يا للحظ، منذ صباي وأنا أتصور أن الشعراء الرومانسيين وحدهم هم من استعانوا بملاك الموت لإكمال رومانسيتهم، الأصح لتتويجها، لولا أن بعض شعراء الحداثة غازلوا الموت وجلبوه إليهم بمعاداته ومعارضاتهم له، ذلك على الرغم من أنهم يستشهدون غالباً بالعبارة البليغة: الموت نقّاض. هكذا عرف الموت طريقه إلى شعراء جيلي، مرات بالمفاجأة، ومرات بالمرض، فعندما اختار الموت الشاعر المصري علي قنديل والسوري رياض الصالح حسين، وكلاهما في الحقيقة لم أعرفه إلا من شعره، اختارهما بالمفاجأة، واكتفى بأن أصابنا بالحزن العاصف مبكراً، لأنهما كانا طرفين من أطراف مغامراتنا التي كنا في أولها. وعندما، فيما بعد اختار الموت المصري الآخر حلمي سالم واللبناني بسام حجار، اختارهما بالمرض، الأول كان صاحبي، خاصمني وخاصمته، فظن البعض أننا عدوان، ولم نكن، وصالحني وصالحته، وظن البعض أننا رفيقان، وكنا، ولحظة موته كنت الأقرب إليه إلى حد اليقين بأن ما أماته هو خطأ ما ارتكبه مستشفاه. أما بسام حجار فهو ذلك الشاعر الآخر، في المكان الآخر، الذي يصادفني اسمه دائماً على ألسنة الشبان دون الثلاثين أو حولها تقريباً، سواء في مقهى «زهرة البستان» في قلب القاهرة، أو في مقاهي الأطراف، بعض هؤلاء الشبان، كان يبحث عن دواوينه، أعني بسام، ويشكو ندرتها. ولمّا وجدها عندي، رغب في تصويرها، وبعضهم تهلل عندما علم أن جهة ما تنوي إصدار أعماله الشعرية الكاملة قريباً، وكلهم كلهم حدثني عن فتنة ترجماته.

كلهم كلهم حدثني عن كاواباتا حجار، وهاندكه حجار، وسالنجر حجار، وكالفينو حجار، وهرابال حجار. كنت أراهم مفتونين فتصيبني الفتنة وتغريني بالحكي الذي أنا ممسوس به، وتغريهم بالإنصات الذي هم لا يحتملونه. كنت معهم أكتشف بسام حجار مرة ثانية، وأكتشف أن بسام أيامها كان واحداً من قلة تنفلت روحها وتصبح خارج المكان، فيما أصبح أغلب الشبان الآن محمولين على هذا الاتجاه، مما جعل القراء منهم يلتفون دون قصد حول شعر بسام وترجماته كحجر زاوية، وخارج المكان في هذا السياق لا تطابق ما قصده إدوارد سعيد، الذي مع مرضه كتب سيرته المؤجلة منذ أدرك أنه عربي أدت ثقافته الغربية إلى توكيد أصوله العربية بما يفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافتين. في أوائل التسعينيات كما أذكر، صار بسام ضمن فريق ملحق «النهار»، لعلها فترة ولاية أنسي الحاج، عندما كان رئيساً لتحرير الجريدة، لا أذكر الآن موقع شوقي أبي شقرا. هل كان هو أم إلياس خوري رئيساً لتحرير الملحق، عموماً الثلاثة من عشيرتي الأقربين، الثلاثة مقدّمون على كثيرين سواهم، ذات صباح من صباحات تلك الأيام، تسلّمت خطاباً بريدياً قادماً من بسام. كان يدعوني إلى مشاركتهم بأن أتكفل بإعداد رسالة القاهرة، كأنْ أختار القصائد والقصص والمقالات. أما المكافأت فسوف تتراوح بين الخمسين والمئة دولار، لم أكن قمت بمثل هذا العمل من قبل، ولن أقوم به من بعد، ومع ذلك فرحت لأنه سيحول علاقتي الرمزية ببيروت إلى علاقة فعلية مشتهاة، ومما شجعني أكثر على الصمت والقبول، معرفتي بأن عباس بيضون أحد أعضاء هيئة تحرير الملحق، وكنت أزعم لنفسي وما زلت، أنني أعرفه، وأن مسيرته السياسية والشعرية قد تضعنا معاً في سماوات قريبة. أيامها كنت أزعم لنفسي أنني أعرف رأس بيروت، وأن رأس بيروت يشبه رأس عباس، حيث عباس بيضون مغمور بالمكان، إلى الحد الذي لفتني فيما بعد إلى احتمال وجود شعر بسام حجار خارج المكان.
المهم أنني آنذاك لم أكن تعرفت بنَفَس طويل على أعمال بسام، وكنت أحسب أن قطاعاً كبيراً من الحداثة الشعرية، خاصة حداثة بيروت، يكاد أو يرغب أن يكون خارج المكان. على الرغم من ذلك، ما زلت أذكر ما كتبه وضاح شرارة ذات مرة، كتب يقول: وديع سعادة، عباس بيضون، وبسام حجار: في سنة واحدة، 1985 ينبغي لقارئ الشعر أن يُعلِّم حَجَر هذه السنة بعلامة بيضاء. انتهى كلام وضاح، في هذه السنة أصدر بسام ديوانه «لأروي كمن يخاف أن يرى»، وكان يحوي موجودات العالم جميعاً في كل مكان، أبواباً وصناديق ونوماً وضوءاً وهواء وليلاً وغباراً ونوافذ وغرفاً إلخ إلخ، عندما راسلني بسام، كنت فقط أعرف ديوانه ذاك، بعدها ستنتظم علاقتي بشعره وترجماته. كنت أقرأ الآخرين معه، ولم أكن تعرفت شخصياً على أحدهم باستثناء عباس بيضون الذي قابلته في «زهرة البستان»، سنة 1982، فيما بعد سأتعرف عليهم جميعاً، وديع سعادة وبول شاؤول ورشيد الضعيف، الذين يمثلون مع آخرين الفصل التالي من فصول قصيدة النثر.
فقط فاتني ذكر محمد العبد الله الذي سينال موته من قوتي، كأنه شرفة داخل نفسي، في جهة أخرى من بيروت، لنفترض أنها جهة الجنوب. كان هناك امتداد نشِط للشعراء الرواد، بموسيقاهم وحليّهم الكثيرة، بقضاياهم الكبرى، كنت أتابعهم بدأب أيضاً، محمد علي شمس الدين وحسن العبد الله وجودت فخر الدين وشوقي بزيع. لم يتوقف أحدهم عن الغناء، وإنْ بتفاوت، بين غزارة الأول والأخير، ونزارة حسن وجودت، وكانوا يحققون شروط تجليات المكان في زمانه المحدد، كأنهم علامات على الطريق الذي قد نجتاز بعضه، أعود وأقول استجبت لدعوة بسام، وأرسلت رسالتي الأولى، والتي أصبحت الأخيرة. أرفقت بالرسالة شرطي الوحيد، ضرورة إرسال كشف مكافآت يسمح لصاحب المادة المنشورة بالاطلاع والتوقيع على استلام مكافأته التي تتقرر قيمتها بعد استشارتي لأنني الأقرب منهم إلى الكُتّاب المصريين، وبالتالي الأقدر على تمييزهم. كنت بيروقراطياً غشيماً مثل الليل ومثل النهار، كما كنت مدفوعاً أيضاً بالحرص الذي استعدتُ معه ذكرى ضياع كل مكافأتي عندما نشرت قصائدي في مجلة «الثقافة العراقية»، مجلة صلاح خالص وليست مجلة الشيوعيين، حيث كان مراسلها، الصحافي اليساري الشهير، يعتذر دائماً بتأخر المكافآت. عموماً، لم يراسلني بسام ثانية، وظللت أتابعه وأتابع ملحق «النهار»، قارئاً في الأغلب، كاتباً أحياناً، ونسينا، بسام وأنا، نسينا في صمت دافئ حكاية المراسل.

هو ذلك الشاعر الآخر، في المكان الآخر، الذي يصادفني اسمه دائماً على ألسنة الشبان دون الثلاثين أو حولها تقريباً

في سنة 1992، أرسل بسام ديوانه «فقط لو يدك»، بإهداء مكتوب بحبر أزرق برونزي، في نصفيْ سطرين، الأعلى عبد المنعم رمضان، والأدنى خالص المودة والتقدير، ثم مسافة رأسية بيضاء ونصفا سطرين آخران، الأعلى بسام حجار، والأدنى بيروت في 28/02/1992. مازلت أتأمل هذا الإهداء، إنه أيضاً محايد، حتى مع حضور المودة والتقدير، إنه أيضاً خارج المكان، حتى مع حضور كلمة بيروت. عموماً لم يكن هناك ما يجعل بسام حجار يندفع نحوي ويفتح لي لسانه وقلبه، احترمت على مضض تقشفه، وحرصت على متابعة ما يصدره من دواوين وترجمات، كأنني أتلصص عليه، رأيته داخل شعره في صحبة نفسه، ورأيته داخل ترجماته في صحبة سالنجر وهرابال وكالفينو، فابتهجتُ، ورأيته أيضاً في صحبة الظلال، فاختلجتُ، وقلت لعل ديمومة الظلال وحصانتها أغوته كما أغوت غيره. في كتابيه البديعين «مجرد تعب» و«صحبة الظلال»، تتحقق إلى الحد الذي يُحتمل يوتوبيا بسام حجار، يوتوبيا الظلال، يوتوبيا أن تنغمس في المكان وتتجرد منه وتصير خارجه، وأن تنغمس في الزمان، ماضيه وحاضره ومستقبله، وتتجرد منه وتصير خارجه، كأنك على حافة الكهف. سأسمح لك أن تظن الكهف هو كهف أفلاطون، كأن آنا أخماتوفا تقول لك على لسان بسام، كما روى بسام ذات يقظة، كل الأشياء التي أراها سوف تحيا من بعدي، وكأن بسام حجار نفسه يقول على لسان بسام، كما روى بسام ذات غفلة، أيها الباب سوف تحيا من بعدي، أيها الضوء سوف تحيا من بعدي، أيها المكان سوف تحيا من بعدي.
قبل أن أقابل بسام، كنت أتخيله، لم أستطع أن أستعين بصورته على بعض أغلفة كتبه، ظننتها صوراً مغشوشة لإخفائه لا لإظهاره، إلى أن قابلته أول مرة في باريس، وآخر مرة أيضاً، أظنه كان بغير شارب على خلاف الصور، وأظن أن عينيه كانتا غائمتين، هما في الصور مندهشتان، فقط بعض عناوين كتبه كانت تشبهه. الشخص الذي رأيته وسلمت عليه، كان كمن يخاف أن يَرى، كمن يخاف أن يُرى، كان بالفعل في صحبة الظلال، كان بالفعل بالفعل مجرد تعب، لم أعرف أثناءها أنه مريض بذلك المرض، لكنني قرب نهاية الرحلة عندما تساءلت عنه، وشوشني أحدهم، ولم أفهم، أصررت على أن بسام يبكي محبوباً ضاع منه، كنت أتمنى أن تكون الحكاية هكذا. عيناه ظلتا طوال الرحلة مخفيّتين، ولمّا عدت إلى القاهرة، أعدت قراءته، وقبل أن أتم حدسي وتخميني، فاجأني موته، فاستعنتُ كي أتعزى بعباراته: ليتخيل أحدكم الظلام مرآةً، ولو معتمة، يسير بمحاذاتها على وجه الدقة، ويصحبه الظل، ظله، في الجهة الأخرى من المرآة حيث يسود الظلام. انتهت عبارته، وانتهت عبارتي، كأنني أرى ظله حيث يسود الظلام.

* شاعر مصري