«في الموت نتقدم خطوة واحدة

ثَمَّ خطوة واحدة
ندخل باختصار شديد
نحيي الواقفين والجالسين والنيام
نسدل الستائر خلفنا
نقفل الأبواب والنوافذ والأحلام والعيون
نطفئ الذاكرة المضيئة في الرواق الطويل»
يُغادر بسّام، يترك الظلّ وحيداً على عتبةِ الغرفةِ التي أظُنُّها المهرب، يفتتحُ النهايةَ بضوءٍ نحيلٍ مثل ابتسامته، هكذا أخاله ابتسم، يخبّئ في معطفه ذاك الدفء الموشومَ بارتعاشة الشتاء، يمتلئ الدخانُ في أرجاءِ الغرفة كأنه حشود خيالاتك/ خيالتهِ عن الرجل الذي صار ظلاً كما أخبره والده ذات ومض، اللحظة التي تقرأ فيها الهدوء المتسرب من فراغ الشوارع في الإجازات، مصابيحُ تذوي آخر الليل بينما يخلعُ بسّام شحوب تغريد الكناري الذي ترك القفص خالياً مثل غروب وجوه الباعة الجوالين آخر النهار.
مما أراه في ردهة الجلوسِ أنّ الصورةَ الماثلة أمامه كانت الأيدي الممدودة المفتوحة لاحتمالات المصافحة، في ليلةٍ من ليالي شباط، تتحدث الأيدي بنبرةٍ تشبه لذع النبيذ معه، عنه، إليه، عن الطيف الذي يسكنه، عن الفكرة التي سار إليها وسارت إليه بالشغفِ الخفي الممزوج باللامبالاة، وانتباه الحجر لصلواتٍ تحتفي بالهمس، للعشبةِ التي تحتضن صدعَ الجدار الذي يدعونه الحياةَ، ويسميه الموت.
طوبى للوردة التي تستنشق السماء وتمد لها العطر.
طوبى للحجر الذي احتضن في صدره وجه وردة.
«كلنا شعراء بالفطرة» هكذا قالت ربّة الشعر، تُغربلنا الحياة، نكبرُ وعيناها تراقبان أرواحنا، تُغمضان، ينسابُ الحلمُ من المقلتين فتطير فراشتان، ويورقُ الشعر فينا. كان بسّام حجّار لي مثلها، مثل مقلتيها، كان الباب الذي أغبطُ فيه نعمة الشعر، بركةَ الكلِم، مؤانسةَ الغريب، النوم في حضرة السهو، الطيرَ الذي لا يأبه لإشارات المرور، والتفاتة الصبي لجرس البائع المارِ مسرعاً، والنغمة التي تبلّل شفتي حسناءٍ وهي تنشر شعرها على حبل الأمنيات.
مما أراه، يخلعُ نظارته شارداً في تأمل أحوال الطريق، يخلّل أصابعه بين تسريحة الشعر المسدول للخلف، يشعلُ سيجارة، يَحدثُ بسام، وفي مخيلته تحدثُ القصيدة، يُقلّبُ أوراقه التي قرأتها يوماً وأحيت الشعر في فمي.
كيف للحضور أن يكون عنوان الموت عنده؟ لِماذا يكون الشعرُ تلويحةَ الوداع الأخير للحياة؟ ما الذي يجعله رسالة الصمتِ عن الألم المتجذّرِ في قارعةِ طريقٍ موحشٍ بكائناتٍ يألفها ولا نعرفها؟
«الشعر هو تأسيس الكائن بالكلمة». يقول هايدغر، هكذا نمارس الشعر ونؤسس كياناتنا عند قراءة بسّام، يرتحلُ بك نحو الشعر الخالصِ الذي يسائلك عن الوجود، الصرخة الخافتة تجاه القبح والظلم ونفي الإنسان، يذكّرك بالروح الوحيدةِ في أقاصي القرية التي باتت مدينة الخائفين.
بسّام والغرفةُ المضاءة بالمصابيح التي تملؤنا، المشفى المتّشح بالبياضِ عن السواد، الأرصفة التي تنسى تفاصيل الطريق، الوجع قابضاً عليك وهو على شكل وجهك. سوف تحيا بعدنا يا بسّام... وكنت كذلك قبلنا، سوف تحيا القصيدة عن «منار» والرائحة التي تهديك توهجك في الصباح، سوف تحيا من بعدنا الأطيافُ التي تسأل عن حياتها: «كأننا أيها الطيف شقيق غربتك؟»
سوف تحيا مثلما تحيا الأيدي الممدودة المفتوحة لاحتمالات المصافحة في ليلةٍ من ليالي شباط.
ما رأيتك يوماً، لكني أراك الآن، أرى «دلال»... وذكرى ما نحياه بعده بك في المنامِ، أو الصباح.
«لكن نامي الآن
نامي الآن
لكي لا أجدكِ متعبةً في الصباح»

* شاعر عراقي مقيم في الكويت