ترجمة: بسام حجار


رُوني مَاڴْرِيتْ: الْقِيَمُ الشَّخْصِيَّةُ، زيت على قماش، 1952.

يدلف إلى البيت كأنه يريد أن يحطم محتوياته دائما، إلا إذا كان الوقت قد جاوز منتصف الليل وأخمد الشراب وَقَدَ أعصابه. غير أن دخوله البيت في تلك الأيام، يختلف كل الاختلاف: كأنه مذنب، يكح قليلا، يتنهد أحيانا، يكلم نفسه كما قد يكلم المرء خصمه إثر سجال مطول وعنيف يستنفد الغضب لكنه لا يحل المشكلة. يخلع حذاءه في الصالة قبل أن يصعد إلى الطابق الأول حيث عليه أن يمر بباب أمي. وهي على الدوام لا تفوت عليها فرصة إعلامه بأنها سمعته بنحنحة مسموعة أو بآهة متحسرة: — أواه ! يا لبؤسي. وأحيانا أسمعه مجيبا: — أواه! يا لِتَعَسِي!، ويتابع طريقه إلى سريره الذي وضع على ما يشبه الشرفة المتصلة بغرفة أخي الأصغر داعين المتغيب، هذا اليوم بالذات، أواخر العام 1943، في مكان ما في برمانيا في عداد القوة المرابطة هناك من سلاح الجو الأمريكي. الحكاية التي سأسردها الآن تدور أحداثها في الفترة التي توفيت فيها والدة والدتي.


كان سلوك أبي حيال جدتي لأمي لا غبار عليه، غير أن سلوكه حيال جدي داكين كان مهينا إلى حد لا أظن معه أن ذلك العجوز ليحتمله لو لم يكن متحصنا دونه بإعاقة مزدوجة لكنه شبه أصم وأعمى.
في تلك الفترة كانت جدتي، برغم احتضارها، لا تزال تتمتع من نعمة البصر ما يتيح لها أن ترقب عودة أبي كورنيليوس إلى البيت، قادما من مكتبه، لتنبه زوجها إلى احتمال ظهوره في أية لحظة. كانت تسمع هدير "الستود بايكر" في الممر فتصيح مخاطبة جدي: — يا والتر، لقد وصل كورنيليوس!، وتحرص على الصياح بأعلى صوتها للتثبت من أن جدي، الجالس على كرسيه قرب الراديو، قد سمع جيدا، وكان ينهض عندئذ متثاقلا عن مقعده ويسير باتجاه السلم قاصدا غرفته. لكنه قد يبطئ أحيانا في سعيه هذا فتكون مناسبة للقاء حرج عند ردهة المدخل. — مساء الخير يا كورنيليوس، يبادر جدي إلى القول، ويكون محظوظا إذا تلقى جوابا هو عبارة عن: — نهارك سعيد، جافة، بدل الغمغمة المعتادة والنظرة الغامضة التي يحرجه بها كورنيليوس بعينيه المحتقنتين. لقد جاوز الثمانين ويعاني سَدًّا في كلتا عينيه، ويستغرقه صعود الدرج بمعونة زوجته، بعض الوقت. ولكن يحدث أن يتسلق والدي السلم قافزا درجاته أربعا أربعا خلف الزوجين المسنين وكأنه يريد أن يوقعهما في طريقهما. ما الذي يسعى وراءه: الشراب، طبعا! قنينة ويسكي مخبأة تحت سريره، عند الشرفة، أو تحت المغطس.
— حاذر يا والتر!
— اعذريني يا سيدة داكين! يغمغم والدي قائلا وهو يتابع اندفاعه على السلم لاهثا. يدخلان إلى غرفتهما ويغلقان الباب وراءهما. لا أسمع بالضبط ما يقولون غير أني أعلم أن الجدة تلوم جدي لأنه تريث قليلا في الطابق السفلي ولم يجنب نفسه ذلك اللقاء المهين. وما لا شك فيه أن جدي أيضا لا يرغب في مثل تلك اللقاءات البغيضة، لكنه منذ أصبح عاجزا عن القراءة، لم يعد قادرا على مقاومة إغواء الاستماع إلى الراديو في أوقات بث النشرات الإخبارية.
إنهما يعيشان معنا لأن حال جدتي الصحية تتراجع باستمرار. إنها تحتضر منذ عشرة أعوام ولا تزن اليوم أكثر من أربعين كليوجراما. والأحرى أن تبقى طريحة الفراش في غرفتها، أو حتى في المستشفى، غير أن جدتي عقدت العزم على أن تبقى واقفة على رجليها وأن تسهم في تدبير شؤون البيت. وهي تفعل إذ تتولى القسط الأوفر من أعمال الغسيل في القبو كما تصر على غسل الأطباق. ومهما رجتها أمي بأن تخلي عنها، فإن جدتي تصر بعناد على إفهام أبي بأنها لا تعيش بيننا عالة عليه. وإذا كنت قد عدت إلى البيت أواخر ذلك الخريف عام 1943، فلأن أمي كتبت لي ذات يوم: — لقد هجرت جدتك بيتها في ممفيس، فهي لم تعد قادرة على تدبر أمور البيت والسهر على جدك في وقت معا.
وبين سطور رسالتها أدركت أن أمي تتوقع وفاة جدتي الوشيكة، وأنه يترتب علي أن أعرج على سانت لويس خلال رحلتي بالباص من الساحل الغربي إلى الساحل الشمالي. ولهذا السبب أجدني هنا.
ذات ليلة من شهر نوفمبر أصل إلى البيت في ساعة متأخرة. وفيما أعبر الممر ألمح، عبر ستائر النافذة، جدتي وهي تطوف في أرجاء الصالة مثل هيكل عظمي مكسو بالملابس، فصعقت لمرآها مما اضطرني إلى وضع حقائبي عند العتبة والانتظار خمس دقائق ريثما أدخل. بقيت جدتي إلى مثل هذه الساعة المتأخرة وحيدة في انتظاري فقد ظن والداي أنني تابعت طريقي إلى نيويورك مباشرة على جاري عادتي في معظم الأحيان برغم وعدي بأنني سأعرج على البيت.
كانت تقلل من شأن مرضها وتفلح أحيانا في إقناع الآخرين بذلك. فقد احتفظت لي بطبق ساخن للعشاء وأبقت نيران المدفأة مشتعلة في الصالة.
ولم تلمح، من قريب أو بعيد، إلى إخفاقي في استوديوهات MGM في هوليوود وتجربتي المهينة ككاتب سيناريو، التي انتهت في غضون ستة أشهر.
أخبرتني جدتي أنها جاءت إلى سانت لويس لتعين إدوينا، أمي، المنهكة عصبيا والمضطربة حيال سلوك زوجها. فقد انصرف كورنيليوس إلى تعاطي الشراب بإفراط. وكانت أمي قد عثرت على خمس زجاجات من الويسكي تحت سريره وعدد آخر منها تحت المغطس! فقد تعرض منصبه كمدير للمبيعات في أحد فروع شركة شوسور لهزة عنيفة على إثر فضيحة مجلجلة: فخلال لعبة بوكر استحالت في النهاية إلى شجار، عمد أحد خصومة إلى قضم جزء من أذنه اليسرى، بل حرفيا، إلى قضم أذنه! فتوجب نقله إلى المستشفى حيث أجريت له جراحة عاجلة لزرع غضروف من أحد أضلاعه محل الأذن المبتورة. وبرغم التكتم الذي أحيطت به القضية فقد ذاعت تفاصيلها بين الناس، وأصبح السياج. مدير الشركة الإقليمي. ورئيس والدي المباشر، من ألذ أعدائه وعلى ذلك فقد يجد نفسه مضطرا إلى التقاعد المبكر تحسبا لصدور قرار بطرده من العمل. فيما عدا ذلك كل الأمور على خير ما يرام في البيت، ولم تسرد جدتي كل هذه القصص على مسمعي إلا لكي تخفف من الصيغة المبالغة من دون ريب، التي سأسمعها من أدوينا في الصباح الباكر. وعلى الأثر، ارتأت أن أصعد إلى غرفتي لكي أنام بعد هذه الرحلة الطويلة الشاقة. بلى! هذا ما يجدر بي أن أفعله، بالتأكيد! وكان من المفترض أن أنام في غرفة داعين وليس في ملاذي المفضل، أي السقيفة، لكيلا أصاب بنزلة شعبية هناك، وقد أجد سريرا لي في الغرفة، بأية حال.
لا يروق لي كثيرا أن أنام في غرفة شقيقي التي تفضي مباشرة إلى الشرفة حيث ينام أبي.
أدخل إلى الغرفة وأخلع ملابسي في العتمة.
جلبة غريبة تناهت إلى مسمعي من غرفة أبي. تأوهات، نخير، وشكاوي سكير متألم: — أواه: يا ربي يا ربي.
لم يكن يعلم أنني ما زلت صاحيا في الحجرة المجاورة ومن حين إلى آخر، كل نصف ساعة تقريبا، أسمعه وهو ينهض ويسير مترنحا ليأتي بقنينة الويسكي التي خبأها في مكان ما. ثم يخاطب نفسه شاكيا: — يا لِتَعَسِي.
أخيرا، ابتلع منوما. ويغلب التعب على توتري العصبي وعلى ذلك المزيج من مشاعر التقزز والإشفاق حيال أبي، كورنيليوس كوفى وليامس، بَشِيرِ الإنترناشيونال شوسور في المسيسبي، الذي انتزع من الدروب البرية الطليقة ووضع وراء مكتب كما يوضع حيوان الغابة وراء قضبان قفص.
مساء اليوم التالي نشب شجار عائلي حاد خلال العشاء. فوالدي من طينة الشَّارِبِينَ الذين لا يترنحون ولا يتعثرون في مشيتهم، بل الذين يجعلهم الشراب على قدر من القسوة والعنف، عاد ذلك المساء متأخرا إلى البيت وقد تعتعه السكر. وجلس إلى طرف المائدة فيما جلست والدتي إلى طرفها المقابل. وراحت تَحْدُجُهُ بنظرات متفرسة مغالبةً ألمها الصامت كما يصل كلب صيد لسربة سمان لائذة بدغل. وفجأة يطق غضبه الأعمى ويصيح: — بحق السماء! لم تحدقين بي على هذا النحو! لم تتباكين على هذا النحو على مصيرك؟ لقد آويت والديك هنا ولم أطلب منهما بَدَلًا، على ما أعلم!
يخترق صراخه صمم جدي الذي يقول بنبرة حازمة: — هيا يا روز، لنصعد إلى غرفتنا!
ولكن جدتي روز تبقى في مكانها وتنسحب أدوينا برفقة جدي إلى الطابق الأول. أما أنا فأمكث ساكنا بلا حراك كأنني تسمرت على كرسي. وأحس بالطعام في معدتي يستحيل حمضا.
صمت.
ينكب أبي على طبقه ويلتهم ما يحتويه كما يلتهم حيوان بري فريسته في الغابة. عندئذ تناهى صوت جدتي هادئا ورقيقا: — أتريد يا كورنيليوس أن نسدد بدلا عن إقامتنا هنا؟
الصمت مجددا.
يتوقف أبي عن التهام طعامه ويجيب بصوت أجش ومتهدج، دون أن يرفع عينيا عن طبقه: — لا، لا أريد ذلك يا سيدة داكين.
تغرورق عيناه المحتقنتان، ثم يغادر الطاولة مسرعا ويجلس على أريكته.
لا أذكر جيدا منذ متى صارت هذه الأريكة المحشوة القديمة جزءا لا يتجزأ من حياتنا. أذكر أنها كانت قطعة من أثاث الشقة المفروشة التي استأجرناها فور انتقالنا إلى سانت لويس. فلكي نحظى بالشقة كان علينا أن نشتري الأثاث الذي فيها. أثاث كامل من شأنه أن يثير انتباه أي مشرف على ديكور سينمائي يعنى بالتوثيق لإطار عيش البورجوازية الصغيرة في تلك الحقبة. وخلال انتقالنا إلى مسكن آخر تخلصنا من بعض هذا الأثاث، لكن أبي رفض دائما التخلي عن هذه الأريكة الضخمة. كانت تبدو ثابتة لا يمكن نقلها، فحجمها أكبر من فرجة الباب. ويفترض أنها في الأصل زرقاء غير أن الزمن أحال هذه الزرقة إلى لون غريب، أشد حزنا من الزرقة، كأن قماشها امتص كل المتاعب والماضي اللذَيْنَ كابدتهما العائلة. كان اختضابها (إذا أمكن الحديث عن اختضاب أريكة) وحشوتها مشبعين بالمشاعر. إذ لم تكن هذه الأريكة تشبه أريكة: فهي تبدو كشخص ضخم صامت مقيم على صمته، لا اختيارا أو حبا بالصمت بل لأنه يعلم ببساطة، أنه إذا شرع بالكلام لن يستطيع إلا الاسترسال في الرثاء لنفسه.
بجانب الأريكة هناك دائما قطعة أثاث قديمة، مصباح يعود، هو الآخر إلى الحقبة نفسها. إنه منتصب على قاعدته المعدنية المستديرة، جاثم بطوله على رجل جالس ضخم القامة. ثم يتقوس ليسند أتفه ما قد يستظله رجل جالس، ما يشبه كبة من الحرير، من طرز الأنتيكة الصينية، مزركشة بهدب طويل يذكر بالصفصاف الشاكي الباكي، فيما يحيل على الشخص الذي يشغل الأريكة.
لم أعرف يوما إذا كانت أمي تخشي حرمان أبي من أريكته المنتفخة ومصباحه الشاكي، أم أنها، ببساطة، تستحسن اللوحة التي يؤلفانها ومعها أبي. لقد كانت في سنوات صباها، أشبه بأميرات الأساطير وكانت مرهفة الذوق دون أن تمتلك ما يتيح لها اتباعه. لكنها اليوم متعبة. وقد شارفت على الستين، وليست لها إلا أن تترك الأمور على ما هي عليه.
وقد أضيفت إلى محتويات البيت المعتادة كل الأنتيكات التي استقدمت من منزل الجدين في ممفيس.. حتى أنه يتوجب على المرء أن يكون حريصا كل الحرص في تنقله لكيلا يرتطم بإحدى قطع هذا الأثاث المهجن.. والأريكة الضخمة، بالطبع، لا تزال هنا.
بعد المشاجرة المشهورة حول مائدة الطعام، أصيبت جدتي العزيزة روز أوثي داكين بنزيف قاتل.
كانت قد فرغت لتوها من غسل أطباق العشاء وعزف بعض شوپان على البيانو الذي أحضرته من ممفيس، ثم همت بصعود السلم حين ألمت بها نوبة سعال حاد تفاقمت إلى نزف رئوي خطير.
قاومت الموت بضع ساعات، لكنها فقدت من الدماء ما أوهن دفاعاتها. لم أجرؤ لشدة خوفي، على الدخول إلى الغرفة حيث تحتضر. ومكثت عند قرص الدرج. كانت جدتي تحاول أن تقول شيئا لوالدتي كانت تبسط ذراعها الماحل باتجاه طاولة مكتبها.
ولم تفهم أمي ما حاولت جدتي أن تقوله لها إلا بعد وفاتها بأيام: فقد كانت تسعي لإفهامها بأن كل مدخراتها قد خيطت إلى صِرَارٍ في أحد أدراج المكتب.
في ساعة متأخرة من الليل، وبعد أن نقلت جدتي إلى إحدى الدور المختصة بالمأتم، عاد أبي إلى البيت.
— كورنيليوس، قالت له، لقد فقدت أمي.
كنت هناك حين تلقى الخبر ورأيت ما ارتسم على وجهه: لقد كان تأثره مماثلا لتأثر أمي عندما أغمضت جفني روز بعيد لفظها أنفاسها الأخيرة.
اقترب من أريكته، تحت المصباح الشاكي، مثل رجل اكتشف لتوه أن كابوسه حقيقة. وراح يقول ويردد مرارا: — إنه أمر فظيع، أواه، يا إلهي، إنه أمر فظيع!
في تلك الفترة كنت قد انفصلت فعليا عن البيت والعائلة. وبقيت لعشر سنوات أشبه بزائر غير مداوم ومقل. أحيانا أقضي في البيت معظم شهور السنة وأحيانا أخرى لا تستغرق إقامتي فيه أكثر من أسبوع. ولكني لا أنسى السنوات الثلاث التي أعقبت دراستي الثانوية، والتي بقيت خلالها حبيس هذا البيت محكوما بالأشغال الشاقة في أكبر شركة عالمية لصناعة الأحذية، حيث كان أبي يقضي، هو أيضا، مدة عقوبته. ربما كان تعيسا مثلي ولكن الظروف التي حكمت عملنا هناك شديدة الاختلاف. فهو مدير المبيعات في فرع الشركة الذي يصنع أحذية وبوطات الأطفال، أحذية الإوزة الحمراء الشهيرة، والأرجح أن أكبر شركة عالمية.. لم تحظ لا قبل ولا بعد بمدير للمبيعات أفضل منه. أما أنا فكنت، في المبدأ، مجرد سَاعٍ، ولكني في الواقع كنت أضطلع بكل المهام التي يأنف من أدائها المستخدمون الآخرون. ولم يكن رب عملي حريصا على وجودي في الشركة مما حدا برئيسي المباشر إلى تكليفي بالمهام الأكثر حقارة. كنت في ذهاب وإياب متواصل بين المكتب ومستودع الشركة مما أورثني، على الأقل، ساقين عفيتين ومشية سريعة! ومن بين هذه المهام كان يستهويني أحقرها: أن أنصرف كل صباح إلى نفض الغبار عن عينات العرض وعن المرايا التي تعكس صورها. وقد جهزت هذه الصالة خصيصا لجذب تجار المفرق الوافدين من كافة أنحاء الولايات المتحدة. وكان مثل هذا العمل يستهويني لأنني أنصرف إليه وحدي قبل قدوم تجار المفرق. إذ أختلي وحدي بالمكان والمرايا وأنفض الغبار عن النماذج المعروضة بخرقة من الشَّامْوَاه. كان عملي هذا لا يستغرق وقتا طويلا، وأنجزه بحركات شبه آلية بعيدا عن أجواء المكاتب الصاخبة. وحتى لو أردت أقصى ما أمكن المرء من التريث والتأني فإن الأمر لا يستغرق أكثر من ساعة من وقتي كل صباح. ومهما تلكأت أجدني مضطرا للعودة إلى عملي في المكتب حيث أنصرف إلى طبع أكداس مكدسة من طلبيات المصانع — وجلها أرقام بأرقام — على الآلة الكاتبة.. كنت أرتكب أعدادا لا تحصى من الأخطاء ومع ذلك لم أطرد من الشركة على الفور لأن رئيس القسم الذي أعمل فيه مدين بوظيفته لنفوذ أبي الذي كان لا يزال في تلك الفترة ذا منصب منظور في التراتبية الوظيفية.. ولو ارتكبت أشنع الحماقات لن أفقد وظيفتي ذات الخمسة والستين دولارا في الشهر، حتى لو بذلت ما بوسعي لذلك.
من بين الموظفين جميعا كنت أكثرهم تغيبا عن المكتب. فالقسم الذي أعمل فيه يقع في الطابق الأخير من مبنى مؤلف من اثني عشر طابقا، واكتشفت سلما يفضي مباشرة إلى السطح وبدل أن أقصد مراحيض الرجال المقززة كل نصف ساعة تقريبا كن أتسلق السلم لأدخن سيجارة على السطح.. ومن فوق أتمتع بالمنظر المترامي إلى أبعد من حدود المسيسبيي لحقول القمح المذهبة في الْإِيْلِينْوَا، متمتعا بالطراوة مطلا، من الارتفاع الشاهق، على ضباب سانت لويس الملوث خصوصا في فصل الخريف. وقد اعتدت أن أمكث على السطح مدة أطول بكثير مما يستغرقه تدخين سيجارة متنكرا في قصيدة أكتبها أو في قصة أنجزها خلال عطلة الأسبوع.
كان لي بضعة أعداء في المكتب، خصوصا رئيسي المباشر، ذاك الملقب برجل القش. كان رجلا ضخم الجثة هُرَائِيًّا، متواضع الذكاء، بارعا في تدبير المقالب المؤذية تحت قناع كياسته الموصوفة. فهو على سبيل المثال، لم يفهم يوما ميلي إلى نفض الغبار عن الأحذية والقيام بالمشتريات من السوق. ويحرص دائما أن تكون رزمة النماذج التي أحملها إلى أفضل زبائنه عند طرف الشارع المقابل هي أثقل الرزم على الإطلاق. غير أن هذا قد أتاح لي أن أنمي عضلاتي وأن أستهلك بعض الشيء أوعية دورتي الدموية، الأمر الذي سيحررني بعد وقت، من فترة عبوديتي. لكن الأمر لم يقلقني كثيرا. فلطالما فكرت في الموت ولكن دون أن أخافه حقا، لا في تلك الفترة ولا اليوم.
ولكن ليس هذا ما وددت قوله. فما أردته هنا هو أن أصف رفقتنا. أبي وأنا، خلال المسافة التي نقطعها كل صباح معا في سيارته الستود بايكر، قاصدين وسط المدينة. كانت المسافة طويلة وتستغرق نحو نصف ساعة، وربما أكثر غير أني أجدها أطول بكثير لأننا، أنا وأبي، لا نملك ما نتحادث بشأنه فعلا. أذكر أنني كنت غالبا ما أبذل كل ما بوسعي لتخيل عبارة قد أبادره بها خلال رحلتنا لتكسر المدة على الأقل الصمتَ الذي يطبق علينا، في السيارة ويبدو شاقا بالنسبة له كما هو شاق بالنسبة لي. كنت أعد العدة لاختراع هذه العبارة أثناء تناولنا الفطور، وأطلقها دفعة واحدة في منتصف الطريق. وتكون في الغالب عبارة مجردة من أي معنى أو سياق أتلفظ بها كأني مرغم على ذلك وبصوت مكتوم، عبارة بشأن ازدحام المرور أو الضباب الذي يكتنف الشوارع. فالمهم بالنسبة لي هو النحو الذي ستتخذه إجابة أبي. وكان يجيب عن ملاحظتي كأنه يدرك الجهد الذي تكبدته للتفوه بها ويكون جوابه دائما رقيقا وحزينا: — بلى، كان يقول: — إنه أمر فظيع!
ولا أجد في جوابه هذا جوابا عما وددت قوله، بل الأحرى أن يكون جوابا عن أسئلة أخرى أرفع شأنا من المرور أو الضباب واليوم، مع تصرم الوقت، أحسب أنه فطن إلى مقدار الخوف الذي كان يسببه لي، وأنه كان يغفر لي. وأعلم أيضا أنه كان يود أن يعثر على وسيلة لهدم جدار الجليد الذي يقف فيما بيننا.
لعله من التجني القول إنه لم يبد أي عطف حيالي، أنا ابنه البكر غريب الأطوار. ولكني أعتقد اليوم أنه استشعر في قلبه غلبة نسب وليامس على نسب داكين، وأنني مع الأيام سأزداد شبها به. ولعل هذا الشعور كان مصدر إشفاقه علي.
والآن وقد بلغت سن أبي أطرح على نفسي عددا من الأسئلة بشأنه، ويبدو لي أنني بت أفهمه على نحو أفضل. بإمكاني الآن، مثلا، أن أكون أكثر تفهما لحنقه من الحياة الذي يشبه حنقي. وأسال نفسي عما إذا كان لم يشعر مثلي بالكراهية والزراية حيال أكبر شركة عالمية لصناعة الأحذية. وأتساءل إذا كان لم يود مثلي أن يتسلق السلم ليدخن سيجارة على السطح.
أعلم أنه كان يعتقد بأن أمي جعلت مني جبانا، سوى أنه كان واثقا، لكوني من لحمه ودمه، من أن أمامي كل الفرص المتاحة لتخطي هذه الإعاقة، وهذا ما توجب علي أن أفعله، وهذا ما فعلته.
كان قسمه، في شركة الأحذية، يقع تحت القسم الذي أعمل فيه بثلاثة طوابق، وكنت أضطر أحيانا للنزول، إليه. وهناك أجده دائما منهمكا في إملاء رسائله بصوت جهوري يمكن سماعه من حجرة المصعد حتى قبل أن يفتح بابه. يزرع أرض مكتبه جيئة وذهابا في دورات كاملة حول سكرتيرته الجالسة إلى مكتبه. وكان الناس الذين يستقلون المصعد، إذ يتناهى إلى مسامعهم رنين صوته الآمر، يتبادلون النظرات ويتبسمون.
غالبا ما تكون هذه الرسائل موجهة إلى هذا أو ذاك من الباعة المنتدبين، وهي في العادة لا تكون لا سارة ولا مقرظة ولا مراعية: — ربما تكون اليوم معتادا على أكل الدجاج المحمر، يصرخ في مكتبه حانقا، ولكني آمل أن تستذكر الأيام التي كنا نطوف الشوارع فيها وزادنا سيجارة بمثابة طعام الفطور. لا تنس، لأني أنا، لم أنس، وقد تعود مثل تلك الأيام مجددا!
كان رب العمل، السيد ج، يوافق على رسائل أبي، لكنه عمد إلى تحصين مكتبه بسور من الواجهات الزجاجية العازلة للصوت.
قال لي أحد الأطباء النفسانيين أنني سأغفر للعالم عندما أغفر لأبي. ويجب أن أعترف أن أبي هو من علمني الكراهية، ولكني أعلم أنه لم يقصد ذلك. إنه لمرعب أن يعرف المرء كيف يكره. مرعب أن يكره. غير أن هذا قد غفرته لأبي كما غفرت له أشياء أخرى.
لكني، بالمقابل، أسأل نفسي إذا كنت قد غفرت حقا لأمي لأنها علمتني أن أتوقع من العالم مقدارا من الحب والحنان أعجز عنه أنا نفسي. أفضل ما أنجزته هو الرغبة العميقة في أن أعمل، وأدين به إلى هذا العجوز الجالس على أريكته القديمة، وأستشعر الآن انتماءً عميقا إليه. أشعر قليلا كما لو أني جالس في مكانه على هذا المقعد المنتفخ، معزول عمن ينبغي أن أحبهم وعمن ينبغي أن يحبوني. أما عن الحب، فلا أفعل سوى أن أبتكر شخصيات في مسرحياتي وما أمنحه للعالم ليس سوى الاحتياط والضغينة. لست باردا. ولم أكن يوما قاسيا بعمد. ولكن حين أعمل طوال فترة ما قبل الظهر، لا يبقى لي ما أمنحه سوى اللامبالاة. وأحاول أن أبرر لنفسي بزعمي أن عملي يفسر لامبالاتي حيال أي شيء آخر. أحيانا، أتمكن من كسر هذا الانسداد العاطفي، أداعب، أقبل، أعانق شريكا أصبح وجوده ضروريا. غير أن هذه الفواصل لا تدوم طويلا. وحالما يعود الصباح، يستعيد عملي مكانته في طليعة الأولويات. بضع كلمات أخرى عن أبي: الذي بدأت الآن أعرفه وأتفهمه على نحو أفضل.
لم تكن أمي قادرة على أن تغفر له تصرفاته. وبمرور بعض سنوات على الفترة التي تحدثت عنها فيما سبق، أتاحت لها ظروفها المالية أن تطرده من حياتها. وهذا ما فعلته. كان قد أُدْخِلَ المستشفى إثر نوبة سكر حادة، وعندما عاد إلى المنزل رفضت أن ترده، وكان أخي قد عاد من حربه الأخيرة ولعب دور الوسيط بينهما لإنجاز معاملات انفصالهما الشرعية. أعتقد أن أبي لم يكن راغبا في الانفصال، لكنه مرة أخرى برهن على لباقة لم أظن يوما أنه يملكها. ترك المنزل لوالدتي بالإضافة إلى نصف ما يمتلكه من أسهم شركة الأحذية الدولية (مع أنها لم تكن معوزة، لأنني كنت قد تخليت لها عن نصف حقوقي عن معرض الزجاج). ووافق دونما قيد أو شرط على بنود وثيقة الطلاق وعاد إلى مسقط رأسه نوكسڤيل، بولاية تينيسي. وعاش هناك مع شقيقته العانس آيلا. غير أن العمة آيلا لم تحتمله لوقت طويل هي أيضا. فأقام عندها في فندق في منتجع يدعى وايتل سبرنغز على مقربة من نوكسڤيل، ثم التقى أرملة من توليدو (في ولاية أوهيو)، ولا أدري كيف نشأت بينهما علاقة متأخرة، أشبه بقصة حب خريف العمر، دامت حتى وفاته.
لم ألتق تلك السيدة، ولكني أشعر حيالها بالامتنان لأنها بقيت بجنب والدي طيلة أعوامه الأخيرة.
أخي داكين كان يذهب من حين لآخر، إلى نوكسڤيل للاطمئنان على صحة والدي كان دائم التوعك بسبب إدمانه الكحول، وأعتقد أن أرملة توليدو هي التي كانت تستدعيه.
داكين طهراني في طبعه، ولطالما فسرت إحجامه عن ذكر تلك السيدة بأي سوء بأنه بمثابة مديح لها. وكل ما بلغني عن ارتباطهما، على لسان داكين الدافئ، أنها بالنسبة لأبي نديم شراب مخلص. وكانا ينتقلان أحيانا بالطائرة إلى بيلوكس أو غولبورت في الميسيسيپي، حيث أمضى والدنا شهر العسل. وقد ألمت به تلك الوعكة القاتلة في طريق عودتهما من أحدى هاتين المدينتين حيث كان أبي سعيدا مع أمي وحيث أمي كانت سعيدة مع أبي. لا أدري ما الذي تسبب في وفاته، وإذا كان هناك أي سبب آخر غير وعكته الأخيرة. بقيت أرملة توليدو مع أبي حتى النهاية، في أحد مستشفيات نوكسڤيل. الأمر الذي سبب حرجا لعمتي آيلا التي كانت لا تقر بتلك العلاقة والتي لم تقبل بأن تزور والدي وهو على فراش الموت إلا بعد التثبت من أنها لن تلتقي رفيقته. وذات مرة صودف وجودهما معا في أحد أروقة المستشفى، غير أن آيلا لم تأت على ذكرها بسوء أمامي حين ذهبت إلى نوكسڤيل لتشييع أبي إلى مثواه الأخير.
كانت مراسم الدفن جميلة على نحو خاص، فقد جلسنا أنا وعمتي وأخي في مقصورة صغيرة مخصصة لأسرة الفقيد، ومنها تابعنا مجريات الاحتفال. ومن ثم انتقلنا إلى أُوْلْدْ غْرَايْ، مقبرةِ نوكسڤيل، وهناك نصبت لأفراد الأسرة خيمة مشرعة الجانب الأمامي لمتابعة مراسم دفن الرجل صاحب الأريكة المنتفخة.
خلفنا، على صف من المقاعد في الهواء الطلق، جلست جمهرة من الأقارب وأصدقاء الصبا. وبلغني أن أرملة توليدو كانت هناك: بعد الدفن، اقترب الجميع من خيمتنا للقيام بواجب التعزية بتأثر صادق. أما أرملة توليدو فقد غادرت في سيارة أبي وكانت تلك تَرِكَتَهُ الوحيدة لها. بعد ذلك لم يبلغني شيء من أخبارها.
أوصى والدي بما تبقى له من أسهم شركة الأحذية لشقيقته وابنته وشقيقي بالتساوي. وكان هذا الميراث يضمن لكل واحد منهم دخلا مقداره 100 دولار في الشهر. ولم يترك شيئا لي. فقد أسر للعمة آيلا قبل وفاته أنه لا يعتقد أنني أحتاج مبلغا من المال بمثابة ميراث.
وأسأل نفسي اليوم إذا كان يعلم، ويقيني أنه كان يعلم، أنه أورثني ثروة لا تقدر بمال: دمه الذي يسري في عروقي، ومهما كان مقدار الشقاء الذي وسم حياته كلها أسأل عما إذا كان الحب هو الذي مازج دمه في آخر الأمر وليس الكراهية.
عمتي آيلا توفيت هي أيضا. ولكن حين كنت في نوكسڤيل لتشييع أبي، أرتني صورة نشرت في صحيفة محلية: وفيها يبدو أبي أمام دار سينما يعرض فيها أحد أفلامي: بَايْبِي دُولْ.
وتحت الصورة تعليق هو ما قاله أبي: — أرى أنه فيلم جيد، وأنا فخور بابني.

(*) كتبت هذه القصة نحو العام 1960 ونشرت في ديسمبر 1980 في مجلة Antaeus. ولم تنشر في كتاب من قبل. تينسي وليامز [1911- 1983]: أديب أمريكي. اشتهر بمسرحياته الاجتماعية ذات الطابع الانتقادي التشاؤمي، منها فجأة في الصيف الماضي، عربة اسمها الرغبة، الوردة الموشومة وقطة على سطح من الصفيح الحارق. [هامش بسام حجار]. لم تُنْشَرْ ترجمة بسام حجار هذه في كتاب.