتاحة والتي لا تتجاوز كل منها عشرين دقيقة، هي حكايات سلسة ومكثّفة لا ننتبه كيف يدخل إليها الأبطال ويقفزون منها. فالقصص كما تقال وتتراكم وتحدث بتمهّل، يمكن أن تقتطع بسهولة من مشاهدها لتصير شفهيّة، لكي تهمس في أذن أحدهم كخلاصات مقتضبة وعبثية ومرحة أحياناً عن العلاقات، والحب، والموت والشهرة والوحدة والخيبة. نتعرّف إلى هذا الفضاء المكاني المركّب من أفراده في ذروة وحدتهم. تنحدر الكاميرا تدريجاً، في بداية كلّ حلقة، من مشهد عام لطوكيو في الليل إلى زقاق ضيّق، سننفذ منه إلى مطعم صغير يملكه «الماستر»، كما يناديه الزبائن الجدد ممن يبحثون عن لقمة يملأون بها بطونهم آخر الليل، وأولئك الذين يظلّون متسمّرين في معظم الحلقات، يعيشون على فتات الأحاديث والأطباق. بين هؤلاء، رجل لا تفارق القبعة رأسه، ونساء ثلاث يستمعن ويعلّقن على كل ما يقال أمامهم. تخضع الحلقات إلى قالب بسيط مشترك. المطعم أو الإيزاياكا، كما يطلق باليابانية على حانات آخر الليل، هو المسرح الثابت للحلقات العشر التي يحمل كل منها اسم طبق ياباني. يفتح الباب الجرّار فتبدأ الحكاية من ديكور أليف تتوزّع المشاجب بين جداريه المتقابلين، وفيه طاولة مربعة تستقبل حوالى 12 شخصاً. أما المطبخ فمكشوف. يطهو فيه الماستر على الملأ، بجانب صحون وأوانٍ خزفية تصطف فوق بعضها. في هذا الفضاء الدافئ والمحدّد، سيجد المشاهد مقعداً له أيضاً. هو مثلهم مدعوّ إلى المائدة من خلال لقطات قريبة. لا ينتظر الرجل طويلاً حتى يأتيه الزوّار، منذ أن يفتح أبوابه من الثانية عشر بعد منتصف الليل إلى السابعة صباحاً. تتوافد الشخصيّات في هذا الوقت. على القائمة طبق واحد. لكن الماستر مستعد لأن يطبخ كلّ ما يطلب منه شرط أن تكون المكوّنات متوافرة لديه.

كل حلقة تقدّم لنا وصفة جديدة يقولها الماستر أو إحدى الشخصيات عبر كسر الجدار الرابع مع المتفرّج: عجّة الأرز، اللحم المقرمش بعجينة الذرة... يستند المسلسل إلى مانغا بالعنوان نفسه ليارو آبي صدر عام 2006، قبل أن يتحوّل بدءاً من العام 2009 إلى مسلسل تلفزيوني من أربعة أجزاء (إخراج جوجي موتسوكا، ونوبوهيرو ياماشيتا، وتاكورو أويكاوا). صنع آبي أيضاً مجموعات أخرى من سلسلته المصوّرة بالصينيّة واليابانيّة، انتقل بعضها إلى فيلمين طويلين بالإضافة إلى اقتباسه كمسلسلين بالكوريّة الجنوبيّة والصينية. الكلّ له متسع في المكان: ممثلون وكوميديون وبائعو خضار، وسكير، ومقامرون وآباء وعماّل وعلماء. أما الأطباق وإن كانت كلّها من الأكلات اليابانية التقليدية، فلا تجعل من المسلسل برنامجاً تعليمياً. إذ يبدو، أكثر من ذلك، كفرصة لاستكشاف وظائف وأفعال أخرى للأكل كالبوح، أو لإطلاق فانتازمات فاحشة، أو لاستعادة نكهات الماضي. من الصحون، تنتقل لقطات الكاميرا القريبة على وجوه عابرين أنهوا دوامهم ولم يرغبوا في الذهاب إلى المنزل مباشرة لأن لا أحد سيكون في انتظارهم على الأغلب. زيارات متأخرة كهذه تكون أشبه بتعويض عمّا فاتهم من نهاراتهم. عمّا انتظروه بتردّد، وانقضى النهار وطلع القمر ولم يحدث. نزهات قبل النوم تجعل من الشخصيات أكثر شفافيّة. ينزلقون بسهولة إلى أحاديثهم الخاصّة. «الماستر» يساهم بهذه اللعبة ويحفزها وإن كان ذلك بصمته وبابتسامته اللطيفة فقط. بينما يكاد ينسى الحاضرون وجوده، يستمع هو إلى ماضيهم وحاضرهم. قد يتدخّل أحياناً، لكنه لن يصل إلى مرحلة الكشف عن شخصيّته الخاصّة. كأن روحه هي حصيلة لقصص شهدها، ولنظرات تعبر بين أطراف طاولته. يقبض المسلسل على لحظات اللقاء العابرة التي تحتمل ما هو أكثر من الحيوات الفرديّة لأصحابها. تظهر معها ملامح من الثقافة الشعبية والتقاليد اليابانيّة كعناصر أساسية مثل ذاكرة أفلام الأطفال، والطبخ، والمسرحيّة والفنون التقليدية الإيروتيكيّة. مع وعاء حساء وشراب الأرز الساخن، ترجع الأحداث إلى الماضي، لتكشف عن الوجه الجميل للعاملة الذي أنفقته في فندق رخيص. تعوّض وحدتها بالاهتمام بابن أخيها السكّير، وحين يسجن سيخرج لها جوكر آخر هو ابنه الذي ستصير مسؤولة عنه أيضاً. إنها تبحث عن أحد تهتمّ به، في حين تغفل عن رجل ما زال يحتفظ بإعجابه لها منذ أيام المدرسة. في هذه الليالي المجهولة، قد تبدأ وتنتهي العلاقات خلال فترة تردّد الأشخاص إلى المطعم، أو تأخذنا إلى المستقبل كما حدث مع عالم الفيزياء الشاب الذي يلحق بامرأة إلى كوريا الجنوبية كان قد أغرم بها على طبق عجّة الأرز. تتوزّع اللقطات بين الداخل والخارج لتتقفى الشخوص وحكاياتهم في الطرقات والمكاتب والسيارات والمسارح. نرى بطلة النينجا القديمة، وقد صارت سائقة سيارة أجرة متفانية في عملها بعدما فقدت الثقة بقدراتها التمثيليّة. مع ذلك، لا تزال تهتمّ برشاقتها، حيث تتخلى عن النودلز في الحساء تفادياً للنشويات. هكذا يتعرّف إليها أحد الجالسين وهو مقدّم برامج على الإذاعة المسائية. حين يريد أن يستضيفها في برنامجه تخبره عن بطل نينجا آخر كان يجلس بجوارها لكنه لم يلحظه لأنه خضع لعمليّة تحوّل جنسي. من الطبق اليومي، يشقّ المسلسل تلك الفتحة إلى الحيوات والأسرار الشخصيّة، من تفاصيل شرائح اللحم الرقيقة، وقطع نبتة اليام المقليّة مع صلصة الصويا التي يغازل بها رجل زوجته التي تصغره سناً. برشفات من نبيذ الخوخ، يعود شبح أم بائع الخضار من الموت كي يتخلّص من سرّ خلّفه وراءه. إنه لا شيء سوى رسومات الشونغا الإيروتيكية التي ما زالت تحتفظ بها منذ زواجها. شبح أمّه، يصيب بائع الخضار بقلق بسبب فيديواته البورنوغرافية وخوفه ممن قد يعثر عليها بعد وفاته، فيكلّف الماستر بحماية أمانته. لا تتفادى الحلقات الخيبة والفشل والعبث بوصفها المصائر الأكثر التصاقاً بالناس. قد لا يلتقي العاشقين في النهاية، وقد نعثر على المظلّة البيضاء لامرأة جميلة في الوحل. على إيقاع الأحاديث اليوميّة، لن نبلغ الذروة الدراميّة. تمضي الأيام بتطابق معظم الوقت ولا يضيئها بين الحين والآخر إلا لحظات ضئيلة تظهر في آخر الليل أحياناً. لذلك، من يتوقّع تدخلات لتقلب الحيوات بلمح البصر أو أن يصير لكلّ ذلك معنى فجأة، قد لا يجد ما يبحث عنه في «مطعم طوكيو: قصص منتصف الليل». مثلما يمكث الأبطال طويلاً على مقاعدهم ينتظرون الحياة لتحدث، ينتقل هذا الانتظار إلى المتفرّج أثناء مشاهدته للحلقات التي يخرج منها بخلاصة واحدة شافية: البطون هي مرايا الروح.